
د.سعد العبيدي
بغداد... الوجه الرسمي (٢-٤)
صباحُ بغداد الشتوي له نبرةٌ مختلفة؛ شمسٌ وديعة تبسط دفئها بهدوء، وهواءٌ منعش تشوبه مسحةٌ خفيفة من الغبار، كأنها أثرٌ دائم لحركةٍ لا تهدأ. لم يكن صاحبنا يحمل في خاطره مقصدًا واضحًا، ساوره إحساس غامض بأن المدينة تضيق بأسرارها، وتوشك أن تبثّ ما يعتمل في صدرها. تأسرها ضوضاء تمتزج برائحة التراب، وأزيز مولّدات يتداخل مع صفارات نافذة، في نسيجٍ صوتيٍّ يفتقر الى الانسجام. حتى خُيّل إليه أن الإيقاع اليومي ليس سوى صدى لمشهدٍ عتيق، يُعاد بلا كلل ليدور في حلقةٍ لا تنقضي.
قادته قدماه إلى إحدى الدوائر الحكومية لتصديق وثائق ثبوتية. جلس قبالة مديرٍ تتراكم أمامه الملفات؛ ظنّ أنه سيصغي إلى حديثٍ عن تطبيق النظام، وحق المُراجع في إنجاز معاملاته، فإذا به يشهد نقاشًا حول وصولات شراء لمواد لم تشترى، أعقبه تدبيرٌ لإقحام الشقيق في إيفادٍ لا صلة له بالموضوع.
غادر تلك الدائرة ومضى إلى المستشفى ليستكمل فحوصًا روتينية، مستندًا إلى حق التأمين الصحي الحكومي الذي يستقطع من راتبه شهريا. جلس عند المدير؛ فاستوقفه ازدحام المكان وجلبة الطلبات: مراجعاتٌ تتكئ على توصياتٍ نافذة، وتقارير تُسطر لعجزٍ موهوم، وأخرى تُثبت ما لا أثر له، وهمساتٌ عن عللٍ لا تقيم إلا على الورق، وطلب إجازاتٌ بلا موجب، وشروطٌ صحية تلين تحت وطأة الوساطات. ثم انقضى الأمر بفحوصٍ أنجزها طبيب اختصاص بارع، كتب وصفةٍ طبية تُبتاع من صيدليةٍ مجاورة، لعدم تيسر الدواء في المستشفى.
تابع السير مثقلَ النفس، يجرّ وراءه صدى ما رأى، حتى ألفى بغداد تغصّ بأرتالٍ من سيارات الدفع الرباعي السوداء، تشقّ الطريق بصفّاراتٍ نافذة، فيما ينتظر الناس على الأرصفة، تتناوبهم سخريةٌ مكتومة. سأل صاحبَ محلٍّ عند الناصية عمّا يجري، فاكتفى الرجل بإيماءةٍ دالّة، كأن الأمر لا يستحق تفسيرًا.
وكأنّ هذا الضجيج الاستعراضي لا يصدر عن فائض قوّة، بل عن حاجةٍ إلى إعلانها؛ محاولةٌ لتعويض نقصٍ خفيّ في الهيبة، أو قلقٍ داخليّ لا يهدأ إلا حين يتردّد صداه في الشوارع. كان المشهد أقرب إلى استعراضِ سطوةٍ منه إلى حضورٍ واثق؛ وكلما علت الصفّارات، بدا الاطمئنان أبعد.
ومع انقضاء النهار، ظلّ ذلك الإحساس الثقيل يلازمه، حتى في جلسةِ مساءٍ جمعت لفيفًا من مثقفين وأدباء في نادي الأدباء. تكلموا عن نهبٍ منظّم لثروات البلاد، وعن دولارٍ ما زال يُهرَّب إلى إيران، وتغلغلٍ مليشياتي في مفاصل الدولة، حتى غدا الحديث همسًا خافتًا، يُذَكّر بذلك الهمس القديم عن الرئيس في الزمن السابق. واستمرّ الهمس إلى أن دخل اللواء سامي، فتحدّث عن أوامر لا تُنفَّذ، وقوائم صدرت لترقية ضباطٍ برتبٍ رفيعة خارج الجدول المخصص للترقية، دفعوا مالا من أجلها، وعن عسكريٍّ برتبةٍ عليا ضُبط متلبّسًا، فإذا بالمحاسبة تُزاح جانبًا بتأثيرٍ طائفي، ليُعرض عليه، بدلًا منها، تقديم طلبٍ شخصي للترقية والتقاعد.
عندها احتدّ الدكتور حسام، وقال بانفعالٍ ملحوظ إن الخشية قد أحكمت سلطانها، فبات الخطأ يُوارى بالمجاملة، وأضحت مشاريع الدولة غنيمةً لشبكات القربى، يُغدِق أهلها على من يشاؤون، فيما تُوزَّع المناصب والرتب على موازين الولاء الطائفي، وتميل القرارات إلى كفّة القوّة أكثر مما تنصاع لهيبة الدستور.
ساد المكان هدوءٌ متحفّظ أطفأ الجدل من غير خاتمة. عندئذٍ نهض مودِّعًا، ومضى ماشيًا يستعيد شريط يومه؛ فتراءت له بغداد، بوجهها الرسمي، مدينةً تبتسم بصرامةٍ وتخفي ارتباكها في العمق، كأنها تحاول أن تبدو أكثر تماسكًا مما هي عليه، كجسدٍ يسير بخطواتٍ منتظمة، فيما نبضه الداخليّ مضطربٌ لا يستقرّ على إيقاع. مدينةٌ تعرف ما يؤلمها، لكنها تؤجّل الاعتراف، وَتُراكم صمتها كما يُراكم المريض وصفاتٍ لا يتناولها.
***

903 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع