
طارق الهاشمي
عندما تشوه الحسابات الخاطئة حق الدفاع عن النفس !
بعد ثلاث جولات ناجحة من المفاوضات غير المباشرة، عاد الوفدان إلى عاصمتيهما تمهيدًا لجولة رابعة كانت توحي بإمكانية تحقيق اختراق سياسي. غير أن المشهد تبدّل جذريًا عقب هجوم مباغت استهدف اجتماعًا للقيادة في طهران وأودى بحياة المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من القيادات العسكرية والأمنية، نفذته الولايات المتحدة وإسرائيل، خلاف المادة (2/4) من ميثاق الأمم المتحدة، التي تحظر استخدام القوة خارج إطار الشرعية الدولية أو دون تفويض أممي واضح.
كان ردّ إيران متوقعًا ومفهومًا في إطار حق الدفاع عن النفس المنصوص عليه في المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، إذ لا دولة تقبل استهداف قيادتها دون ردّ. غير أن الإشكالية لم تكن في أصل الرد، بل في نطاقه واتجاهه وطبيعته.
كما أن إدانة سلوك الأطراف المهاجمة لا تعفي الطرف المتضرر من الالتزام الصارم بالقانون الدولي في ردّه، فشرعية الدفاع عن النفس لا تُسقط واجب احترام التناسب والتمييز وسيادة الدول الأخرى.
فالقانون الدولي يميّز بوضوح بين الردّ المشروع والردّ غير المتناسب.
مبدأ التناسب (Proportionality) ومبدأ التمييز (Distinction) في القانون الدولي الإنساني — كما كرّستهما اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها الإضافية — يُلزمان أي طرف في نزاع مسلح بتوجيه ضرباته إلى أهداف عسكرية محددة، وتجنّب استهداف المدنيين والبنية التحتية ذات الطابع المدني. كما أن شرط الضرورة العسكرية يقيّد استخدام القوة بقدر ما يحقق هدفًا عسكريًا مباشرًا دون توسّع غير مبرر.
وحين تمتد الضربات إلى دول لم تكن طرفًا مباشرًا في الهجوم، أو تُصيب مناطق سكنية، أو منشآت مدنية حيوية، كمصافي الطاقة ومحطات الكهرباء والمعامل والموانئ والمطارات… إلخ، فإن ذلك يثير تساؤلات قانونية جدية حول مدى الالتزام بقواعد النزاعات المسلحة، فضلًا عن مبدأ احترام سيادة الدول المنصوص عليه في المادة (2/4) من ميثاق الأمم المتحدة، التي تحظر استخدام القوة ضد سلامة أراضي أي دولة أو استقلالها السياسي. فالرد المشروع لا يعني تفويضًا مفتوحًا بتوسيع رقعة الحرب أو تدويلها.
بالطبع الحديث هنا، عن الهجمات غير المبررة وغير المفهومة التي نفذتها إيران ضد جميع دول مجلس التعاون الخليجي والأردن، وهي ليست طرفا في الحرب، بل سعت بكل ما تستطيع من أجل تجاوزها، وإقناع الأطراف بجدوى الحل السياسي من خلال المساعي الدبلوماسية، فقد أدّت سلطنة عُمان، على سبيل المثال، دورًا محوريًا في تقريب وجهات النظر بين طهران وواشنطن، كما واصلت قطر مساعيها الدبلوماسية لاحتواء التوتر ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة وأعلنت مرارا أنها لن تسمح باستخدام أراضيها أو أجوائها في العدوان على إيران، ورغم ذلك تعرضت هذه الدول إلى هجمات صاروخية وبالمسيرات وحتى بالطائرات المقاتلة! وعندما سُئل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عن تبرير هذا الهجوم أجاب: بأنه كان مقصودًا لدفع هذه الدول لممارسة الضغط على الولايات المتحدة لوقف العمليات العسكرية!! وهو تبرير يصعب قبوله منطقيًا وسياسيًا، بل هو عذر أقبح من ذنب! إذ كيف يُعقل أن تُهاجَم دولٌ لمجرد حثّها على التحرك الدبلوماسي وهي كانت أصلا قد سعت لذلك متطوعة ودون طلب من أحد؟! وعلى الرغم من تغير الظروف، فإن الحاجة للوساطة والتفاوض ستبقى قائمة في المستقبل لإنهاء الحرب، وعندها يمكن تفعيل هذه الجهود عبر القنوات السياسية والدبلوماسية المعهودة، لا عبر الصواريخ والمسيّرات!!!
ثم إن السؤال الأكثر إلحاحًا: أليس من السذاجة الإستراتيجية افتراض أن دولًا تتعرض أراضيها وبناها التحتية للقصف ستتجه فورًا إلى الضغط على واشنطن لوقف إطلاق النار، من دون أن تضع في الحسبان مقتضيات السيادة وردّ الاعتبار؟ أليس من الاحتمالات الواردة أن تختار هذه الدول الردّ دفاعًا عن سيادتها، أو أن تعلن انخراطًا أوثق في تحالف عسكري مع الولايات المتحدة ضد إيران؟ أو أن تلجأ بالشكوى لدى مجلس الأمن وتضعف موقف إيران في المحافل الدولية؟ ولماذا لم تؤخذ هذه السيناريوهات في الحسابات الإيرانية؟
من الناحية الإستراتيجية، كان يفترض بإيران أن تُدرك حساسية محيطها الخليجي بوصفه مجالًا حيويًا للمناورة السياسية والاقتصادية. فدول الخليج — رغم الاختلافات — لم تكن في حالة حرب مباشرة مع طهران، بل لعبت أدوارًا في الوساطة واحتواء التصعيد.
إن استهداف هذا الفضاء الإقليمي يضعف موقع إيران القانوني والسياسي في آنٍ معًا. فالدولة التي تسعى إلى حشد الدعم الدولي ضد ما تصفه بعدوان عليها، تجد نفسها مطالبة بالالتزام الصارم بالقانون الدولي ذاته، وإلا فإن خطابها يفقد جزءًا من شرعيته الأخلاقية والقانونية. بل إن قواعد مسؤولية الدولة عن الأفعال غير المشروعة دوليًا — كما استقرت في أعمال لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة — تقرر أن أي إخلال بالتزام دولي يستتبع مسؤولية قانونية، وواجب الإيقاف وعدم التكرار وجبر الضرر عند الاقتضاء.
لقد ترتّب على هذا المسار تراجعٌ في مستوى الثقة الإقليمية، وارتفاع في منسوب القلق داخل دول الجوار، وهو ما ينعكس بدوره على أي مساعٍ مستقبلية للعودة إلى طاولة المفاوضات. فالدبلوماسية تحتاج إلى بيئة مستقرة، لا إلى أجواء تتسم بتوسيع دائرة الاشتباه والتوتر.
السياسة، في جوهرها، فنّ إدارة القوة لا استعراضها. والقوة حين تفقد انضباطها تتحول من أداة ردع إلى عبء على صاحبها. فالدولة التي تتصرف في لحظة انفعال قد تكسب جولة ردعية آنية، لكنها قد تخسر موقعها الإستراتيجي على المدى الطويل.
* خاتمة
في ميزان القانون الدولي، كما في ميزان السياسة، لا يكفي أن يكون الردّ مشروعًا في أصله؛ بل يجب أن يكون منضبطًا في حدوده ومتسقًا مع قواعد التناسب والتمييز واحترام السيادة. وأي انحراف عن هذه القواعد لا يضعف الموقف الأخلاقي فحسب، بل يفتح الباب لمسؤوليات قانونية ويبدّد الرصيد الإستراتيجي.
فالذكاء الإستراتيجي لا يُقاس بمدى اتساع دائرة النار، بل بقدرة الدولة على حصرها. وحين يُستبدل منطق القانون بمنطق الانفعال، فإن الخسارة لا تكون عسكرية فحسب… بل إقليمية ودولية في آنٍ معًا.

875 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع