هرمز عقدة الطاقة العالمية صراع الجغرافيا والسياسة

بقلم : اللواء الملاح الركن المتقاعد فيصل حمادي غضبان

16 اذار 2026

هرمز عقدة الطاقة العالمية صراع الجغرافيا والسياسة

( مضيق هرمز معضلة الاختناق البحري بين الضغط الجيوسياسي واستقرار الاقتصاد العالمي )

١. ما يحدث حول مضيق هرمز اليوم يشبه معضلات تاريخية حصلت في ممرات مائية استراتيجية. تسمى في الجغرافيا السياسية “نقاط الاختناق البحرية” (Chokepoints)، وعندما تُغلق أو تُهدد يتأثر الاقتصاد العالمي باجمعها وللايضاح اكثر تطلب عرض أهم المقارنات التاريخية الأقرب لما يحدث اليوم:

أ. أزمة قناة السويس ومشكلة الطريق الاقصر : عند إغلاقها بعد حرب حزيران 1967.لمدة 8 سنوات كاملة (1967–1975).
حينها توقفت حركة التجارة بين أوروبا وآسيا عبر مسار ربما يكون أقصر مسافة ابحار. مما اضطرت السفن للدوران حول أفريقيا.بقيت 15 سفينة عالقة داخل القناة عُرفت باسم الأسطول الأصفر هو ( مجموعة سفن دولية علقت داخل قناة السويس لمدة ثماني سنوات بسبب إغلاقها بعد حرب 1967، وقد سمي بهذا الاسم نتيجة تراكم غبار ورمال الصحراء على السفن بسبب الرياح، فتحول لونها إلى الأصفر تقريبًا ) وأصبح مثالًا تاريخيًا على تأثير إغلاق الممرات البحرية على التجارة العالمية. الذي انعكست تأثيراته
على التجارة العالمية لاسباب عديده ابرزها ( ارتفاع كبير في تكلفة النقل. ، تغيّر طرق التجارة العالمية. ، بناء ناقلات نفط عملاقة تستطيع قطع الطريق الملاحي الطويل المستحدث ). مع مايجري اليوم بصدد مضيق هرمز مع مقارنةالفرق بين هرمز والسويس نجد ان تجارة النفط العالمي لم تكن تعتمد على قناة السويس بقدر اعتمادها اليوم على مضيق هرمز.

ب. أزمة البحر الأحمر : والتي بدأت أساسًا بسبب هجمات الحوثيين على السفن قرب مضيق باب المندب، لكنها تحولت إلى أزمة دولية لتأثيرها على أحد أهم طرق التجارة بين آسيا وأوروبا. بسبب الهجمات التي حصلت في منطقة باب المندب وتأثيراتها التي سببت. ( انخفاض حركة الشحن بشكل كبير. ، مع خسارة ماليه كبيرة بسبب تغير المسارات باتجاه أفريقيا ).

٢. مخاطر أزمة مضيق هرمز الحالية : تعتبر الاخطر بين الحالات التاريخية المماثلة لاسباب أهمها اقتصادية ( يمر عبر المضيق حوالي 20٪ من نفط العالم. وتوقفه يرفع أسعار الطاقة عالميًا مما ينعكس تأثيره على التضخم والاقتصاد العالمي ). لذلك كثير من المحللين الاقتصادين يعتبرون الأزمة الحالية تسبب ( أكبر اضطراب في سوق الطاقة منذ أزمة السبعينيات النفطية ). وعليه كانت معضلة أيران الاستراتيجية تتخللها مفارقة هي ان الاغلاق يضغط على الاقتصاد العالمي.لكنها أيضًا تضغط على اقتصاد المنطقة بما فيها حلفاؤها. وعليه يمكن القول نعم، التاريخ شهد أزمات ممرات مائية مثل ( قناة السويس ، باب المندب ) لكن أزمة مضيق هرمز الحاليه تعتبر الأكثر حساسية للطاقة العالمية، ولهذا توصف دائمًا بأنها أخطر نقطة اختناق في الاقتصاد العالمي.

٣. تصاعد الحديث عن فتح المضيق بالقوة أقترن ذلك مع دعوة الرئيس الامريكي ( ترامب لتشكيل تحالف دولي بسمى حماية المضيق ) الدول المستفيد اقتصادها من المضيق للمشاركة بقوة يتأمين انسيابة النقل من خلاله . ان لا يهمل العالم تأثيره في الاستراتيجية البحرية من خلال الحقائق ادناه :
أ. مقارنة مضيق باب المندب ومضيق هرمز البديل أم معضلة مؤجلة : يمثل كليهما نقطتين استراتيجيتين مهمتين في تجارة الطاقة العالمية، مع اختلاف الادوار كما موضح ادناه:
أولًا: باب المندب هل يمكن أن يكون بديلًا لهرمز..قد يكون الجواب ( ليس بديلًا حقيقيًاً )..السبب أن ( مضيق هرمز هو مخرج النفط من الخليج أصلًا. بينما مضيق باب المندب يقع في طريق السفن بعد خروجها من الخليج باتجاه البحر الأحمر ثم قناة السويس )..
بمعنى آخر ( إذا أُغلق هرمز فلن تصل معظم ناقلات النفط أصلًا إلى باب المندب ).

ثانيًا: رغم ذلك يبقى باب المندب حلقة ثانية في سلسلة التجارة العالمية وفق المسار ( الخليج ، مضيق هرمز ، بحر العرب ، خليج عدن ، مضيق باب المندب ، البحر الأحمر ، قناة السويس ، أوروبا )..تعطيله يؤثر على ( تجارة آسيا ، أوروبا) خاصة شحنات النفط القادمة من الخليج والمتجهة إلى أوروبا.

ثالثًا: هل متوقع أن يصبح باب المندب معضلة مشابهة ان تعرض لما يحصل ..نعم لقربه من مناطق توتر مثل اليمن والقرن الإفريقي . مع اعتباره ممر تجارة عالمية كبيرة بين آسيا وأوروبا .مما فرض نفسه ان يكون ثاني أهم نقطة اختناق عالمي بعد مضيق هرمز.

٤. تعتمد تجارة العالم على ممرات بحرية ضيقة رغم اتساع المحيطات تستند الى ات التجارة العالمية لا تحكمها المحيطات… بل تحكمها المضائق . يؤيد ذلك قول المختصون ( أن الجغرافيا الطبيعية وشبكة التجارة العالمية تجعل السفن تمر عبر عدد قليل من الممرات الضيقة المعروفة باسم نقاط الاختناق البحرية. وأهمها مثل مضيق هرمز ومضيق باب المندب وقناة السويس ومضيق ملقا وقناة بنما ..للاسباب ادناه :

أ. شكل القارات يفرض المسارات لانها ليست مفتوحة بالكامل على بعضها، بل تفصل بينها ممرات ضيقة.
مثلاً ( الخليج العربي لا يخرج إلى المحيط إلا عبر مضيق هرمز ، البحر الأحمر لا يصل للمحيط إلا عبر مضيق باب المندب ).لذلك تتحول هذه النقاط تلقائيًا إلى طرق إجبارية للسفن.

ب. الاقتصاد يختار الطريق الأقصر : السفن التجارية تبحث دائمًا عن ( أقل وقت ، أقل استهلاك وقود ، أقل تكلفة ) ولهذا تستخدم الطرق المختصرة مثل قناة السويس بدل الدوران حول أفريقيا، أو قناة بنما بدل الدوران حول أمريكا الجنوبية.

ج. البنية التحتية : الموانئ الكبرى وخطوط الشحن العالمية بُنيت عبر عقود حول هذه المسارات، لذلك أصبحت شبكة التجارة العالمية مرتبطة بها.

د. طبيعة الملاحة الحديثة : السفن الضخمة مثل ناقلات النفط وسفن الحاويات تحتاج الى ( مسارات محددة ، ممرات معروفة ،موانئ عميقة ومقتدرة ).. مما يزيد الاعتماد على الممرات المنظمة.

ه. العامل العسكري والاستراتيجي:لقلة ومحدودية تلك الممرات أصبحت نقاطًا استراتيجية تتحكم فيها الدول.
ومن يسيطر عليها يستطيع التأثير على التجارة والطاقة العالمية.

٥. السؤال الاستراتيجي ماذا لو أستمرت إيران في تعطيل مضيق هرمز ما هي البدائل لحركة نفط الخليج..الجواب ثلاثة بدائل والمفاجأة أن اثنين منها فقط يعملان حاليًا وقدرتهما محدودة جدًا هي :

أ.خط شرق غرب السعودية petrol line : ينقل النفط من شرق السعودية في الخليج إلى ساحل البحر الأحمر. ينتهي في ميناء ينبع على البحر الأحمر.يسمح هذا الخط بتجاوز مضيق هرمز بالكامل.لكن المشكلة قدرته أقل من حجم النفط الذي يمر في المضيق. ولا يخدم كل دول الخليج.
ب. خط أنابيب الإمارات إلى بحر العرب : يصل من حقول أبوظبي إلى ميناء الفجيرة.يخرج النفط مباشرة إلى بحر العرب دون المرور عبر المضيق.طاقته محدودة مقارنة بالصادرات الخليجية.
ج.النقل عبر البحر الأحمر يمر عبر ( مضيق باب المندب ثم إلى قناة السويس أو عبر أنابيب مصر إلى البحر المتوسط ) .
لكن هذا المسار يشكل خطورة لأنه يعتمد على مضيق باب المندب.
٦. العراق والمعضلة الكبرى : 80–90٪ من صادرات النفط العراقي تمر عبر مضيق هرمز مع وجود بدائل هي :
أ.خط أنابيب العراق تركيا عبر اقليم كردستان يصل إلى ميناء جيهان على البحر المتوسط. طاقته أقل من موانئ البصرة.تعرض للتوقف عدة مرات بسبب خلافات سياسية وأمنية ومن المؤسف كما تناقلت الاخبار ان اقليم كردستان منع ذلك ..
ب. الطرق التاريخية المتوقفة: في الماضي كان هناك خطوط عبر ( سوريا إلى البحر المتوسط ) ( السعودية الى البحر الاحمر ).
ج. معظم نفط العراق يخرج عبر الخليج ويمر من مضيق هرمز.جزء أصغر يذهب عبر خط الأنابيب إلى ميناء جيهان في تركيا. وعليه ان الازمة الحاليه في مضيق هرمز مع الجدل السياسي بين المركز والإقليم قد توقف صادرات العراق كلياً .التحديات الاستراتيجية التي يواجهها العراق حقيقية، لكن التاريخ يُظهر أن الدول يمكن أن تغيّر مسارها إذا توفرت التحديات الاستراتيجية .، لكن التاريخ يُظهر أن الدول يمكن أن تغيّر مسارها إذا توفرت رؤية طويلة المدى واستقرار نسبي..وهذا غير ممكن حالياً .

٧.الخلاصة : حتى مع وجود خطوط أنابيب بديلة، فإن معظم نفط الخليج ما زال يعتمد على مضيق هرمز.
لذلك يُعتبر أحد أهم نقاط الاختناق الاستراتيجية في الاقتصاد العالمي.المحيطات واسعة، لكن الجغرافيا والاقتصاد جعلا التجارة العالمية تمر عبر بضعة ممرات ضيقة فقط.لهذا تُعد هذه الممرات من أهم النقاط الجيوسياسية في العالم. وعليه ان الأهمية العسكرية لمضيق هرمز لا تعود فقط إلى ضيق الممر، بل أيضًا إلى الجزر القريبة التي تسمح بالتحكم والمراقبة والضغط العسكري على الملاحة.لذلك يقول خبراء الاستراتيجية البحرية إن المضيق يشبه ( بوابة ضيقة تحرسها جزر مسلحة) .

٨. دعوة ترامب لتدويل فتح المضيق بمشاركة الدول المستفيدة من استخدامه : كان الرد من فرنسا ان مهمتها حماية الحلفاء دون غيرها …أما الصين وكوريا الجنوبية وروسيا لا زالت المواقف غير واضحة …المرونه ابدتها بريطانيا المرتبطة بعملية البحرية الأوروبية اسمها
( عملية أسبيديس EUNAVFOR ASPIDES).المشتقه من كلمة Aspides اليونانية التي تعني الدرع الواقي أن الهدف من المهمة هو حماية السفن التجارية في الممرات البحرية الخطرة. هي عملية بحرية أطلقها الاتحاد الأوروبي عام 2024 لحماية الملاحة الدولية بعد تصاعد الهجمات على السفن في البحر الأحمر مهمتها ( مرافقة السفن التجارية في الممرات الخطرة. ، مراقبة التهديدات البحرية مثل الصواريخ أو الطائرات المسيّرة. ، حماية حرية الملاحة العالمية.جمع معلومات بحرية عن التهديدات في المنطقة ).  تعمل هذه المهمة في عدة مناطق مترابطة في ( البحر الأحمر ، مضيق باب المندب ، خليج عدن ، بحر العرب ) مع مراقبة الوضع في مضيق هرمز. ومع تصاعد التوتر الحالي بدأت دول أوروبية مثل بريطانيا وفرنسا مناقشة توسيع مهمة ( أسبيديس ) أو إنشاء قوة بحرية مشابهة لحماية مرور السفن وإعادة فتح المضيق إذا تعطلت الملاحة. بمعنى آخر ان ( أسبيديس هي قوة حماية للملاحة ) ويمكن استخدامها أو توسيعها إذا أصبحت الملاحة في هرمز مهددة.

٩. اذا هطلت الامطار انكشف المخفي : مثل واقعي يعكس ما يثيره المحللون حاليًا حول جزر أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى ..أن أي توتر أو أزمة في مضيق هرمز قد “تكشف المخفي”، بمعنى أنها تظهر الأهمية الحقيقية لهذه الجزر و يعكس درسًا تاريخيًا مهمًا في السياسة والجغرافيا الاستراتيجية:
أ. الخلفية التاريخية : مطلع السبعينات، تحديدًا 1971، سيطرت إيران على جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى قبيل إعلان قيام دولة الإمارات العربية المتحدة. أثار ذلك مظاهرات وغضب شعبي إماراتي، واعتبرته الإمارات احتلالًا لأراضيها وكان العراق أول من ساند اعتراض دولة الامارات .على المستوى الإقليمي، هذه الخطوة عززت النفوذ الإيراني في الخليج، وأظهرت ضعف أي رد سياسي أو عسكري عربي مباشر أستمر الى يومنا هذا .
ب. الدرس الاستراتيجي: التاريخ يُظهر أن إضعاف القومية أو تدمير القوة السياسية يؤدي إلى فراغ استراتيجي.وأي تهدئة أو سياسة “تجاهل” أو الاكتفاء بالدبلوماسية الضعيفة لن تمنع التمدد أو السيطرة من قوى أخرى.وهذا ما نراه اليوم: الجزر تحت سيطرة إيران منذ أكثر من خمسين عامًا، ومع أزمة مضيق هرمز الحالية يظهر قوة السيطرة الإيرانية على الملاحة الدوليه.
ج. السياسة المعاصرة: السيطرة على هذه الجزر جعلت إيران تتحكم جزئيًا في أحد أهم ممرات النفط في العالم.أي تهديد للملاحة البحرية يكشف أن القوة السياسية أو العسكرية لم تُبنى للحفاظ على الحقوق.والحلول الدبلوماسية وحدها قد لا تكون كافية إذا لم يكن هناك توازن قوة حقيقي.والتاريخ يثبت أن تجاهل بناء قوة وطنية وحماية السيادة يمكّن القوى الأخرى من التمدد، وأن تهدئة الخصوم فقط قد تكون سياسة قاتلة على المدى الطويل.

د. ماذا يحدث الآن : وسائل الإعلام والتحليلات العسكرية تشير إلى أن إيران عززت قواعدها العسكرية على الجزر.أي تحرك دولي ( مثل دوريات بحرية أوروبية أو مقترح تدويل حماية هرمز سيكشف حجم السيطرة الفعلية لهذه الجزر على الملاحة). بمعنى آخر، في الأزمة الحالية “هطلت الأمطار”، وأصبحت القدرات الحقيقية والخرائط الاستراتيجية لتلك الجزر معلنة للعالم.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

أفلام من الذاكرة

الطرب الأصيل

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

900 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع