فارس الجواري
ظاهرة القرقوز المؤسسي.. حين يتسيّد المهرّج على الكفاءة
في زمن لم يكن فيه المنصب يُنال إلا بالعرق والخبرة كان الموظف الكفؤ هو عملة المؤسسة الصعبة أما اليوم فقد ظهر كائن مؤسسي جديد من بين أروقة الدوائر والمكاتب لا يحمل خبرة ولا يمتلك كفاءة لكنه يمتلك ما هو أخطر من كليهما فن التمثيل إنه القرقوز المؤسسي
لا تبحث عنه في سجلات الإنجاز بل ابحث عنه قرب مكتب المدير ستجده أول من يصل وآخر من يغادر ليس لأنه مجتهد بل لأنه يدرك أن الحضور مسرح والمدير جمهور يُتقن فن الإيماء برأسه عند كل كلمة يقولها الرئيس ويضحك قبل أن تنتهي النكتة ويأخذ الملاحظة وكأنها وحي.
غير أن مهارته الحقيقية ليست في بناء نفسه بل في هدم غيره فهو يعلم أن الطريق إلى القمة تمر عبر إزاحة من هم أجدر منه لذا يعمل بصمت همسة هنا وتلميح هناك "فلان ما يتعاون" "علان يعتقد أنه يعرف أكثر من الجميع" . جُمَل خفيفة الوزن ثقيلة الأثر تتراكم في ذهن المسؤول كالرواسب حتى تُغيّر نظرته إلى أكفأ موظفيه.
وحين يصل القرقوز أخيراً إلى ما أراد تبدأ الفصل الثاني من المسرحية المؤسسة تحت إدارة من لا يُحسن إدارة نفسه تتعطل القرارات لأنه لا يفهمها وتتراكم الملفات لأنه لا يستطيع حلّها ويهرب الكفؤون إما بالاستقالة أو بالصمت المميت ذلك الصمت الذي يعني افعل ما تشاء لكنني لن أعطيك من طاقتي شيئاً
وهكذا، وبهدوء مريب تنزلق المؤسسة من الكفاءة إلى الفوضى ومن الإنتاج إلى الروتين ومن الروتين إلى الانهيار البطيء الذي لا يُحاسَب عليه أحد لأن الجميع مشغول بتصفيق القرقوز.
والمفارقة المؤلمة أن القرقوز نفسه لن يشعر بالذنب فهو في النهاية لم يفعل شيئاً سوى أن لعب دوره جيداً في مؤسسة لم تُحسن اختيار ممثليها
عندما يتسيّد المهرج لا تنتظر مأساة يونانية.. انتظر مسرحية سوداء بلا نهاية سعيدة.
فارس الجواري
009647711674086

497 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع