ثورة الوقود الصخري وآثارها المحتملة على دول الخليج العربية في ظل سياسة الطاقة الأمريكية الجديدة.

                                                    


بقلم: لهب عطا عبدالوهاب/ اقتصادي عراقي متخصص في شؤون الطاقة

ثورة الوقود الصخري وآثارها المحتملة على دول الخليج العربية في ظل سياسة الطاقة الأمريكية الجديدة.

عندما ترشح باراك أوباما عام 2008 عن الحزب الديمقراطي لخوض غمار الانتخابات الرئاسية الأمريكية ، فإن تحديات الطاقة التي كانت ماثلة أمامه تمحورت حول حقيقة مفادها إن إحلال الطاقة المتجددة بدلا عن الوقود الأحفوري هو أمر سيستغرق عقودا لتنفيذه بالاضافة الى إن ضمان التدفق الأمن للإمدادات سیبقی هاجسا ملازما لسنوات طوال ، إذ يعد الشغل الشاغل للإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ إدارة الرئيس نیکسون في سبعينيات القرن الماضي وحتى يومنا هذا . وكان الرأي السائد في حينه هو إن إنتاج الولايات المتحدة من النفط والغاز آخذ في التراجع . كما أن الشعور العام السائد لدى جمهرة المواطنين هناك هو أن

« الاحتباس الحراري Global Warming » أضحى قضية لا بد من وضع حلولا ناجعة لها .
ولم تمض سوى سنتين على تولي باراك أوباما لمقاليد الحكم ليصبح جليا ان صناعة النفط والغاز قد حققت نجاحات كبيرة في إنتاج الغاز الصخري والنفط المحكم Tight oil . وبخلاف الفترة التي سبقت عام 2008، حيث كان الرأي السائد هو ضرورة التوسع في استيراد الغاز الطبيعي المسال LNG واستمرار الزيادة المطردة في الاعتماد على النفط المستورد ( degree of dependency ) إن الفترة الممتدة من عام 2008 - 2014 تشي بحدوث انقلاب حقيقي في مخرجات الطاقة تجلت في بناء موانئ التصدير الغاز الطبيعي المسال ناهيك عن حدوث تراجع حاد في درجة الاعتماد على النفط المستورد نتيجة لزيادة إنتاج النفط المحكم خلال السنوات الخمس المنصرمة بما يربو على 4 مليون برميل يوميا أو ما يعادل إنتاج العراق الحالي بأكمله .
1. ارتفاع عدد الآبار الصخرية: بلغ عدد الآبار الصخرية التي تم حفرها في الولايات المتحدة منذ عام 2010 بحدود 20 ألف بئرا أي عشرة أضعاف ما تم حفره في السعودية وهو الأمر الذي أفضى إلى زيادة الإنتاج فيها بمقدار الثلث ليقترب من 9 مليون برميل يوميا أي أقل بمليون برميل فقط عن الإنتاج السعودي . إلا أن تراجع الأسعار والتي فقدت حوالي 60 ٪ من قيمتها منذ حزيران / يونيو 2014 تثير تساؤلات عدة حول مستقبل الوقود الصخري والذي لن يصبح ذا جدوى اقتصادية إذا ما نزلت الأسعار إلى ما دون 70 دولارا للبرميل بالرغم من أن التقنية المتطورة كتقنية التكسير الهیدولیکی Fracking والحفر الأفقي الثلاثي الأبعاد يمكنها من التقليل من آثار الانخفاض في الأسعار وتكييف الإنتاج بموجبه.
2. التوزيع غير المتجانس للواردات: إن تراجع الواردات النفطية الأمريكية إلى نصف حجمها منذ عام 2008 لم يتوزع بشكل متساو جغرافيا ، إذ غلب عليه طابع عدم التماثل ، إذ يلاحظ أن الانخفاض الأكبر ( حوالي 50 % ) كان من دول نفطية خارج أوبك في حين تراجع اعتمادها على نفط أوبك بما في ذلك النفوط الخليجية بحوالي 40% في حين شهدت وارداتها من السعودية تراجعا بلغ نسبه 13 % خلال الفترة 2008 لغاية 2020.
إن التباين في الكميات المستوردة بين دول الخليج ودول أخرى في شمال أفريقيا مثل نيجيريا مرده الاختلاف في درجة الكثافة والمحتوى الكبريتي . إن الزيادة في الإنتاج الأمريكي تصنف ضمن ما يعرف بالنفوط الخفيفة ذات محتوی کبریتی منخفض ( حلو ) light sweet والتي حلت محل نفوطها المستوردة من دول داخل أوبك وخارجه . أما النفوط الخليجية فتصنف ضمن النفوط الثقيلة heavy sour ذات محتوی کبریتي مرتفع ( حامض او مر ) والتي تعد من النفوط المفضلة والتي يمكن معالجتها بسهولة لدى مصانع التكرير المتطورة في ولاية تكساس ( عاصمة النفط الامریکی ) .
3. انخفاض الأسعار والإنتاج الأمريكي
أن الهبوط الحالي في الأسعار مقارنتا باسعار 2014 لاسيما سعر خام غرب تكساس الوسيط WTI يثير العديد من التساؤلات حول مصير إنتاج الولايات المتحدة من ( النفط المحكم ) لاسيما اذا ما هيمنت الأسعار المنخفضة للنفط الخام لسنوات عديدة أخرى . إلا أن الاجماع لدى العديد من المراقبين هو ان الانتاج الأمريكي من النفط المحكم الصخري سيواصل ارتفاعه وان بمعدلات ادنی ، كما أن الانخفاض في الأسعار قد يؤثر كذلك على الانتاج الرملي الكندي Tar Sand Oil والذي يصدر مباشرة للولايات المتحدة و هناك قدر من الضبابية تحوم حول مستقبل النفط الصخري للفترة ما بعد عام 2020 إذ إن الرأي السائد هو أن الانتاج سيصل ذروته ثم يأخذ بالتراجع اواخر العقد القادم . ونظرا للفروقات النوعية بين النفط المحكم الأمريكي ( المصنف ضمن الخفيف الحلو ) وبين نظيره الشرق الأوسطي المصنف صمن النفوط الثقيلة المرة ، ستبقي الولايات المتحدة معتمدة على وارداتها الخليجية وان بدرجة أقل من معدلاتها السائدة في العقد الماضي.
4. التحولات الاستراتيجية المحتملة :
مع استمرار تراجع اعتماد الولايات المتحدة على نفوطها المستوردة من الخارج ما يجعلها أقل عرضة للانقطاع المفاجئ في الامدادات بخلاف نظرائها الأوربيين والآسيويين وإذ كانت كل من الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي تعتمد على دول الشرق الأوسط بما نسبته 18% من إجمالي وارداتها فإن نصف الواردات الأوربية اليوم تأتي من الاتحاد السوفيتي السابق ما يجعلها عرضة للتهديدات الروسية بوقف الامدادات لاسيما بعد تفاقم الأزمة الأوكرانية في ظل ضم روسيا الاتحادية لشبه جزيرة القرم . في المقابل تعتمد أسيا على نصف وارداتها النفطية على دول الشرق الأوسط في حين ان اكثر من 75 % من نفوط دول الخليج العربية والعراق و ایران هي ذات وجهة أسيوية وفي مقدمتها الصين واليابان وكوريا الجنوبية والهند.
5. الخلاصة والاستنتاجات
نخلص مما ورد أن النمو المتسارع في انتاج الوقود غير التقليدي في الولايات المتحدة وتراجع اعتمادها على الواردات الاجنبية سيعزز دون ريب من الأمن القومي الأمريكي بيدان هناك مخاطر لازالت قائمة لاسيما وان اسعار النفط لا تحددها الولايات المتحدة بل الأسواق العالمية ، كما أن اوبك وعلى وجه التحديد المملكة العربية السعودية لها دور مؤثر في تحديد مسار الاسعار بزيادة او خفض انتاجها لما تتمتع به من طاقة انتاجية فائضة ما جعلها تلعب لسنين ما يعرف في ادبيات الطاقة دور ( المنتج المرجح ) وهو الدور الذي تخلت عنه مؤخرا ، خشية خسارة حصتها في الاسواق مع تخمة المعروض من دول نفطية منتجة خارج منظومة الدول الخليجية على الصعيد الأخر فإن القلاقل السياسية التي تعصف بالمنطقة مع خطر تمدد تنظیم الدولة الاسلامية في العراق وبلاد الشام ( داعش ) وسيطرة الحوثيين على اجزاء من اليمن والتلويح بإغلاق باب المندب أمام الملاحة الدولية بدعم وتشجيع من حليفها الإيراني التي تخوض حرب بالوكالة Proxy War ضد المملكة العربية السعودية التي تقود التحالف الدولي ( عاصفة الحزم عملية إعادة الأمل ) في اليمن ، واستمرار الحروب الداخلية بين المليشيات المسلحة في ليبيا وتتركز العديد من الصراعات حول حقول النفط وموانئ التصدير الرئيسية فيها ما أدى الا انخفاض ملموس في إنتاجها . وقد عملت هذه التطورات على الحد من النمو في إنتاج هذه الدول وهي تطورات تشي ما لم يتم احتواءها سريعا إلى انقطاع الإمدادات دون سابق إنذار . إن الولايات المتحدة بالاشتراك مع ا التحالف الدولي ضد الإرهاب ستبقى معنية التدقق الأمن للنفط والغاز من دول الخليج العربية من خلال تواجدها في المنطقة ( الأسطول الخامس في البحرين والقاعدة الجوية في العيديد القطرية ) حفظا لمصالحها الاستراتيجية والتي لن تحيد عنها بغض النظر عن من هو جالس في كرسي الحكم في المكتب البيضاوي في واشنطن سواء كان ينتمي للحزب الديمقراطي أم الحزب الجمهوري.

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

503 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع