أوراق العمر: لقاء بعد نصف قرن

نزار جاف

أوراق العمر:لقاء بعد نصف قرن

في السنين التي مرت ولن تعود، دأبت بين الفترة والاخرى سواءا من مدينة السعدية أو من السليمانية، على زيارة منزل عمي أنور جاف في بغداد، ولئن کانت الفترات متباعدة إلا إنها مع ذلك أخذت من عالم ذاکرتي مکانها الاعتباري الخاص بها، ولاسيما وأن أولاد عمي"ثلاثة أبناء ونظيرهم من البنات"، کانوا ودودين بطبعهم مع إنني کنت في عمر أصغرهم، ولاسيما صغرى البنات التي حفرت مکانة مميزة لها في ذاکرة أخواني وأخواتي لما تميزت به"ولازالت" من حنان وعاطفة صادقة تجاهنا.

في تلك الايام، وتحديدا في بداية العقد السابع، ومن خلال بعض من زياراتي، لفت نظري کثيرا فتاة فائقة الجمال کانت تتواجد هناك، وسرعان ما عرفت کونها على علاقة حب مع أبن عمي الاوسط بين الابناء، وعلمت بأن تلك الفتاة تنتمي لعائلة وجيهة من منطقة بشدر في السليمانية، لکنني بعد ذلك لاحظت عدم تواجدها ولم أعرف حينها سبب ذلك.

أبن عمي الذي أتحدث عنه، أصبح في منتصف العقد السابع نقيب مهندس طيار، لکنه لم يبدو مرحا ومنفتحا کما کان في الفترات السابقة من زياراتي، وعلى الرغم من کونه في ريعان شبابه وتمکن من أن يحصل على هکذا عمل وإختصاص فإنه لم يبدو سعيدا، لکن المفاجأة کانت عندما علمت خلال احدى زياراتي بأنه قد غادر العراق الى غير رجعة، وإنه ترك وطنه وعائلته وعمله وکل شئ آخر من أجل تلك الحسناء التي هام بحبها وطار الى ألمانيا حيث کانت قد إستقر بها المقام.

آخر مرة رأيت فيها أبن عمي هذا، کان في عام 1976، وکنت في کل مرة أذهب فيها الى هناك أشعر بنوع من الحنين إليه مثلما کنت أشعر بنوع من الحزن والانقباض عندما أشاهد معالم الحزن في سحنات وجهي عمي وزوجته، علما بأن مغادرته العراق في تلك الفترة الحساسة، لم يکن أمرا عاديا بل إنعکس سلبا على عمي على الرغم من کونه کان يتمتع بعلاقات متميزة مع شخصيات سياسية مرموقة نظير"طه محي الدين" معروف وعيادة کنعان الصديد(محافظ بعقوبة في تلك الفترة) وغيرهما إلا إن الامر لحسن الحظ قد عدى على خير حيث تمکن عمي بطريقة وأخرى من معالجته ولم ينعکس بسلبا عليه وعلى عائلته، مع ملاحظة مهمة وهي إن أبن عمي کان قد کتب رسالة من ألمانيا الى قائد القوة الجوية آنذاك يٶکد فيها بأنه لم يغادر العراق لأسباب سياسية وإنما لأسباب عاطفية بحتة.

أما أنا، فقد بليت من جانبي بلائا حسنا رويت بعضا منه في مقالات سابقة من هذا النوع ولاسيما من حيث وقوعي في الاسر بإيران لمدة 8 أعوام، وبعدها عدت الى عراق غير ذلك الذي ترکته قبل الاسر، وإضطررت لأسباب مختلفة الى مغادرة العراق في عام 2002، وإستقر بي الحال في ألمانيا، وتحديدا في مدينة بون.

بعد أعوام من إستقراري، تذکرت أبن عمي الذي خاطر بکل شئ من أجل حب حياته، ووددت أن ألتقيه، إلا إن طبيعة عمله(کما توضح فيما بعد نفس الشئ بالنسبة لزوجته التي أصبحت طبيبة) وکذلك عملي، حال دون ذلك، لکن من المفيد أن أنوه عن وجود إتصالات هاتفية فيما بيننا وکان في أکثر الاحيان لا يتواجد في ألمانيا، ولکن وفي ال21 من مارس 2026، وبمناسبة عيد النوروز، هاتفني أبن عمي ووجه لي دعوة کريمة في أحدى مطاعم مدينة "باد غودسبيرغ" وفي تمام الساعة 13،30 من ظهر ذلك اليوم

وبعد نصف قرن تماما من الفراق بيننا حدث لقاء عاصف بيننا، لقاء حفل بکل أنواع المشاعر الجياشة التي غمرتنا وجعلتنا نشعر بإنتعاشة روحية ووجدانية غير عادية.

في ذلك اللقاء، حيث کنت برفقة زوجتي وأبنتي الصغرى، وأنا أتحدث الى زوجته التي کانت السبب الرئيسي لمغادرة أبن عمي للعراق، فاجأتني بأن جمالها الفائق الذي تحدثت عنه في بداية هذا المقال، کان لا يزال يتحدى الزمن ويقف بشموخ، وقد أبهرني وزوجتي، وبعد أن ودعنا بعضنا الآخر على أمل لقاءات أخرى، فقد همست زوجتي في أذني؛ لقد فعل الصواب بأن ترك کل شئ في العراق من أجل هذه المرأة الحسناء.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

أفلام من الذاكرة

الطرب الأصيل

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1092 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع