
د.سعد الغبيدي
بغداد ... الوهلة الأولى (١-٤)
حطّت الطائرة القادمة من بلاد الضباب والصقيع والبرد في مطار بغداد عند تخوم العصر، كأنها تهبط على صفحةٍ من زمنٍ اختبأ طويلًا في الذاكرة. كان الهواء يومئذٍ يحمل رهافة الربيع الصادق؛ نسمةً يتخللها خيطُ برودةٍ شفيف، وشمسًا مائلةً إلى الأفق خفَّ وهجُها، كأنها تستريح من عناء النهار، فاتحةً للمدينة فسحةَ تأمل، وما إن لامست أقدامه أرضَ الرافدين حتى انفرج في القلب بابٌ قديم، تدفّقت منه صورٌ دفينة عن بغداد التي خبرها الحنين يومًا: بغداد النخيل والكتب، بغداد الأزقة التي تحفظ خطى العابرين، وبغداد التي لا تشبه إلا نفسها.
في صبيحة اليوم التالي، بدت الجمعة كأنها نسمةُ هدوءٍ تعمُّ المدينة، اتجهت الخطى طوالها إلى شارع المتنبي؛ ذلك الشريان الثقافي الذي لا يزال يقاوم النسيان بعناد العارفين بقيمة الحرف. هناك، بدت الكتب كأنها كائناتٌ حيّة تتنفس بين الأكشاك، تتبادل الأسرار مع القرّاء، وتغري المارّة بوعود الاكتشاف.
ومن المتنبي إلى القشلة، حيث يتجاور التاريخ والحاضر في صمتٍ مهيب. المبنى العتيق يقف بثباتٍ يشبه وقار الشيوخ، جدرانه تستعيد حكايات الحكومات الأولى، وساعته الشهيرة ترقب الزمن كما لو كانت شاهدةً لا تنام. في الساحة، ينهض تمثال نازك الملائكة كقصيدةٍ متجسدة، يذكّر العابرين بأن الشعر في بغداد هوية.... شبابٌ وفتياتٌ يتوزعون المكان، بعضهم غارقٌ في حديثٍ عابر، وآخرون يستندون إلى أرائك وضعتها المقاهي التي وُلدت داخل بيوتٍ بغدادية أعيد ترميمها؛ كانت ذات يوم مسكونةً بأسرٍ وأحلام، فأصبحت اليوم مأوى للقاءات والذكريات.
بغداد تتبدّى، في أحد وجوهها المضيئة مدينةً لا تهدأ، تعيد تشكيل ملامحها بلا توقف. مبانٍ حديثة تنتصب على نواصي الشوارع، وفنادقُ شاهقة تلمع واجهاتها بالضوء، كأن نجومها لا تُحصى. وأماكنُ ترفيهٍ تنبض بالحياة، تتجاور فيها الأناقة والضجيج، وتتعانق فيها الموسيقى مع سهرٍ طويل لا يعرف العجلة. كأنها تعلن عن زمنٍ آخر يسعى إلى الحضور. ومجسّراتٌ تتشابك فوق الطرقات، تُربك القادم لأول مرة، لكنها تحكي عن مدينةٍ تكافح ازدحامها وتبحث عن انسيابها.
في كل زاويةٍ مطعم، وفي كل شارعٍ مقهى، حتى ليخال المرء أن بغداد مدينةٌ تُقاس بروائحها كما تُقاس بتاريخها. غير أن الليل فيها حكايةٌ أخرى؛ حين تخفت ضوضاء النهار، تمضي الخطى إلى نوادٍ عريقة استعادت بهاءها، تستقبل العوائل وطلاب السكينة، حيث تتوارى الهموم قليلًا، ويصفو المزاج، في فضاءاتٍ أُتيح لها هامشٌ من الخصوصية. أما دجلة الخير، فظلَّ على عادته سيد المشهد وذاكرة المكان، ينساب على مهلٍ وقد خفَّ بعض اندفاعه، على ضفافه يتناثر العابرون بين متأملٍ وصامتٍ وحالم، كأن النهر يمنح كلَّ واحدٍ مرآته الخاصة.
وفي تفاصيل الحياة اليومية، يلوح وجهُ بغدادَ المتحوّل. جيلٌ شابٌ، يتطلّع بعضه إلى التحضّر بثقةٍ ورغبةٍ في الانفتاح، يملأ الأمكنةَ والمساحاتِ العامة، ينسج صداقاتٍ وأحاديث، ويصوغ إيقاعًا جديدًا للمدينة. وإلى جواره جيلٌ آخر، أنهكته ضروراتُ العيش، اختار مكابدةَ الحياة بدلَ مقاعدِ الدراسة، يمضي في يومه مثقلًا بالسعي، حاضرًا بين صمتِ الأزقّة وضجيجِ العمل، يكتب حكايته على نحوٍ مختلف. وبين هذين المشهدين تتبدّل الأنماط وتتغيّر المظاهر، وتبقى بغداد – رغم كلّ شيء – مدينةَ التناقضِ الساحر؛ تجمع القديمَ والحديث، الوقارَ المقيّد والاندفاع غير المحسوب، الحنينَ والتيه...هكذا بدت بغداد للوهلة الأولى ليست بغداد الأمس تماماً، ولا هي غريبةٌ عن ذاكرتها. مدينةٌ تمضي إلى الأمام، لكنها تحمل قلباً مثقلاً بالقصص، مدينةٌ كلما ظننت أنك أدركتها، فاجأتك بوجهٍ آخر، كأنها تقول لزائرها: فيَّ من الحكايات ما لا ينتهي.
***

965 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع