فارس الجواري
المجال الجوي العراقي بين صواريخ الصراع ومعادلات السلامة
يجد المجال الجوي العراقي نفسه اليوم في قلب معادلة الصراع بين الولايات المتحدة وإيران بحكم موقعه الجغرافي الذي يشكل ممراً حساساً لحركة الوسائل القتالية بين إيران وخصومها في المنطقة وهذا الواقع فرض على الأجواء العراقية حالة من الشلل العملياتي والارتباك الملاحي، انعكست بشكل مباشر على حركة الطيران المدني وكفاءة إدارة المجال الجوي لتتحول الأجواء العراقية من ممر جوي حيوي إلى ساحة متأثرة بتوازنات الصراع الإقليمي حيث شهدت الفترة من 28 فبراير إلى 7 مارس 2026 سلسلة من القرارات السيادية المتلاحقة تمثلت بالإغلاق الاحترازي الشامل عندما أعلنت سلطة الطيران المدني العراقي إغلاق الأجواء أمام جميع الرحلات القادمة، المغادرة، والعابرة) فور بدء الهجمات الجوية الواسعة مع التمديد المتكرر لعدة مرات بناء على تقييم الموقف الأمني مما يعكس صعوبة التنبؤ بنهاية الموجات الصاروخية وهو ما عطل البنى التحتية للبلد وخصوصا بعد استهداف مطارات حيوية مثل مطارات بغداد وأربيل، والبصرة بطائرات مسيرة مما نقل التهديد من المجال الجوي إلى المنشآت الأرضية التي تستهدف القواعد الأمريكية في العراق وايضا الحقول النفطية وهذا التداخل لطيران التحالف الدولي والطيران الإيراني يجعل الفصل المدني/العسكري مستحيلاً يضاف ايضا موضوع التشويش الذي يضلل الطائرات المدنية.
صناعة الطيران تعتمد بالدرجة الاساس على سلامة الاجواء التي لا تُدار بالخطابات السياسية بل بمعادلات دقيقة لتقييم المخاطر فشركات الطيران وشركات التأمين الدولية تعتمد منهجية واضحة تقوم على قياس احتمال وقوع الخطر مقابل حجم نتائجه المحتملة وفي بيئة صراع مفتوح مثل التوتر الحالي في المنطقة والذي يجعل من المجال الجوي العراقي منطقة عالية المخاطر وفق هذه المعادلة وتحديدا عندما تصل نتيجة التقييم إلى مستوى خطر غير مقبول وهنا تبدأ الخسارة الحقيقية للدول الواقعة في خط الصراع حيث تتحول الأجواء من مصدر إيرادات استراتيجية إلى فراغ جوي تتجنبه شركات الطيران العالمي ويعرض العراق ودول المنطقة خسائر بملايين الدولارات يومياً من رسوم العبور حيث تحولت مسارات الطيران العالمي مثل المسارين M860 وM688 إلى مناطق محظورة تماماً من قبل المنظمات الدولية ذات العلاقة بالطيران وهو مايجعل السيناريوهات المستقبلية لصناع القرار في العراق أمام ثلاث خيارات اولها السيناريو المتشائم وهو استمرار الإغلاق الكلي وتحول الأجواء العراقية إلى منطقة عمليات حربية دائمة مما يعزل العراق جوياً والثاني سيناريو الممرات الضيقة وتتمثل في محاولة فتح ممرات جوية في أقصى غرب أو جنوب العراق بعيداً عن مراكز الصراع وهو أمر صعب تقنياً بسبب انتشار المسيرات أما السيناريو الثالث السيادة المشروطة وتتمثل بالعودة للتشغيل فقط بعد إبرام اتفاقيات نظام عدم الاشتباك بين الأطراف المتصارعة وهو ما لا يبدو قريباً في ظل التصعيد الحالي.
أن تقييم المخاطر للحالة العراقية في ظل هذه التوترات لم تعد مجرد إجراء فني بل هو أداة بقاء فالمجال الجوي العراقي اليوم ليس مجرد مسار للطائرات بل هو جبهة قتال مفتوحة تتطلب تنسيقاً يتجاوز القدرات التقليدية لسلطات الطيران المدني وخصوصا حالة عدم الاستقرار وإغلاق الأجواء تسببت في نزيف مالي حاد طال ثلاثة قطاعات رئيسية كما اسلفنا سابقا ففي خسائر رسوم العبوريفقد العراق ما يقارب 30 إلى 45 مليون دولار شهرياً نتيجة تحويل شركات الطيران العالمية مساراتها بعيداً عن الأجواء العراقية نلك الإيرادات السيادية كانت تُستخدم لتطوير البنية التحتية للملاحة الجوية أما خسائر المطارات والخدمات الأرضية تصل إلى 70% نتيجة إلغاء الرحلات الدولية وهذا ما سيوقف المشاريع التطويرية وتسريح جزئي للعمالة في شركات الخدمات الأرضية والوقود والأسواق الحرة يضاف لكل هذه الخسائر فقدان ايرادات الناقل الوطني نتيجة الخسائر التشغيلية بسبب توقف الأسطول مع استمرار دفع رواتب الموظفين وعقود الصيانة وارتفاع أقساط التأمين بنسبة 400% لكون الطائرات تعمل في منطقة حرب وهذا ماسيجعل القيمة السوقية للناقل الوطني في تراجع مخيف يصاحبه فقدان لحصته في السوق لصالح شركات إقليمية بديلة.
من ماورد انفا تبرز هناك رؤى تخصصية على شكل توصيات فنية وسيادية مقترحة لتقليل هذه الخسائر وإدارة المخاطر بفعالية منها تفعيل خلية إدارة الأزمات الجوية الموحدة من خلال تشكيل غرفة عمليات مشتركة دائمة مدنية-عسكرية تضم ممثلين عن سلطة الطيران الدفاع الجوي وقوات التحالف لضمان تبادل المعلومات اللحظية عن إطلاق الصواريخ أو المسيرات قبل وصولها للممرات المدنية تهدف الى مراجعات دورية بغية انشاء استراتيجية للممرات الجوية الديناميكية بدلاً من الإغلاق الكلي تتغير إحداثياتها بناء على رصد النشاط العسكري اليومي وبالتنسيق مع منظمات الطيران العالمية وتعمل على ايضا الاستثمار في أنظمة الرصد السلبي من خلال تزويد أبراج المراقبة بأنظمة رصد متطورة تعتمد على تتبع إشارات الطائرات دون إرسال موجات رادارية قد تُستهدف لضمان استمرارية الرؤية الجوية مع اعتماد سياسة إغلاق قطاعات محددة بدلاً من كامل المجال الجوي وترك ممرات العبور الدولية مفتوحة تحت حماية بروتوكولات أمنية مشددة.
المشكلة في النهاية ليست في نظرية تقييم المخاطر نفسها فهي أداة علمية تعتمدها صناعة الطيران العالمية لحماية الأرواح والممتلكات المشكلة الحقيقية تكمن في هشاشة إدارة المجال الجوي في الدول الواقعة على خطوط الصراع فحين تتحول الأجواء إلى منطقة رمادية بين النشاط العسكري والمدني دون وجود منظومة إدارة مخاطر متكاملة أو قدرة سيادية واضحة على الفصل بينهما فإن النتيجة تكون حتمية لشركات الطيران التي ستختار السلامة أولاً وستتجنب المجال الجوي مهما كانت أهميته الجغرافية وهكذا يخسر العراق تدريجياً إحدى أهم ميزاته الاستراتيجية كممر جوي دولي ليس بسبب موقعه بل بسبب عجزه عن إدارة المخاطر التي يفرضها هذا الموقع .
فارس الجواري ..... رمضان 2026

961 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع