الجسر العتيق بالموصل .. تاريخ حافِل بالأَحْداث- الجزء الثاني

الأستاذ الدكتور باسل يونس ذنون الخياط
أستاذ مُتمرِّس/ جامعة الموصل

الجسر العتيق بالموصل.. تاريخ حافِل بالأَحْداث- الجزء الثاني

الموصل مدينة تاريخية عريقة كانت قبل أن يفتحها العرب المسلمون سنة 16 هجرية حصنا آشوريا يعرف ب (الحصن العبوري)، ويذكر المؤرخ الدكتور إبراهيم العلاف أن معنى (الحصن العبوري) باللغة الآشورية (القلعة)، والذي يقف في الضفة اليسرى لنهر دجلة ويقابل الموصل القديمة يرى أعلى منطقة فيها والتي تُسمى اليوم (قليعات)؛ أي القلعة.

والموصل ونينوى صنوان إحداهما تقابل الأخرى، ويذكر الدكتور العلاف أن كلمة (موصل) هي كلمة آشورية (موسيل) ومعناها (المكان المنخفض أي العميق).

وبخصوص جسور الموصل فيذكر المؤرخ الدكتور طارق الدليمي أنه كان هناك جسر على دجلة قبل الجسر الخشبي العثماني، وهو (الجسر العباسي) والذي كان يربط بين أيمن الموصل وأيسرها، ويقع هذا الجسر بين الجسر العتيق (جسر الملك غازي) وجسر الحرية، ولا تزال قواعد دعامات هذا الجسر موجودة تحت الماء.

كم يكون جميلا لو تم تفعيل (الجسر العباسي) ليكون واجهة سياحية جميلة كجسر للمشاة، حيث يمكن استغلاله سياحيا، وبخاصة وهو يقع في قلب الكورنيش الواقع بين الجسرين وبجواره يقع جامع الخضر التاريخي.

 

المهندس فخري الفخري:
من جميل المصادفات خلال دراستي في مدينة مانشستر في النصف الأول من الثمانينيات أن تعرفتُ بمهندس كهرباء عراقي يدرس الدكتوراه في جامعة مانشستر، هو الأخ باسل الفخري المقيم حاليا خارج العراق.

لقد حدثني الدكتور باسل الفخري كثيرا عن والده المهندس الرائد فخري جميل الفخري (1908ـ1995) والذي كان يوصف بأنه أحد التنويرين الذين عنوا بتحديث العراق في النصف الأول من القرن العشرين.

وفخري الفخري من مواليد محلة جامع جمشيد في أيمن الموصل، وهو من عائلة (سليم بك الفخري)، ويرجع نسبهم إلى عبيد الله بن الحسين الأصغر بن علي زين العابدين بن الإمام الحسين (ع).

أكمل فخري الفخري تعليمه في كتاتيب ومدارس الموصل ثم انتقل إلى بغداد لتأدية الامتحان الوزاري الشامل (البكالوريا) ونجح فيه بتفوق عام 1926. لقد أرسلته الحكومة العراقية لمواصلة الدراسة في الجامعة الأميركية في بيروت، ثم سافر إلى المملكة المتحدة، حيث درس في جامعة برمنكهام وتخصص في الهندسة المدنية عام 1932.

عاد فخري الفخري إلى العراق وعُين في مديرية الأشغال العامة نائب مهندس في وقت لم يكن في العراق غير خمسة عشر مهندساً فقط. ثم نُقل إلى شعبة الري عام 1934 ورُقي إلى معاون مهندس في شعبة الري والأشغال في الموصل نتيجة لما أظهره من كفاءة.


لقد كان من أهم أعمال فخري الفخري في الموصل إنشاء الجسر الحديدي الذي اكتمل تشييده في شهر حزيران 1934 حيث افتتحه المغفور له جلالة الملك غازي.

نُقل فخري الفخري إلى البصرة عام 1936 ورُقي إلى مرتبة مهندس، ثم نُقل إلى وزارة الاقتصاد والمواصلات وأصبح مُميزاً للأمور الفنية عام 1940. ثم عاد إلى وزارة الاشغال العامة رئيساً للمهندسين واُعيرت خدماته إلى أمانة العاصمة بناء على اختيار أرشد العمري (1888 - 1978) أمين العاصمة. ونظرا لجدارته أصبح فخري الفخري وكيلاً لأمين العاصمة.

وفي العام 1947 عُين فخري الفخري مديراً عاماً للأشغال. كما تولى رئاسة الهيئة الفنية الثانية في مجلس الاعمار عام 1952، ثم اُختير فخري الفخري وزيراً للمواصلات والاشغال عام 1954 في وزارة أرشد العمري. وبعد استقالة الوزارة عُين فخري الفخري أمينا للعاصمة بغداد في 9 حزيران 1954 واستمر في منصبــه حـتى قيام ثورة 14 تموز 1958.

وبعد قيام الثورة وجد فخري الفخري نفسه مُعتقلاً، ثم اُطلق سراحه لعدم ثبوت شيء ضده. وعمل بعد تقاعده في مكتب قريبه حلمي حقي المفتي الهندسي ثم أسس مكتباً مستقلاً عام 1971 للهندسة الاستشارية في بغداد.

 

المهندس فخري الفخري والجسر العتيق:
لقد تحدث المهندس فخري الفخري في مذكراته المنشورة عن تفاصيل إنشاء الجسر الحديدي بالموصل الذي كان هو المهندس المشرف عليه بمساعدة عدد من المساعدين العراقيين. كما كان الإنكليزي المستر ماتيك فورمان ذو خبرة عمل من المشاركين ضمن فريق العمل.

يتألف الجسر الحديدي من ثمانية هياكل حديدية طول كل منها (120) قدما ترتكز على سبع دعامات متشكلة من اسطوانتين حديدتين متقابلتين قطر كل منها تسعة أقدام وقد رُكزت تحت قعر النهر بعمق (44) قدما تقريبا بواسطة عملية الهواء المضغوط، وقد وٌضعت أسسها على طبقة قوية من الصلصال الأزرق والصخور.

أما عرض سطح الجسر فبلغ (18) قدما، وبذلك جُعل الجسر معدا لمرور وسائط النقل ذهابا وايابا في آن واحد. كما خُصص ممر في كلا الجانبين عرض كل ممر خمسة اقدام لمرور الأشخاص.

وبلغ طول القسم الحديدي من الجسر 984 قدما ونصف قدم وعرضه الخارجي 36 قدما خُصص منه 18 قدما في الوسط للسيارات و5 أقدام على كل جانب للمشاة.

ذكر الفخري أن الجسر مهما ارتفعت مياه دجلة في أي فيضان لا يمكن رفعه أو اقتلاعه، ويمكن مرور دبابتين على كل قطعة من الجسر في آن واحد زنة الواحدة منها تساوي 75 طنا، وقد حفرت الدعامات بطريقة الهواء المضغوط واقصر دعامة 64 قدما واطولها 75 قدما.

وأشار الأستاذ الفخري إلى أن الملك فيصل الأول قد قام بزيارة موقع الجسر في أثناء تنفيذ العمل، وقد رافقه الفخري وتأكد الملك بأن كل العمال عراقيين، وقد فرح الملك بذلك.


وبعد وفاة الملك فيصل الأول في 8 سبتمبر 1933، زار الملك غازي الموصل وافتتح الجسر رسميا في سنة 1934 الموصل والتقى بالفخري يوم تدشين الجسر وافتتاحه كلمة قال فيها "إن ما عملناه هو وضع 1200 طنا من الحديد الفولاذي حيث يجب ان توضع.. واستهلاك 640 طنا من السمنت و193 طنا من القير وغير ذلك من المواد الأخرى؛ والجسر يتحمل الف باون (500 كغم) لكل قدم من طول كل فضاء لثقل موزع بصورة متساوية، إضافة إلى ثقل مُركز كساحبة زنتها 14 طنا تقريبا".

وتفيد الروايات المتواترة أن الجسر الحديدي هو بالأصل (جسر باله) تم تفكيكه وجيء بقطعه الحديدية من الهند، وتم نقلها بالسفن ونُصب في الموصل، ولا يزال حديده بأحسن حال على الرغم من مرور قرابة قرن على إنشاءه.

في لقاء اجراه الصحفي الراحل رشيد الرماحي مع فخري الفخري وكان عمره آنذاك (85 سنة) قال الفخري:

اُفتتح الجسر رسميا في 10 حزيران–يونيو سنة 1934، وأنه حال تخرجه من جامعة برمنكهام البريطانية عاد الى العراق وعُين نائب مهندس في منطقة الأشغال الشمالية في الموصل وكان ذلك في 11 أيلول-سبتمبر 1932، وكان أبرز عمل قام به تنفيذ جسر الموصل وهو جسر نينوى، وهو من الحديد ويستند الى ثمانية أزواج من الاساطين الحديدية وجُعل على استقامة شارع نينوى مما أدى بالبلدية إلى هدم بعض المنشآت التي كانت قد انشأتها في موقع القلعة الداخلية القديمة (ايج قلعة) أمام هذا الجسر، وهي قسم من مقهى (الحديقة) مع بضعة دكاكين وبناية نادي الموظفين التي كانت تعلو هذه المنشآت. أما في الضفة الشرقية فقد بنوا أمام الجسر مُسَنَّاة (سد لحجز الماء) يمتد إليها وتصل الى بناية شرطة قضاء الموصل من على القناطر الحجرية التي كانت تتصل بالجسر القديم. وتمتد المُسَنَّاة إلى القناطر التي على نهر الخوصر، ثم اُكملت بمُسَنَّاة أخرى تنتهي في الدورة التي يبتدأ بها شارع خير الدين العمري.

ويبلغ النقل الذي يمكن أن يتحمله الجسر المذكور (25) طنا موزعة على (30) قدما من طول الجسر، وقد بلغت تكلفته في وحينه (665515) دينارا.

وسيبقى هذا الجسر رمزاً من رموز مدينة الموصل التي تُعبر عن عراقة وجمال هذه المدينة، وهو شهادة دائمة للإبداع العراقي ولمهندسه البار فخري الفخري رحمه الله.

وللحديث بقية إن شاء الله تعالى.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

379 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع