
عبد يونس لافي
الرسالة الاولى من رسائل النُّذُرُ والطُّقوس إبّان الامبراطوريةَ الآشوريَّةَ الحديثة
كما ذكرنا في الرسالة الاولى من الحقل الاول الذي خصص لرسائل البلاط والحاشية (Court and Courtiers) وعني بعشرة رسائل منها، مُسْتَلَّةِ من ارشيف نينوى(The Archives of Nineveh)، إبّان الامبراطوريةَ الآشوريَّةَ الحديثة(Neo-Assyrian Empire)، نبتدئ بالرسالة الأولى من رسائل الحقل الثاني الذي عني برسائل النُّذُرِ والطُّقوس (Portents and Rites) من ذلك الارشيف.
والنُّذُرِ جمع نذير، والنذير غالبًا ما يُطلق على نذير الشُّؤم كمُنبِّهٍ لحدوث شر، ولا ضيرَ إن استُعملَ كنذير بِشْرٍ لِيُنبهَ الى احْتمالية حدوث خيرٍ، وان كان الاستعمال الاول هو المُشاع. اما الطقوس فهي جمعُ طَقْس، وهي كلمة يونانية الاصل عرٍّبت عن كلمة طاقسِس او (Taxis) ، تشير الى مراسيم او شعائر تؤدى بشكل متميز ينطوي على حركات واصوات مرتبة، تمارس لأغراض تعبدية او كوسيلة لطرد او مقاومة الشرور.
احتلت النُّذُرِ والطُّقوس قسطًا لا يُستهان به من مجمل الأحداث السياسية والفعاليات الدينية ايام الامبراطورية الآشورية، اذ كان ملوكها يسعَوْن جاهدين لكسب رضا الالهة بتقديم القرابين واحياء الطقوس سواء في حالة السلم او الحرب.
ففي حالة السلم وعندما تضع الحرب اوزارها، او حين تكون هناك استعدادات عسكرية لخوض معركة ما، تعقد مثل هذه الطقوس شكرًا للٱلهة او طلبًا للنصر منها. لا عجب ان تجد المعابد تكتض باقامة هذه الطقوس الدينية وأن ترى ساحاتها تكتظ بالقرابين والنذور، وداخلها يضم ارقى الهدايا، وجدرانها تزينها الطلاءات الباهرة، والستارات الفاخرة، ويملأ اجواءها العطر والبخور.
ان مثل هذه الممارسات لم تكن من ابتداع الآشوريين، انما كانت استنساخًا عن السومريين والأكديين من اقوام بلاد ما بين النهرين، ثم تبنَّوْها وأضافوا اليها ما يشير الى التقدم الهائل الذي احرزته الامبراطورية الاشورية.
اولى هذا النوع من رسائل النُّذُر والطُّقوس كانت من احد رجالات البلاط اسمه بيل - يو [...]Bēl- الى جلالة الملك آشور بانيبال (Assurbanipal)
يبدأ بيل رسالته متوجهًا بالدعاء الى الآلهة بيل (Bēl) ، ونابو (Nabû) ، وشَمش (Šamaš) بان تسدل بركتها على الملك. ثم يخبره بان الكسوف اذا ما حدث، دون ان يرصد في العاصمة حيث يسكن الملك، فكأنه لم يحدث.
يعزو بيل عدم امكانية التأكد من حدوث الكسوف الى وجود الغيوم التي تغلف الاجواء، ولذا فان رصد ظاهرة الكسوف يعد من الصعوبة بمكان، وعليه فهو ينصح الملك بأن يكتب الى اشور (Aššur) العاصمة ومدن بابل (Babylon)، ونيپور (Nippur) ، وأوروك(Uruk) ، وبورسيپا (Borsippa)، للتأكد من الحدوث او عدمه في هذه المدن، اضافة الى ذلك ينصح الملك بمراقبة التقارير بهذا الشأن.
وإذا كنا قد ذكرنا المدن الأربعة الاولى في مقالات سابقة، فإن بورسيپا (Borsippa) هي مدينة سومرية - أكدية قديمة تقع في محافظة بابل العراقية وتسمى الان برس - نمرود (Birs - Nmrud ) اقيمت على جانبي الفرات، وتمتاز ببرجها الهرمي المدرح الذي يسمى زقورة. وتصميم الزقورة هو ما امتازت به حضارات وادي الرافدين كصرح معماري يرمز الى قنوات الاتصال بين السماء والارض.
يمضي بيل في رسالته مذكِّرًا الملك بانه احاطه علمًا بكل ما يتعلق بنذير الكسوف الذي حدث في كل من شهر اذار (Addaru) وشهر نيسان (Nisannu).
اما ما يتعلق بالطقوس المضادة للكسوف التي ادَّوْها بالفعل، فانها مفيدة حدث الكسوف او لم يحدث، ولذا فهو ينصح الملك الا يبعد الخبراء.
بعد ذلك راح بيل يُطَمْئِنُ الملك بأنَّ الآلهةَ العظام الذين يعيشون في عاصمة الملك، قد غطَّوْا سماء المدينة وحالوا دون ظهور الكسوف. ثم طمأنه اكثر بأن لا علاقة للكسوف بجلالة الملك او بلاده، ولذا ينبغي ان يكون سعيدا جدا.
وفي ختام الرسالة كتب ملاحظة حول توقعه إذا ارعد إله العواصف أداد (Adad) في شهر نيسان، فسيكون محصول "الشعير الصغير" اقل كمية من المعتاد. تجدرالإشارة هنا الى ان الشعير بصورة عامة يعتبر من المحاصيل الرئيسية في ذلك الوقت، والشعير الصغير يدلل على انه اصغر حجمًا من الشعير العادي.
والآن الى نص الرسالة:
إلى سيدي،
ملك كل البلاد آشور بانيپال (Ashurbanipal) ،
من خادمك بيل - يو [...]Bēl-u
لتبارك الألهة بيل (Bēl) ، ونابو (Nabû) ، وشَمش (Šamaš) جلالتك.
إذا حدث كسوف، لكنه لم يُرصد في العاصمة،
فإن هذا الكسوف لا يعتبر قد حدث.
"العاصمة" تعني المدينة حيث يقيم الملك.
الآن، كانت هناك غيوم في كل مكان؛
لذلك لا نعرف ما إذا كان الكسوف قد حدث أم لا.
يجب على سيد كل الملوك،
أن يكتب إلى آشور (Aššur)،
وإلى كل المدن مثل بابل (Babylon) ، ونفر (Nippur) ،
وأوروك (Uruk) ، وبورسيپا (Borsippa)،
ربما رُصد في هذه المدن.
يجب على الملك أيضًا أن يراقب التقارير المنتظمة... [كسر]
لقد كتبت كل شيء إلى جلالتك فيما يتعلق بنذير الكسوف،
الذي حدث في شهري آذار (Addaru) ونيسان (Nisannu).
وبالنسبة للطقوس المضادة للكسوف التي أدّوْها بالفعل،
ما هو الضرر الذي يمكن أن يحدث (حتى لو لم يحدث الكسوف)؟
من المفيد أداء الطقوس؛
لذلك يجب على الملك ألّا يبعد (الخبراء).
الألهة الكبار الذين يعيشون في مدينة جلالتك،
غطَّوا السماء وبالتالي لم يُظهروا الكسوف.
هذا ما يجب على الملك أن يعرفه:
أن هذا الكسوف لا علاقة له بجلالتك أو بلدك.
لهذا السبب يجب على الملك أن يكون سعيدًا.
ملاحظة: إذا هدر إله العاصفة أداد (Adad) في شهر نيسان،(فهذا يعني) محصول "الشعير الصغير" سينقص.

811 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع