
مجيد ملوك السامرائي*
المخاطر العالمية جغرافيا جديدة لمسارات قاسية تـتسيد المشهد الدولي
يشهد النظام الدولي في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين تصاعدًا غير مسبوق في المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية والبيئية، وهذا ما يعكس تحولات بنيوية/ هيكلية عميقة في طبيعة النظام العالمي، فلم تعد المخاطر والأزمات المعاصرة أحداثًا عابرة أو أزمات ظرفية، انما تحوّلت إلى ظاهرة هيكلية تعبّر عن حالة عدم استقرار مزمنة في بنية النظام الدولي، أذ ان المخاطر والأزمات العالمية المعاصرة مسارات قاسية تتسيد المشهد الدولي من شرق آسيا إلى أوروبا شرقا وغربا، ومن القطب الشمالي إلى الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية، ولهذه المخاطر والأزمات انعكاساتها على الاستقرار الدولي ومستقبل الحوكمة العالمية (التي تنظم العلاقات بين الدول بهدف تحقيق الاستقرار والتعاون الدولي عبر مؤسسات عديدة ومنها منظمة الأمم المتحدة)، مما ادى إلى إعادة تشكيل خريطة الصراعات العالمية بعد تراجع الأحادية القطبية، وصعود قوى دولية جديدة، وتفاقم الأزمات الاقتصادية والبيئية.
ويمكن فهم طبيعة هذه المخاطر وأسباب تزامنها وانعكاساتها على الأمن والسلم الدوليين من خلال تحليل عدد من المحددات الرئيسة وأبرزها؛ صراع القوى الكبرى وتوازنات الردع في مناطق الأزمات المتزامنة، وطبيعة الهويات والخطابات السياسية السائدة، ودور المؤسسات الدولية وقدرتها على الفعل، وذلك على النحو الآتي:
الحرب في أوكرانيا وتحولات الأمن الأوروبي:
أعادت الحرب في أوكرانيا تشكيل مفهوم الأمن الأوروبي، وأبرزت حدود النظام الدولي القائم على القواعد، كما كشفت الأزمة عن استخدام العقوبات الاقتصادية والطاقة كسلاح جيوسياسي، وما يرافق ذلك من تداعيات عالمية سياسية واقتصادية عديدة.
الشرق الأوسط – أزمات مركبة وصراعات متوالية:
يعاني الشرق الأوسط من باكستان الى قبرص من أزمات مزمنه ومتوالية تتداخل فيها الصراعات السياسية العديدة مع التدخلات الإقليمية والدولية، مما جعله نموذجًا للأزمات المركبة طويلة الأمد.
أمريكا اللاتينية– أزمات اقتصادية وسياسية:
تشهد دول أمريكا اللاتينية أزمات متكررة ناتجة عن الهشاشة الاقتصادية وعدم الاستقرار السياسي والاعتماد المفرط على الاقتصاد العالمي، وهو ما يهدد الاستقرار الاجتماعي والسياسي لهذه الدول.
أزمة تايوان وصراع الهيمنة في شرق آسيا:
تمثل أزمة تايوان إحدى أخطر بؤر التوتر في النظام الدولي نظرًا لتداخل البعد السيادي مع التنافس الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والصين، ولا تقتصر خطورة الأزمة على بعدها العسكري انما تمتد إلى الاقتصاد العالمي خاصة في مجالي؛ أشباه الموصلات/ المواد المستخدمة في صناعة الإلكترونيات، وسلاسل الإمداد العالمية/ أنشطة توفير المنتجات ابتداء من تصميمها الى تسويقها وتوزيعها.
كرينلاند والقطب الشمالي– الجغرافيا الجديدة للصراع:
أدى ذوبان الجليد والتغير المناخي إلى؛ تحويل القطب الشمالي إلى ساحة تنافس استراتيجي بين القوى الكبرى، حيث تمثل كرينلاند محورًا جيوسياسيًا متقدمًا في هذا السياق لما تختزنه من موارد، وموقع استراتيجي بالغ الأهمية.
الرؤى المستقبلية لمسارات المخاطر العالمية/2026:
تتسم السيناريوهات الأكثر ترجيحًا لمسارات المخاطر السياسية والاقتصادية وتكتلات أقطاب القوة بالتحول نحو عصر المنافسة الشاملة، حيث تتراجع آليات التعاون الدولي لصالح تصاعد المواجهات الجيواقتصادية وتشرذم الأقطاب العالمية، ويمكن تحديد أبرز هذه المسارات على النحو الآتي:
اولاً: مسارات المخاطر الاقتصادية والجيواقتصادية:
تُعدّ المخاطر الاقتصادية والجيواقتصادية التهديد الأكبر للاستقرار العالمي، فقد انتقلت سلاسل الإمداد العالمية بضمنها سلاسل التوريد من العولمة القصوى إلى ما يُعرف بالتجارة مع الأصدقاء او الشركاء، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع دائم في التكاليف، نتيجة اعتماد اختيار الموردين على التفاهمات السياسية بدلًا من الكفاءة السعرية، مما يُبقي معدلات التضخم العالمي عند مستويات مقلقة، كما أن تسييس التجارة والتمويل عبر تصاعد الرسوم الجمركية والعقوبات الاقتصادية والقيود على الاستثمار والتصدير، يُعدّ من المحركات الرئيسة للمخاطر الخارجية التي تواجه الشركات العالمية، وهو ما يُبقي النمو الاقتصادي العالمي ضعيفًا في حدود (2.6% - 3.1%)، ويضاف إلى ذلك أزمة الديون في دول الجنوب العالمي، حيث تواجه العشرات من الدول الفقيرة والنامية خطر الانهيار المالي، مما يفضي إلى موجات هجرة واضطرابات اجتماعية عابرة للحدود.
ثانياً: مسارات المخاطر السياسية والجيوسياسية:
يشكّل الصراع على السيادة في مجال الذكاء الاصطناعي ركيزة أساسية للأمن القومي للدول، وتكمن المخاطر السياسية والجيوسياسية في؛ سباق التسلح المبرمج الذي يقود إلى هجمات سيبرانية (ذاتية القيادة) تستهدف البنى التحتية الحساسة مثل منظومات الطاقة والاتصالات في ظل محدودية إمكانات الردع التقليدي. كما إن عسكرة الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة لتعزيز السيادة التكنولوجية تحوّله إلى ساحة صراع كبرى تتجاوز في خطورتها المواجهات العسكرية التقليدية، ومن المتوقع أن يسهم الذكاء الاصطناعي بنحو 15 تريليون دولار في الناتج المحلي الإجمالي العالمي بحلول 2030، مما يجعل السيطرة عليه في 2026 معركة سيادية تكنولوجية/ رقمية كبرى، وركيزة اساسية للأمن القومي للدول، ولمستوى يوازي النفط بأهميته في القرن الماضي/ العشرين. ومن المخاطر أيضا تآكل الوسطية الدولية حيث تواجه النظم والمؤسسات الدولية التي أرست الاستقرار لعقود عديدة ضغوطاً شديدة، نتيجة لانسحاب الحكومات من الأطر المتعددة الأطراف، مما ادى الى تلاشي دور الأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية، وبالتالي ظهور نادي الكبار الذي يفرض قواعده بالقوة، ويتسبب هذا بمخاطر الحوادث العرضية التي قد تتحول لمواجهات شاملة في مناطق التماس (بحر الصين الجنوبي، أوروبا الشرقية، الممرات والقنوات والمضايق البحرية).
اما التلاعب بالمعلومات فيشكل مخاطر عالمية أخرى، فمع تطور التزييف الرقمي العميق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم الألي لإنشاء صور وفيديوهات مزيفة فأن؛ المعلومات المضللة والمتمثلة بنشر معلومات خاطئة او كاذبة او اشاعات تعد من أكبر المخاطر القصيرة المدى والتي ستواجه كافة المجتمعات، وهذا ما يشكل خطر فقدان الثقة في عموم المؤسسات، ويسهل التدخلات الخارجية في الانتخابات والقرارات السيادية، وبالتالي أبقاء النزاعات الإقليمية بؤراً عالية المخاطر.
ثالثاً: مسارات التحالفات الجديدة وتعدد الأقطاب
يتصدر محور الصين - روسيا خريطة التحالفات الجديدة بهدف كسر الهيمنة الغربية، وتكوين منطقة نفوذ تمتد من آسيا الوسطى إلى الشرق الأوسط وتعتمد على اليوان الصيني كعملة تبادل، وفي المقابل ترفض قوى متوسطة مثل الهند والبرازيل وتركيا والسعودية الانحياز لأي من القطبين مستفيدة من مواردها الحيوية ومواقعها الجيوسياسية لفرض شروطها، وتحاول الدول الأوروبية تكوين قطب ثالث عبر الاستقلال الاستراتيجي لكنها تعاني من انقسامات داخلية؛ ما بين الحفاظ على التحالف مع الولايات المتحدة، وبين الحاجة الاقتصادية للسوق الصينية، مما يجعلها قطبًا متذبذبًا في معادلة القوة العالمية.
هكذا ستتشكل المسارات القادمة لصراعات الأقطاب المتعددة التي تتمثل بكل من؛ الصراع الثنائي بين الولايات المتحدة والصين كمحرك رئيسي للنظام العالمي، وصعود القوى المتوسطة مثل (الهند، البرازيل، تركيا، السعودية) بصفتها أقطاباً قادرة على المناورة مستفيدة من ثقلها الاقتصادي ومواردها الطبيعية، وسعي دول الجنوب العالمي لإنشاء أنظمة مالية وتجارية موازية تقلل الاعتماد على الدولار الامريكي كعملة تبادل، وتسريع الاتحاد الأوربي مضطرا لتبني خطط الاستقلال الاستراتيجي في الدفاع والتكنولوجيا.
أن الأزمات العالمية المعاصرة تعكس مرحلة انتقالية مضطربة تشكل جغرافيا جديدة للصراعات ومسارات عدم الاستقرار الدولي والتي تتسم؛ بتعددية قطبية غير مستقرة، وتراجع فاعلية مؤسسات الحوكمة العالمية، وعلية لابد من تبني مقاربات شاملة لإدارة المخاطر والأزمات تقوم على؛ تعزيز التعاون الدولي وإصلاح المؤسسات العالمية، والانتقال من منطق إدارة الصراعات إلى منطق الوقاية منها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*مجيد ملوك السامرائي، جغـرافـي، كاتـب ومـؤلف وأستاذ جامعي.
# ويكيبيديا # المعرفة # الحكمة # أرابيكا .
المراجع:
1. International Monetary Fund, World Economic Outlook, Washington DC: IMF, January 2026
2. European Council on Foreign Relations, Berlin, 2026
3. Economist Intelligence Unit, Global Risk Outlook 2026, Geopolitics and Macroeconomics, London, EIU, January 2026
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
مجيد ملوك السامرائي Majeed Malok Al-Samarrai جغرافي، كاتب، مؤلف واستاذ جامعي، ولد في مدينة سامراء – العراق. نال من جامعة بغداد شهادة الدكتوراه في الجغرافية 1996 وحصل على درجة (professor) 2004. شارك في 24 ندوة ومؤتمر، واشرف على 16 وناقش 43 من رسائل الماجستير واطاريح الدكتوراه. ألف ونشر 57 كتابا ونشر 80 بحثا، و29 مقالة. استشاري وخبير علمي للعديد من المجلات العلمية، وعضوا في العديد من الاتحادات العلمية. نال 16 تكريما وشهادة تقديــر، ومرشحا متميزا ليوم العلم للسنوات 1997 و 2008. وفي 2024 عده الاتحاد الدولي للمبدعين في العراق من ضمن ابرز ثمانون مبدعا.

1457 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع