
الأستاذ الدكتور باسل يونس ذنون الخياط
أستاذ مُتمرِّس/ جامعة الموصل

حول الإعجاز العددي للقرآن الكريم
الإعجاز لغةً مشتقٌ من عجزُ عجزاً، والإعجاز القرآني مصطلح يدل على قصور الإنس والجن عن أن يأتوا بمثل القرآن الكريم أو بسورةٍ من مثلهِ. وتروي كتب التاريخ قصة الوليد بن المغيرة المعروف بعدائه الشديد للنبي محمد (ﷺ) والذي كان من أفصح العرب قولًا وشعرًا، فقد شهد على بلاغة القرآن بعد أن سمع النبي محمد (ﷺ) مرة وهو يقرأ القرآن فعاد إلى قومه قائلًا مقولته الشهيرة: ”والله لقد سمعتُ من محمد آنفاً كلاماً؛ ما هو من كلام الأنس ولا من كلام الجن؛ والله إنَّ له لحلاوة، وإنَّ عليه لطلاوة، وإنَّ أعلاه لَمُثمِر، وإنَّ أسفَلهُ لَمُغدِق، وإنّه يعلو ولا يُعلى عليه“.
كما هو معروف فهناك جوانب متعددة من الإعجاز القرآني، ومن هذه الجوانب: الإعجاز اللغوي، الإعجاز التشريعي، الإعجاز التاريخي، الإعجاز التربوي، الإعجاز النفسي، الإعجاز الاقتصادي، الإعجاز الإداري، الإعجاز التنبؤي، الإعجاز العلمي.
يتضمن الإعجاز العلمي ورود موضوعات علمية في القرآن تتعلق بالحقائق الكونية والتي لم تكن مُدركة للبشر في زمن نزول القرآن ثم أثبتها العلم لاحقا، ومن رواد الإعجاز العلمي الدكتور زغلول النجار الذي ربط بين ما جاء في بعض الآيات وما أقرّته نظريات علمية في القرن العشرين وما سبقه.
ومن مجالات الإعجاز العلمي؛ ظهر الإعجاز العددي؛ ويُقصد به ملاحظات عما ورد في القرآن وله علاقة بالأرقام والأعداد. ومن المآخذ على بعض دراسات الاعجاز العددي عدم اعتمادها منهجية ثابتة في التعامل مع القرآن الكريـم.
يبلغ مجموع الأعداد الواردة صراحة في القرآن الكريم 219 عددا ترد في 208 آية كريمة، فضلا عن 34 من الترتيبات العددية، وكما هو موضح في الجدول.

مجموعة أصول الأعداد في القرآن الكريم.
وكما هو واضح من الجدول فإن أكثر الأعداد ورودا في القران الكريم هو الرقم 1 الذي يرد صراحة أو ما يدل عليه 142 مرة في 139 آية كريمة، منها قوله تعالى (لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) (الزمر: 4).
ويعدّ العدد (الرقم) "واحد" من الأعداد النصیّة التي لا تحتمل إلا الدلالة القطعیّة، والعدد (الرقم) "واحد" يشير إلى الوحدانية، قال أبو العتاهية:
فيا عجباً كيف يُعصى الإلهُ أم كيف يجْحده الجاحدُ
وللَّهِ في كلِّ تحريكةٍ وتسكينةٍ أبداً شاهدُ
وفي كلِّ شيءٍ له آيةٌ تدلُ على أنه واحدُ
يتمتع العدد (الرقم) "واحد" بالعديد من الخصائص الرياضية المميزة والتي ينفرد بها عن سائر الأرقام والأعداد الأخرى، منها:
1- لا يقبل القسمة إلا على نفسه.
2- جميع الأعداد تقبل القسمة عليه.
3- جميع الأعداد يمكن تكوينها منه.
4- إنه العدد الوحيد الذي إذا رُفع إلى أي أس ينتج العدد نفسه.
5- إنه العدد الوحيد الذي إذا اُخذ أي جذر له ينتج العدد نفسه.
6- إنه ليس عددا أوليا بموجب المبرهنة الأساسية في علم الحساب.
نماذج مختارة من الإعجاز العددي للقرآن الكريم:
1- سورة البقرة:
من الإشارات العددية في سورة البقرة قوله تعالى: (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) (البقرة: 143). في هذه الآية الكريمة يتوافق معنى الآية الدال على الوسطية وموقع الآية في وسط سورة البقرة التي عدد آياتها 286: 286÷2=143.
2- سورة الكهف:
من القصص القرآنية التي تتضمن إشارات عددية قصة أصحاب الكهف التي يُجمع المؤرخون أنها حدثت بعد ميلاد السيد المسيح (ع) بحدود سنة 250م في عهد الملك دقيانوس (201-251م).
من المسائل الخلافية عدد الفتية ومدة مكوثهم في الكهف. فهناك من يقول أنهم مكثوا 196 سنة، وهناك من يزعم كان مكوثهم 188 سنة، وتدعي مصادر أخرى أن مدة مكوثهم في الكهف كانت 370 سنة، في حين تُحدد النصوص السريانية مدة الرقاد بـ (372) سنة.
أما القرآن الكريم فيشير بشكل دقيق إلى المدة الزمنية التي قضاها أصحاب الكهف نيامًا؛ فقال تعالى (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا) (الكهف: 25). وفي هذا النص القرآني بلاغة عجيبة تحدث عنها بعض علماء اللغة أمثال الدكتور فاضل السامرائي، كما يتضمن هذا النص القرآني إعجازا عدديا مثيرا.
لقد ذكرت هذه الآية الكريمة بشكل دقيق أنَّ أصحاب الكهف رقدوا في الكهف لمدة 309 سنوات في التقويم القمري، أي ما يعادل 300 سنة في التقويم الشمسي، ذلك لأن التقويم القمري أقصر بـ 11 يومًا من التقويم الشمسي، وهذه الأيام الإحدى عشر تكافئ 9 سنوات إضافية في التقويم القمري. وبذلك يكون القرآن قد خالف كل المراجع التاريخية اليونانية والسريانية وأعطى مدة الرقود بشكل دقيق وفق التقويمين الشمسي والقمري في آنٍ واحد.
3- سورة القَدْر:
ليلة القَدر، هي ليلة عظيمة تتكرر كل عام هجري في العشرة الأواخر من رمضان، وقد أخفاها الله تعالى لحكمة أرادها، وأنزل بها سورة مباركة: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴿ ١ ﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ﴿٢ ﴾ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴿ ٣ ﴾ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ﴿ ٤ ﴾ سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ ﴿ ٥ ﴾).
يلاحظ في هذه السورة الكريمة الآتي:
- عدد حروفها 114 حرفا، بعدد سور القرآن الكريم.
- عدد كلماتها 30 كلمة، بعدد أجزاء القرآن الكريم.
- ترد كلمة (القَدر) في هذه السورة في التسلسلات: 5 و 10 و 12، لاحظ أن 5+10+12=27، وهذا يُرجح أن تكون ليلة السابع والعشرين من رمضان هي ليلة القَدر.

4- هناك نماذج أخرى عديدة من الإعجاز العددي للقرآن الكريم وفق رؤى مختلفة، مثل: أن كلمة (البحار) ذُكرت في القرآن الكريم 32 مرة، وكلمة (البر) ذُكرت في القرآن الكريم 13 مرة؛ فيكون المجموع 45 مرة.
ويلاحظ أن:
32÷45×100=71.11 وأن 13÷45×100=28.88
وهذه النتيجة تتوافق مع ما توصل إليه العلم الحديث من أن نسبة المياه على سطح الأرض 71% ونسبة اليابسة 29%.
5- شاع في السنين الأخيرة استخدام النسبة الذهبية Golden Ratio في مجال الإعجاز القرآني، ومن المشتغلين في هذا المجال الطبيب الدكتور محمد جميل الحبّال وآخرون.
والنسبة الذهبية هي عدد كسري غير منتهي قيمته التقريبية لعشرة مراتب عشرية هي 1.6180339887، وقد تحدثتُ عنها بالتفصيل في كتابي المنشور مؤخرا سنة 2025 والموسوم (عالم الذهب).
مثال على ذلك: ورد قوله تعالى (فِي قَرَارٍ مَكِينٍ) في الآية 13 من سورة المْؤمنون، كما ورد في الآية 21 من سورة المُرسلات، ونلاحظ أن: 13+21=34، 34÷21=1.6، 21÷13=1.6.
وتكلم الدكتور حسين كمال الدين أحمد في بحثه الموسوم "إسقاط الكرة الأرضية بالنسبة لمكة المُكرَّمة"، عن مسألة تمركز الأرض اليابسة عند مكة المُكرَّمة؛ حيث قال: "وبعدما وضعتُ الخطوط الأولى في هذا البحث، ورسمت عليها القارات الأرضية، وجدت أن مكة المُكرَّمة هي مركز لدائرة تمر بأطراف جميع القارات".
أي أن الأرض اليابسة على سطح الكرة الأرضية موزعة حول مكة المُكرَّمة توزيعاً منتظماً، وإن مدينة مكة المُكرَّمة في هذه الحالة تُعدّ مركزاً للأرض اليابسة. وقد استدل بقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ) (الشورى: 7).
وتحقيقا لهذا الموضوع فقد أجرى (موقع سكاي نيوز عربية ) تجربة باستخدام تطبيق (جوجل إيرث)، وقد أظهرت الصورة المرفقة قياس المسافة بين الكعبة المُشرَّفة والقطب الجنوبي، وتبلغ 12361.17 كيلومترًا. ثم قيست المسافة بين الكعبة المُشرَّفة والقطب الشمالي، فبلغت 7639.50 كيلومتر. وعند تقسيم العدد الأوّل على الثاني تكون النتيجة 1.61806 وهي النسبة الذهبية.

وكل رمضان وأنتم بألف خير.

959 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع