الحكمة في خلق الأمراض في الإسلام

                                                          

                     الدكتور محمود الحاج قاسم محمد
                   باحث في تاريخ الطب العربي الإسلامي
                            طبيب أطفال ـ الموصل

الحكمة في خلق الأمراض في الإسلام

الإنسان في المفهوم الإسلامي مخلوق الله المكرم ، جعله خليفته قال تعالى : (( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة )) سورة البقرة : آية 30 .

وبعد أن حمله أمانته في الأرض ، أعطاه العقل والإرادة الحرة وقوة البدن والعلم والمعرفة ليستعين بها في تأدية رسالته والقيام بعمارة الأرض ، ولما كان علم الطب هو أبرز وسائل المعرفة لحماية ذلك المخلوق الذي كرمه الله ، لذا كان للطب الذي يهتم بصحة الإنسان وسلامته من الناحية البدنية والنفسية والعقلية والاجتماعية حيز مهم في المفهوم الإسلامي .
فقد جاءت الأحاديث النبوية مؤكدة على المرض وأن الصحة نعمة من أعظم نعم الله عز وجل بعد الإيمان . فعندما قال أبو الدرداء لرسول الله  (( لأن أعافى فأشكر أحب إليّ من أن أبتلى
فأصبر ، فقال رسول الله  الله يحب معك العافية )) (( اسألوا الله العافية فإنه ما أوتي أحد بعد يقين خيراً من معافاة )) جامع الترمذي .
وقال  أيضاً (( من أصبح منكم آمناً في سربه معافى في جسده ، عنده قوت يومه ، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها )) رواه الترمذي .
لذلك كان من واجب المسلم أن يحافظ على هذه النعمة برعاية الصحة والقيام بكل ما يبقيها ويحسنها ، وقد ورد في القرآن الكريم والسنة المطهرة كثير من التعاليم التي ترسم للمسلم طرق المحافظة على صحة بدنه جملة وصحة أعضائه عضواً عضواَ تناولها الكثيرون غيرنا وتناولناها نحن في كتابنا الطب الوقائي النبوي .
وهنا قد يتساءل البعض ترى ما الحكمة من خلق الأمراض ؟ ولمثل هذا نقول إن الفوائد التي يجنيها الفرد والمجتمع من خلق الأمراض كثيرة يمكن إجمالها بما يلي :
1 – تهيئة النفوس للإيمان وتمحيص إيمانهم :
إن علاقة المرض بالإيمان قوية جداً ، فالإنسان حال المرض يستشعر ضعفه وقلة قوته ، وأن هناك قوة فوق قوته هي التي قهرته بهذا المكروب الصغير وبذلك يجد نفسه وقد لجأ إلى صاحب الأمر يسلم نفسه إليه طالباً العون منه (( وإذا مرضت فهو يشفين )) سورة الشعراء : آية 80 ، ويسترجع ذكريات ذنوبه فيشعر بالخوف فيبادر من فوره ليستغفر الله من تلك الذنوب فيرتبط بربه برباط الرجاء والخوف وطلب العون والشفاء . ولكن ينبغي أن يكون خائفاً غير آيس ، وراجياً غير آمن ، وأن الله عند حسن ظن عبده به .
وهكذا يصبح الابتلاء بالأمراض جزاءً من تمحيص المؤمنين وصولاً بهم إلى مراتب الخير التي أرادها الله لهم (( ونبلوكم بالشر والخير فتنه وإلينا ترجعون )) سورة الأنبياء : آية 35 .
يقول صاحب صيد الخاطر : (( يبين إيمان المؤمنين عند الابتلاء ، فهو يبالغ في الدعاء ولا يرى أثراً للإجابة ولا يتغير أمله ورجاؤه ولو قويت أسباب اليأس ، لعلمه أن الحق أعلم بالمصالح )) .
عن أبي هريرة قال : قال رسول الله  : ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله ، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة )) أخرجه مالك والترمذي .
وفي الصحيحين من حديث الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت : (( قال رسول
الله  : ما من مصيبة تصيب المسلم إلاّ كفّر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها )) .
وفيها أيضاً من حديث أبي سعيد وأبي هريرة عن النبي  قال (( ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلاّ كفّر الله بها من خطاياه )) .
2 – في المـرض عـظـة وتـذكرة :
إن الله عز وجل قد جعل من الأمراض تذكرة للناس وموعظة ، ليتعظ الصحيح ويتذكر الغافل ويرجع الضائع ، فإنه لا يعلم قيمة الصحة إلاّ من عانى من المرض وآلامه . فإن من يرى مريضاً
أو يمرض ، إنه عند ذلك يحس بالآم الآخرين وبضعفه وبعدم الاطمئنان على نفسه فقد يصيبه مرض عضال لا يجد منه مخرجاً ، فيلجأ لمالك الأمر يرجوه الرحمة والعافية قال  (( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ )) رواه البخاري .
والمرض للمسلم ابتلاء واختبار لصبره وللكافر عذاب محض وتنبيه وتحذير ، وليعلم المسلم والكافر أن الله عز وجل قادر على أن يعذب بوسائل شتى وأنه جل وعلا لا يعجزه شيء .
فما على المريض المسلم وغير المريض إلاّ العودة لدينه كي لا يخسر آخرته ، ولئن خسر الدنيا فعليه أن يحرص على أن لا يخسر الآخرة فهي الأهم وهي الحياة الحقيقة وهي الأعظم والأكرم والأحسن (( وأن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون )) سورة العنكبوت : آية 64 .
3 – الأمراض مصدر رزق للأطباء والكوادر الطبية :
(( لقد جعل الله المرض سبباً لمعيشة كثير من الأطباء الذين يعتمدون في أرزاقهم على هذه المهنة التي تخفف من آلام الناس وتزيل بإذن الله أوجاعهم . ولو نظرنا لعدد الأطباء الذين عاشوا ويعيشون معتمدين في كسب رزقهم على هذا المصدر ، لوجدنا أنهم ولاشك كثير .
ومع الأطباء يرزق الكثيرون ممن يعملون في شركات الأدوية ومحلات العطارة والصيادلة ومعامل التحليل والمستشفيات وهيئات التمريض ومن يساعدهم من عاملين .
إنها حكمة الله عز وجل أن يجعل رزق أناس في آلام غيرهم وقد تكفل الله بالرزق للجميع
(( وفي السماء رزقكم وما توعدون )) سورة الذاريات : آية 22 .
وعلى الأطباء وكل العاملين في هذا المجال أن يتقوا الله في المرضى ، فلا يعتبروها مجرد وسيلة للكسب خاصة الفاحش منه ، ولكن أمانة ورسالة قبل أن تكون مصدر رزق وأنها مصدر لكسب الثواب مع الرزق )) .
4 – استـثـارة حـب البحـث فـي الإنسـان :
إن الصحة هي أكثر ما يهتم به الإنسان ، وأنه ليدفع الكثير من أجل الشفاء من المرض أو في سبيل عدم الإصابة به . وبما أنه سبحانه قد جعل لكل داء دواء إلاّ الهرم ، عرفه من عرفه وجهله من
جهله ، وأن الإنسان مدفوعاً بحبه الفطري للحياة وخوفه من الموت يسارع بالبحث عن مخرج أو دواء لكل ما يصيبه ، وهذا يثير في الإنسان حب البحث والتحري والنظر من أجل الوصول إلى علاج لأهم ما يهدد حياته وهو المرض ، وبذلك تنمو عند الإنسان ملكة حب البحث سعياً وراء الأخذ بأسباب الشفاء المناسبة بكل أنواعها وجوانبها وما يوصل إليها .
وأن هذه الأمراض الجسدية والنفسية لتثير في الإنسان كذلك الرغبة في البحث في أمراض المجتمع والأمة لأنها تنعكس مرضياً على الأفراد .
5 – وسيلة للاختبار وربط المسلمين ببعضهم وزيادة الصلات بينهم :
لقد سن الإسلام زيارة المريض وجعلها من دلائل الأخوة وعلامات المحبة ، عن أنس 
قال : قال رسول الله  (( من توضأ فأحسن الوضوء وعاد أخاه المسلم محتسباً بوعد من النار مسيرة سبعين خريفاً )) قال أنس ( الخريف ) العام . أخرجه أبو داؤد .
وعن أبي سعيد  قال : قال رسول الله  (( إذا دخلتم على مريض فنفسوا له في أجله فإن ذلك يطيب نفسه )) أخرجه الترمذي .
وهناك أحاديث كثيرة على زيارة ومساعدة المريض سواءً كان ذلك على شكل مال أو خدمات أو قضاء للحاجات ، هو حق الفرد على الدولة المسلمة وعلى المجتمع المسلم أفراداً وجماعات ، فالتكافل الصحي ضرورة وواجب إسلامي ، فكثير من الناس لا يستطيعون دفع تكاليف العلاج بمفردهم ، وعلى الدولة والمجتمع مساعدتهم ، وبذلك يكون المرض وسيلة من وسائل الترابط الاجتماعي في
المجتمع المسلم ، فالذي يحب أخاه لابد أن يواسيه في محنته وأن يساعده في كربه مادياً ، ونفسياً بمنحه الأمل ، وجسدياً بمساعدته على قضاء حاجاته الضرورية )) .
وبذلك يكون المرض اختباراً حقيقياً لمقدار الخير في المجتمع والأمة والدولة ، فبقدر الرعاية والعناية التي يجدها المرضى ، يكون العطف والرحمة والإنسانية في المجتمع ، أما من يدعي العناية بالمرضى وهو يقصد من وراء ذلك كسباً آخر فإن أعماله ستكون قيمتها بحجم هدفها ونية صاحبها.
6 – سبب من أسباب المـوت :
يؤمن المسلمون إيماناً جازماً بأن العمر محدد ومكتوب في اللوح مع بداية خلق الإنسان وأن الموت بداية لما بعده من حساب وجزاء . فكما أنه حق كتبه الله على كل ذي روح ، كان لابد من تهيئة أسباب ظاهرة لتحقيقه لأنه سبحانه أراد أن يكون لكل شيء سبباً (( إنـا كل شيء خلقناه بقدر )) سورة القمر : آية 49 . ومن الأسباب الظاهرة للموت كان خلقه جل جلاله للأمراض .
فهو وحده يعلم كم قتلت الأمراض قديماً وحديثاً من الناس ، ومن هنا نعلم كم هي نعمة الله على البشرية عظيمة بفناء تلك الأجيال ، وإلاّ ضاقت الأرض بأهلها ولم تكفهم مؤونتها .
وإضافة لما سبق ، المرض تهيئة لنفس المريض لتلقي الموت ، فإحساسه بالمرض الشديد يهيئه لإمكانية حدوث الموت وقربه وهذا يدفعه للتوبة .
والمرض كذلك تهيئة لنفوس أهل المريض ليكون وقع الأمر عليهم أخف من موت الفجأة الذي قد يؤدي بحياة واحد منهم معه أو يؤدي بواحد منهم للجنون أو النطق بما لا يليق في حق الله عزّ وجل ، فمع المرض يكون انتظار الشفاء أو الموت ويكون وقع الصدمة أقل بكثير من صدمة موت الفجأة أعاذنا الله منه ، بل أن الأمر قد يصل بأهل المريض لأن يتمنوا له الموت لتنتهي عذاباته .
وهكذا نخرج من ذكر فوائد الإصابة بالأمراض بالنتيجة التالية :
(( بأن المسلم قد يمرض مرضاً يريد الله به مغفرة الذنوب أو منفعة الأطباء أو إشغالاً لمكان في مستشفى يحول دون أن يأخذه مريض آخر ، وقد يموت ذلك الشخص الآخر ، ثم يشفى الأول ليجد السرير شخص ثالث ، وقد يموت الشخص الأول ليترك بيتاً هو مأوى لآخرين حسب إرادة الله وحكمته المتعلقة بالمكان والزمان والأشخاص والأحداث … )) .
إننا يجب أن نعلم أن كل الأمراض الخلقي منها أو الطارئ هو لحكمة يعلمها الله ، وقد تكون الحكمة متعلقة بالشخص نفسه أو بأهله أو بأهل حيه ومدينته أو غير ذلك ، أو بمجموع ذلك كله ، أو بما وراء ذلك مما لا نعلم ، وعلينا أن نؤمن أن هناك حكمة من وراء كل حدث لأن الله عز وجل من صفاته أنه الحكيم ، الخبير ومنكر حكمة الله كافر والعياذ بالله ، ولنعلم إن كنا مؤمنين حقاً أن ما أراده الله لنا مع صبرنا خير مما أردناه لأنفسنا )) .
المصادر :

- محمد ، الدكتور محمود الحاج قاسم : الطب الوقائي النبوي – الطبعة الثانية ، دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع ، بيروت 2001 .
-الشيخ ابن الجوزي : صيد الخاطر ، تحقيق عبد القادر أحمد عطا ، مكتبة الكليات الأزهري ص 529 .
- الزميلي ، زهير محمد : لماذا جعل الله الأمراض – دار الفرقان للنشر والتوزيع ، عمان الطبعة الأولى 1988 ، ص 53 ، 55 .
- المصدر نفسه : ص 73 – 74 ، ص 83 – 84 .
- المصدر نفسه : ص 72 – 73 .
- المصدر نفسه : ص 84 – 85 .
- المصدر نفسه : ص 95 – 97 .
- المصدر نفسه : ص 82 .
- المصدر نفسه : ص 51 .

   

فيديوات أيام زمان

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

745 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع