العقلانية في الفكر العربي

الاستاذ الدكتور نزار الربيعي

العقلانية في الفكر العربي

لا تعني المصادر الجذور وحدها بل المصادر والتكوين، الجذور والثمار، البدايات والنهايات؛ فالمصادر قد تم تفعيلها في الثقافة العربية المعاصرة، ولم تعد فقط مصادر بل تحولت إلى نتائج، وإذا كانت المصادر تأتي من التاريخ فقد تحولت على مر التاريخ إلى بِنًى ثقافية مستقلة عنه ومؤثرة فيه.
كما لا تعني المصادر النقل من الخارج أو النقل من الداخل بل تعني أيضًا حاجة الواقع العربي المعاصر ومتطلباته التي يتم تلبيتها عن طريق البحث في المنابع الخارجية أو الداخلية؛ فالواقع هو الباعث على استدعاء المصادر، والحاضر هو الذي يستلهم الذاكرة البعيدة في التراث الإسلامي القديم أو الذاكرة القريبة في التراث الغربي المعاصر.
ويضم الفكر العربي المعاصر القرنين التاسع عشر والعشرين دون تفرقةٍ بين الحديث في القرن التاسع عشر، وربما الثامن عشر في شبه الجزيرة العربية أو حركة الاستنارة العقلية لدى علماء الأزهر ممثلة في الشيخ حسن العطار أستاذ الطهطاوي، وبين المعاصر في القرن العشرين، في النصف الأول أو في النصف الثاني منه، ليس المهم هو البداية الزمنية في التاريخ بل البداية المعرفية في العقل.
ولا يوجد تحديد لمعنى العقلانية أو العقل بل مجرد تجليات وتطبيقات له في الحياة الاجتماعية والسياسية، ولا يوجد في المقالات المجمعة أو في الكتب المؤلفة مقال أو جزء صغير عن العقل والعقلانية، وإن وجدت تحديدًا فمعظمها من الوافد الغربي أو من العقل البديهي؛ إذ يبدو أن الحديث عن العقل والعقلانية هو تلبية رغبة أو تعبير عن حاجة أو هو تخفيف من الإحساس بعقدة النقص أمام حضارة غربية عقلانية معاصرة لديها عقدة عظمة بالتفوق، والعقلانية أحد مظاهره.
و«المقال» هو الشكل الأدبي الغالب على العقلانية العربية المعاصرة الإصلاحية أو الليبرالية أو العلمية؛ فهي كتابات ملتزمة تخاطب الرأي العام، وتساهم في رقي المجتمع وتأسيس النهضة، بل إن المؤلفات التي لها عناوين مثل العقل والعقلانية إنما هي تجميع مقالات، ونادرًا ما يكون أحدها مؤلفًا مكتوبًا، بل قد يخلو عنوان يحمل اسم «العقل» من أي فصل عن العقل أو العقلانية.
ويمكن التمييز بسهولة وطبقًا للتصنيف الشائع بين ثلاثة تيارات في الفكر العربي المعاصر: التيار الإصلاحي الذي أسسه الأفغاني وتلاميذه، محمد عبده، رشيد رضا، حسن البنا، سيد قطب، وبعض الجماعات الإسلامية الحالية؛ والتيار الليبرالي الذي أسسه رفاعة رافع الطهطاوي في مصر، وخير الدين التونسي في تونس، والأجيال اللاحقة عند أحمد لطفي السيد وطه حسين والوفد الجديد؛ والتيار العلمي العلماني الذي أسسه شبلي شميل وفرح أنطون ويعقوب صروف وسلامة موسى وإسماعيل مظهر. وقد امتد كل تيارٍ على مدى خمسة أجيال، ينحسر فيها التيار جيلًا وراء جيل حتى تصبح النهايات غير البدايات وربما نقيضها.
وهناك مفكرون على التخوم بين أكثر من تيار، الإصلاحي والليبرالي عند قاسم أمين ومحمد حسين هيكل والعقاد وخالد محمد خالد، والإصلاحي العلمي مثل طنطاوي جوهري، والجيل الحالي من دعاة العلم والإيمان والليبرالي العلمي مثل زكي نجيب محمود وفؤاد زكريا وغيرهما، وهناك مفكرون آخرون تحولوا من تيار إلى تيار تدريجيًّا أو بانقلاب، يبدأ ليبراليًّا أو علميًّا وينتهي دينيًّا إصلاحيًّا.
وقد اتسمت العقلانية بطابع كل تيار: العقلانية الإصلاحية التي تحاول فهم الدين فهمًا عقلانيًّا؛ والعقلانية الليبرالية التي تحاول تأسيس الحرية على مقتضيات العقل؛ والعقلانية العلمية التي نموذج العقل فيها هو العقل الطبيعي المرتبط بالحس والواقع.
ويعتمد كل تيار على مصدرين؛ المصدر الداخلي في جذور العقلانية القديمة في التراث الإسلامي، والمصدر الخارجي في جذور العقلانية الحديثة في التراث الغربي مع تفاوت في النسب؛ فالعقلانية الإصلاحية أقرب إلى جذور العقلانية القديمة في التراث القديم منها إلى جذور العقلانية الحديثة في التراث الغربي، والعقلانية الليبرالية حاولت الجمع بين المصدرين الداخلي القديم والخارجي الحديث على نحو متعادل ومتوازن، تقرأ الحسن والقبح العقليين عند المعتزلة في (الشرطة) لنابليون، وتقرأ علم العمران عند ابن خلدون في مرآة (روح القوانين) لمونتسكيو، ويكتب محمد حسين هيكل حياة محمد في مرآة جان جاك روسو. أما التيار العلمي فإنه أقرب إلى المصدر الخارجي في العقلانية العلمية الغربية الحديثة منه إلى المصدر الداخلي الإسلامي في التراث القديم بالرغم من محاولة شبلي شميل بيان جذور نظرية التطور في القرآن الكريم من أجل الترويج لها في الثقافة المحلية، ومحاولة فرح أنطون تأصيلها في ابن رشد وفلسفته، ثم اختل الميزان عند يعقوب صروف في «المقتطف» وسلامة موسى في «هؤلاء علموني» فلا يوجد منهم عربي مسلم واحد ولا حتى ابن رشد أو ابن خلدون، وإسماعيل مظهر قبل أن ينقلب على التيار في أواخر حياته إلى التيار الإسلامي في «الإسلام أبدًا»، أما محاولة زكي نجيب محمود في «جابر بن حيان»، فإنها ليست تأصيلًا للعقلانية العلمية في الوضعية المنطقية بل مجرد كتابة عارضة لأحد أعلام العرب.
ويصعب القيام بإحصاء شامل لحصيلة العقلانية على مدى قرنين من الزمان مهما كان كاملًا، إنما المهم هو النصوص التكوينية عند الرواد في القرن التاسع عشر وتفريعاتها عند الأجيال اللاحقة في القرن العشرين استمرارًا فيها أو نقدًا لها أو انقلابًا عليها. وقد لا يتساوى قدر العروض كيفًا ولا كمًّا، إنما هي نماذج ممثلة للتيار مع وجود نماذج أخرى، ويستحيل إيراد إحصاء شامل، قد يكون التركيز أحيانًا على القرن التاسع عشر؛ لأن به جيل الرواد، وقد يكون أحيانًا على القرن العشرين، فهو أقرب إلى المعاصر، وقد يغلب التيار الإصلاحي التيارين الآخرين في العرض؛ لأنه أكثر التيارات شيوعًا وحضورًا في الفكر العربي المعاصر.
وقد أخذت العقلانية بالمعنى الدقيق وتحليل أهم نصوصها وليس بمعناها الواسع إيجابًا الذي يضم الاجتهاد والمعاصرة والتجديد والتحديث والإصلاح والنهضة، أو سلبًا مثل نقد التقليد والقديم والمحافظة والسلفية والجمود والتعصب؛ فقد اتسعت العقلانية حتى أصبحت تضم كل شيء، واستعملت كشعار أكثر منها كمفهوم خاصة في الفكر العربي المعاصر الذي ما زال يغلب عليه الطابع الفكري العام في المنابر العامة، ولم يتحول بعد إلى فكر دقيق ومفاهيم محددة، ما زال الخطاب الإنشائي هو الغالب، وهو أحد التحديات للفكر العربي نفسه، جيلًا وراء جيل.

فيديوات أيام زمان

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1371 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع