في مهبط الوحي

                                                 

                          نزار السامرائي

في مهبط الوحي - اولاً

أديت مناسك الحج في سنة 1392هـ رئيسا لبعثة الحج الإعلامية، كنت يومها مديرا للأخبار في المؤسسة العامة للإذاعة والتلفزيون، والتي تصادفت مع عام 1972 و1973م، وكان يوم 14 /1 / 1973 أول أيام عيد الأضحى المبارك، وبمناسبة هذه الأيام المباركة، اسمحوا لي أن اتنقل معكم مع الأيام التي عشناها في الديار المقدسة ومن عدة حلقات.

1
موسم الحج لسنة 1392 هـ وافق نهاية عام 1972، واستعدادا له كما هو الحال في كل موسم تشكل لجنة اعلامية لتغطية المناسك، وفي تلك السنة، تم تشكيل بعثة الحج الإعلامية برئاستي، وكانت البعثة تضم كلا من السيدين إبراهيم الزبيدي رئيس قسم المذيعين في إذاعة بغداد، وناظم مجدي المخرج في المؤسسة، وكادرا فنيا من المصورين ومساعديهم، وفي كل عام كان العراق يشكل بعثة حج تضم بعثات فرعية من وزارة الثقافة والإعلام وعادة ما تكون من الإذاعة والتلفزيون، ومن وزارة الصحة ووزارة الأوقاف، لم تكن هناك علاقة تنظيمية بين بعثة وأخرى، ولكنها تشترك جميعا في تقديم خدماتها للحجاج العراقيين كل حسب تخصصها، باستثناء البعثة الطبية العراقية التي كانت تشكل سنويا ومن عدد كبير من الأطباء ومعاونيهم، ومن عدد كبير من سيارات الإسعاف وكميات كبيرة جدا من الأدوية والمستلزمات الطبية اللازمة، فقد كانت تقدم خدماتها لكل من يحتاج المساعدة الطبية للحجاج من مختلف القارات لاسيما وأن سمعة الأطباء العراقيين كانت قد صارت على ألسنة كل من راجع المقرات الطبية العراقية، كانت البعثة الطبية العراقية تستأجر مقار مناسبة لاستقبال الأعداد الغفيرة من الحجاج المحتاجين لخدماتها في كل موسم، كان الحجاج يقدمون من مختلف المناطق من كل قارات العالم، هذا ما قد يؤدي إلى انتشار الأوبئة والأمراض بين الحجاج الذين يفتقد كثير منهم إلى الوعي الصحي، بسبب البيئة التي ينتمون إليها أو لكبر سنهم بحيث لا يتمكنون من رعاية أنفسهم على الوجه المطلوب، إضافة إلى أن إمكانات المملكة العربية السعودية في المجال الطبي لم تكن في ذلك الوقت قد وصلت حد الاكتفاء الذاتي وكانت معظم دول العالم ترسل بعثات طبية أيضا، خاصة مع وجود أكثر من مليون إنسان من كل أصقاع الأرض في مكان واحد وفي وقت واحد.
كانت العلاقات في أعلى درجات التأزم بين العراق وإيران، كان جزء من واجبنا يتلخص بالتصدي لدور إيراني محتمل أثناء الموسم ضد العراق، كما كان شأنها وسيبقى في استغلال هذه المناسبات، سواء بتوزيع منشورات تحريضية ضد العراق تحت لافتة الدفاع عن الشيعة، أو بعملية النقل المباشر عبر الإذاعة للمناسك أو بالتهجم على العراق وتجربته السياسية، لم يكن البث التلفزيوني المباشر متاحا ذلك الوقت عبر الأقمار الصناعية، وأقصى ما كان متاحا هو أن يتولى التلفزيون السعودي إعداد فلم كامل عن مناسك الحج، ثم يبعث به إلى الأردن الذي كان سباقاً ومن وقت مبكر بامتلاك محطة اتصال أرضية عبر الأقمار الصناعية، كي يتولى بثه إلى المرتبطين بالشبكة العالمية.
كانت خطة سفر البعثة الإعلامية أن نغادر على أول طائرة عراقية متوجهة إلى مدينة جدة، أما العودة فستكون على آخر طائرة عراقية مخصصة لنقل الحجاج العراقيين تغادر الأراضي السعودية، ولما وصلنا إلى مطار جدة تم تخصيص مرافق سعودي ينحدر من أصول مصرية للبعثة مع سيارتين، ووجدنا بانتظار كل واحد منا رزمة فيها ملابس الإحرام، وتم إسكاننا في فندق الكندرة وهو أرقى فنادق جدة في ذلك الوقت، بصورة دائمة حتى نهاية موسم الحج، ومنه ننتقل في كل يوم لتأدية الواجبات التي تم رسمها من قبل وزارة الإعلام السعودية، أي أننا إذا اقتضت الحاجة السفر من جدة إلى مكة المكرمة التي تبعد عن جدة بحوالي 120 كيلومترا، وكانت حينها هي العاصمة الدبلوماسية للمملكة العربية السعودية وفيها سفارات دول العالم وبعثاتها الدبلوماسية، فإننا نغادرها صباحا ثم نعود مساء إلى فندقنا الذي كان من أحدث فنادق جدة وعادة ما يقيم فيه كبار ضيوف المملكة، وكان وفد البعثة الإعلامية كما قلت يضم كلا من إبراهيم الزبيدي وناظم مجدي ومصور ومعاون مصور وفنيين.
ليس شيئا عابرا أو هيًنا أو متاحا بصفة مستمرة، أن تتاح للمسلم فرصة لتأدية فريضة الحج إلى البيت الحرام الذي تمت بدعوة سيدنا إبراهيم عليه السلام، والذي تهفو إليه قلوب الناس، وهل يمكن أن تقف مشاعر المسلم عند حد عندما يجد نفسه وجها لوجه أمام الكعبة المشرفة أو قبر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، لا شك أن قلبه سينخلع من بين ضلوعه شوقا إلى تلك الديار المقدسة، وكيف ستكون مشاعره عندما يسير في ذات الطرقات التي شرفها الله، ويشعر بعبق خطوات الرسول الأكرم فوق أديمها، لا بد أن يردد مع نفسه من هنا مرّ المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهنا أدى صلاته وهنا التقى بصحابته رضوان الله عليهم أجمعين.
هنا يتجرد الإنسان عن نوازعه الدنيوية ويحلق في عالم الروح عاليا، لذلك حرصت على أن أجعل من مناسك الحج كاملة بكل ما فيها من مفردات وتفاصيل، فهذه فرصة لن تتكرر في حياة الإنسان وخاصة إذا أتيحت له فرص غير متاحة لجميع الحجاج، وكان علينا أن نوفق بين ما جئنا من أجله خدمة للحجاج العراقيين وخدمة لوطننا، وما تمليه علينا المهمة الرسمية الموكلة إلينا، وأن يبقى حجنا نظيفا من كل شائبة وأن نؤدي المناسك كاملة، كان حرصي على الإحرام في مواقيته وعلى النحر في يومه المحدد.
التقينا المسؤولين السعوديين، الذين كانت بلادهم على علاقة متميزة مع إيران في عهد الشاه، وأكدنا لهم مخاوفنا من استغلال إيران لعلاقاتها الخاصة مع السعودية للتحرك ضد العراق، استقبلنا وزير الإعلام السعودي حينذاك الشيخ إبراهيم العنقري على ما أذكر، والذي أبدى مخاوفه من تحويل موسم الحج إلى ساحة للصراع بين العراق وإيران، ولكنه حتى في هذه الملاحظة لم يحاول تحميلنا مسؤولية ذلك، وجدنا الجو مناسبا للانتقال للقضية المهمة وهي مسألة النقل المباشر لغسل الكعبة المشرفة ثم وقفة عرفة والنفرة منها إلى المزدلفة، وبعدها إلى منى والبقاء فيها يومين لمن تعجل، طلبنا مراقبة ما سيقوله المذيع الإيراني لأنه قد يعرّض بالعراق أثناء النقل، أحالنا الوزير إلى السيد بدر كريم والذي سيبحث تفاصيل عملنا، وكان بدر كريم يشغل وظيفة كبير المذيعين وموضع ثقة الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود رحمه الله، والذي كان يرافقه في جولاته الخارجية، حينما تباحثنا معه وكان معي السيد إبراهيم الزبيدي، بدد بدر كريم شكوكنا حول إمكانية انحياز الجانب السعودي إلى جانب الفريق الإعلامي الإيراني ضدنا أو هكذا أكد لنا، ولما طلبنا المزيد من الضمانات لمنع أية إساءة للعراق أثناء النقل المباشر لمختلف الفعاليات، قال إننا لن نسمح بذلك لأن النصوص يجب أن تأتينا مكتوبة قبل أربع وعشرين ساعة من الوقت المحدد لأية فعالية نقل خارجي من الديار المقدسة، ولكننا واصلنا الضغط للحصول على نتيجة كنا قد اتفقنا عليها، وهي فحص النص الذي سيقدمه المذيع الإيراني، أكد لنا السيد كريم أن النص باللغة الفارسية، فأجابه إبراهيم الزبيدي أنا أعرف الفارسية وسأتولى فحص النص وكانت هذه سرعة بديهية من إبراهيم الزبيدي، فهو لم يكن يجيد الفارسية، بدا السيد كريم مترددا في موقفه أمام إصرارنا على موقفنا حتى صار مقتنعا بأننا على وشك عدم المشاركة في أية فعالية، ما لم تنفذ شروطنا، فقال حسنا سأعرض عليكم النص وبالمقابل هل تقبلون أن يراجعوا نصكم؟ قلنا له إن نصنا باللغة العربية وأنتم تعرفونها، ولا حاجة لغيركم أن يطلع عليها ونحن نقبل أن تصدر منكم أية ملاحظة ولكننا لن نقبل ذلك من الإيرانيين، وبعد تجاذبات ومناقشات طويلة، حصل الاتفاق على هذه التفاصيل، حقيقة الأمر أن مخاوفنا كانت ناجمة من كون العلاقات بين المملكة العربية السعودية وإيران، قوية وتثير قلق العراق من احتمال أن تكون على حسابه، على الرغم من أن المملكة العربية السعودية بلد عربي وعضو في جامعة الدول العربية، ولكن هواجس التحسس التاريخي بين البلدين الذي يعود للخلافات بين بلدين كل منهما يريد أن يؤكد دوره القيادي في المنطقة، وهذه الخلافات تعود لنشوء الدولتين في العصر الحديث.
كنا قد أدينا مناسك العمرة وعدنا إلى جدة حيث نقيم فيها في فندق الكندرة وكنا في كل يوم نذهب إلى مكة المكرمة للالتقاء بالحجيج العراقيين ويسجل معهم إبراهيم الزبيدي لقاءات مصورة ونبعث بها إلى بغداد مع الطائرات العائدة إلى العراق، لم يكن هناك ازدحام شديد في الديار المقدسة كما هو الحال هذه الأيام، وفي يوم غسل الكعبة المشرفة توجهنا إلى مكة المكرمة وانتقلنا إلى الشرفة المطلة على باحة المسجد الحرام، وكان المذيعون يتناوبون على تقديم وصف مباشر عبر إذاعات الدول المشاركة في تغطية هذا المؤتمر الإسلامي الكبير، وقبل أذان الظهر وصل عاهل المملكة العربية السعودية الراحل الملك فيصل بن عبد العزيز رحمه الله وطاف حول الكعبة المشرفة سبعاً، ونزلنا إلى الباحة حيث طفنا سبعة أشواط ايضا، ولم يكن صعبا علينا الوصول إلى الحجر الأسود أو أي جزء من الكعبة المشرفة، ثم انتقلنا إلى الصفا والمروة حيث سعينا سبعة أشواط، وبعدها عدنا جميعا وكان باب الكعبة قد فتح ونصب سلّم صغير على بابه.
ارتقى العاهل السعودي الملك فيصل بن عبد العزيز السلم، وتم اختياري بفضل الله من بين مجموعة صغيرة جدا للدخول إلى جوف الكعبة المشرفة لغسلها، وارتقينا السلّم، وكان هناك من يُزود كل صاعد بمكنسة من القش مع دلو بلاستيكي، دخلت جوف الكعبة المشرفة مع الملك فيصل ومجموعة ممن وقع عليهم الخيار لكنس الكعبة من الداخل، ولم يكن عددنا كبيرا كما اسلفت، لم أكن أحلم يوما أنني أقترب من الكعبة إلى الحدود التي حصلت طيلة الأيام الماضية بسبب الزحام والتدافع الهائل والتسابق بين ضيوف الرحمن لتقبيل الحجر الاسود، أما الآن فقد تجاوز الواقع كل الأحلام المختزنة في ضمير وعقل وقلب كل مسلمي الأرض وعلى مر العصور، وتكدست أمامي كجوهرة ثمينة لا يضاهيها شيء في هذه الدنيا، وما علي إلا الانحناء لالتقاطها، في تلك اللحظات الإيمانية العميقة، والتي تجسدت بدخولي وسط هذا البناء، الذي تتجه إليه قلوب مئات الملايين وعيونهم وعقولهم كل يوم، لم أتمكن من السيطرة على مشاعري لم أعرف ماذا أعمل، تطلعت إلى بناء الكعبة من الداخل، فوجدتها وقد استند سقفها على أعمدة خشبية يُخيل للناظر أنها قديمة جدا، لتحمل سقفا يستند على أعمدة خشبية رصفت افقيا بمسافات متقاربة لتحمل السقف ورأيت كتابات على قطع رخامية انتشرت على جدرانها، وقد دُونت فيها عمليات البناء والتجديد والترميم.
رأيت الجميع بمن فيهم الملك فيصل رحمه الله، وقد بدأوا بكنس الأرضية، باشرت العمل الذي يُكرم الله عددا محدودا ممن يتفضل عليهم بهذه الحظوة المباركة.
في تلك اللحظات القدسية قدحت في ذهني فكرة بجمع تراب الكعبة، ولما كنت في ملابس الإحرام فلم يكن هناك جيب لأضعه فيه، لذلك أخرجت عدة مناديل ورقية وبدأت بجمع التراب الناعم فيها، لمحني أحد مرافقي الملك فيصل وكان كريم العين فسألني باستنكار ماذا تعمل؟ قلت أجمع التراب، قال لي ولماذا تفعل ذلك؟ قلت للذكرى، سألني مرة أخرى وما زال انفعاله باديا على قسمات، للذكرى أو للبركة؟ قلت للذكرى فقط، من أين أنت؟ سألني بيأس قلت أنا عراقي، قال وهل أنت شيعي أم سني؟ قلت لا فرق، ولما ألح قلت له حسنا أنا سني، طلب مني أن أرمي ما جمعت من التراب فلما وجد مني إصرارا اقترب مني على الرغم من أنه كان على بعد خطوتين، تحدث معه أحد الحراس الآخرين، فقال له وما حاجة الشيعي إلى تراب الكعبة، لم أعلق ولكن في تلك اللحظة التفت إليه الملك فيصل رحمه الله وقال له بحزم (اترك العراقي)، بعد أن أكملنا مهمة الكنس غسلنا الكعبة المشرفة ثم صلينا ركعتين في الداخل، وكل واحد منا أخذ أقرب الاتجاهات إليه، الملك فيصل توجه قبالة مقام سيدنا إبراهيم عليه السلام، وأنا كنت قرب الحجر الأسود فصليت موجها وجهي نحوه ولكن من داخل الكعبة، بعدها نزل الملك وبدأنا بعده بالنزول تباعا، ونحن في طريق النزول تم تسليم كل واحد منا سجادة ومصحفا ومسبحة يُسْرْ، بعد أن عدت إلى العراق حملت المصحف الشريف وسجادة الصلاة ومسبحة اليسر وتراب الكعبة المشرفة وسلمتها أمانة لوالدي وفاء له، والتزاما بما أمر الله به من بر الوالدين، واقع الحال لم أكن أكذب حين قلت لرئيس الحرس المرافق للملك، ولكنني شعرت أنني أردت هذا التراب أن ينثر جزء منه على قبري وجزء على قبر أبي والثالث على قبر أمي.

-----------------
في مهبط الوحي - ثانياً


كما قلت إن الوفود الإعلامية العربية ومن الدول الإسلامية أقامت في فندق الكندرة، ووجدنا أن عددا كبيرا من المفكرين والمثقفين والصحفيين والسياسيين العرب والمسلمين من مختلف دول العالم، وخاصة العرب يقيمون فيه، عرفت من بينهم الشاعر السوري عمر أبو ريشة، والسياسي السوري الدكتور معروف الدواليبي، الذي اشتهر بأنه من داعمي حركة الانفصال التي نفذها عسكريون سوريون يوم 28 أيلول 1961، وأطاحوا بتجربة أول وحدة عربية في التاريخ المعاصر والتي قامت بين مصر وسوريا في شباط 1958، ثم قربته المملكة العربية السعودية وشكلت منظمة أسمتها رابطة العالم الإسلامي في 18 أيار 1962 وجعله واحدا من أبرز وجوهها، واتخذت الرابطة من مكة المكرمة مقرا لها، كنا نلتقي ببعض الضيوف المتواجدين في بهو الفندق وكنا نحرص على عرض الموقف الإيراني المعادي للأمة العربية، والتحالف الثلاثي القائم بين الولايات المتحدة وإيران الشاه وإسرائيل، لم تكن مهمتنا سهلة في معظم الأحيان، ولكننا لم نبتئس من تكرار المحاولة تلو الأخرى، للأسف الشديد كانت الصورة الحقيقية غائبة عن أذهان مثقفين وصحفيين لهم حضورهم في عالم الصحافة في بلدانهم.
كان السيد إبراهيم الزبيدي يواصل اللقاءات مع الحجاج العراقيين، ويرسل تلك اللقاءات عبر الاتصالات التلفونية إلى إذاعة بغداد والتي تتولى إذاعتها في برنامج تحت عنوان "رسالة الحج اليومية" كان البرنامج يحظى بشعبية، فكل من لديه حاج من أفراد أسرته أو قريب له أو صديق أو جار، كان يستمع إلى البرنامج إما لكي يطمئن على قريبه، أو ليبلغ عائلة من سمع صوته في البرنامج، على ما أذكر أن للبرنامج لازمة في بدايته وفي نهايته، من أغنية للفنانة اللبنانية إنصاف منير والتي مطلعها، يا ناقتي لا تفزعي الله معك وأنت معي.
كما أن الزبيدي كان يجري مقابلات لتلفزيون بغداد ويُرسل حصيلة عمله مع الطائرة العراقية العائدة إلى بغداد من جدة، أو يحتفظ بالأفلام الخام لتحميضها بعد العودة ومن ثم إعداد فلم تسجيلي عن المشاعر المقدسة كلها، وزيارة المسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة، وكان الفريق الفني متعاون مع السيد الزبيدي في كل ما يطلبه منه.
أعود إلى اليوم الذي تم فيه غسل الكعبة المشرفة من قبل الملك فيصل وتشرفت بالمشاركة فيه مع عدد يتراوح بين 15 وعشرين شخصا كحد أعلى، كان البث الإذاعي من غرفة البث التي تطل على المسجد الحرام متواصلا وحسب جدول تم تنظيمه على الحروف الهجائية، كان إبراهيم الزبيدي قد كتب الكلمة التي كان سيتحدث بها ضمن التغطية الإذاعية، وقد كتب كلمة معبرة جدا ربط فيها بين واقع الأمة الذي تعيش تحت ظروفه الضاغطة، وبين ما تعاقب عليها من تجارب ومحن ومآسٍ.
الزبيدي ومن أجل أن أكون منصفا، وبعيدا عن المشاعر السياسية والشخصية، كفاءة إذاعية جامعة لكل الفنون الإذاعية، انضم إلى الإذاعة في الخمسينيات من القرن الماضي، كان يعمل مذيعا ومقدم برامج وكاتب لها، وهو شاعر رقيق العبارة رشيق القلم، وكان أيضا يقدم برامج تلفزيونية ناجحة، ولعل أهم برامجه الإذاعية هو برنامج "عزيزي المستمع" الذي يستقطب أوسع جمهور، كان يطرح الفكرة السياسية بأسلوب سلسل يدخل في ذهن المستمع من دون استئذان، لم نعمل سوية في أي من مديريات الإذاعة والتلفزيون، فأنا كنت مديرا للأخبار وهو كان يعمل في إذاعة بغداد، وهما مديريتان مستقلتان ومرتبطتان بالمدير العام السيد محمد سعيد الصحاف.
كان قد اطلق هو وصديقه الإذاعي السيد عبد اللطيف السعدون في السنة الأخيرة من حكم اللواء عبد الكريم قاسم، إذاعة الوطن العربي الكبير، وتبث على موجة متوسطة من مرسلات المدائن وهي مرسلات روسية أقوى من مرسلات إذاعة بغداد في منطقة "أبو غريب"، وكانت برامجها تبدأ من الساعة العاشرة ليلا وحتى اختتام العمل في الإذاعة بعد منتصف الليل، واستطاعت تلك الإذاعة سحب معظم مستمعي إذاعة بغداد بل حتى بعض الإذاعات العربية الأخرى، بسبب ما كان يقدم فيها من برامج مشوقة، فضلا عن أن إذاعة الوطن العربي الكبير، كانت خارج السياقات العراقية المعروفة، خاصة فترات الحزن التي تبدأ من الأول من محرم وتنتهي في العاشر منه، توقفت تلك الإذاعة بعد ثورة 8 شباط 1963، وتحولت فيما بعد إلى إذاعة القوات المسلحة، وفيما بعد صارت إذاعة صوت الجماهير في 1 /5 /1969.
ترك إبراهيم الزبيدي الإذاعة عام 1974 لظروف شخصية لا أريد الخوض فيها، فهي من خصوصياته لوحده، ولكننا بقينا نحتفظ بصداقة طيبة مع اختلاف النظر أو ما هو أبعد من ذلك، ثم ترك العراق بسبب ظروف تركه العمل في الإذاعة، ولما عملت في المغرب مستشارا صحفيا في السفارة العراقية ومديرا للمركز الثقافي العراقي في الرباط، جاء إلى المملكة المغربية وقضى فيها عدة شهور لإنتاج مسلسل تلفزيون بالتعاون مع التلفزيون المغربي، وقدمت له التسهيلات كمواطن عراقي واعلامي بصرف النظر عن أي اعتبار آخر خاصة وأنه لم يخرج عن الخط العراقي، ومع بدء العدوان الإيراني على العراق عام 1980، كتب أغنية وطنية جاء فيها
واستفقنا ..
قائد يخرج من بغداد مرفوع الجبين
واثق الخطو قوي فيه عزم الفاتحين
ودمج معها مقطعا من أغنية عراقية شعبية خاصة بالأطفال، بعد أن ادخل عليها تعديلات جميلة وإن لم تخلُ من إسقاطات فسرها البعض بأنها تحمل نفسا طائفيا نعم هكذا فسرها المتصيدون للكلمات المحلقة في سماء العمل الفني، وتقول:
طلعت الشميسة
على وجه عيشة
عيشة عراقية
بنت القادسية
صاح الجيش بالميدان
أطلب منك يا رحمن
تنصر لي الغالي صدام
ومع ذلك عندما رجعت من الأسر في إيران بعد عشرين سنة، عرفت أن السيد إبراهيم الزبيدي، انضم لما يسمى بالمعارضة العراقية، لنظام البعث والرئيس صدام حسين رحمه الله، حقيقة لم أجد تفسيرا سياسيا لهذا التحول، ولكن من الصعوبة أن نحكم على الناس حكما ثابتا استنادا لمشاهدات حتى لو استمرت أربع أو خمس سنين.
واصلت بعثتنا تغطية شؤون الحجاج العراقيين في مكة المكرمة، ولما حان موعد انتقالنا إلى منى يوم الثامن من ذي الحجة وهو يوم التروية، ثم الانتقال إلى صعيد عرفة، كانت وزارة الإعلام السعودية قد هيأت كل مستلزمات الإقامة في كل هذه المحطات، كان أهم واجب إعلامي سيقوم به إبراهيم الزبيدي، هو نقل مشاهد صوتية تقرب صورة ما يجري في الديار المقدسة للمستمعين، خلال نفرة أكثر من مليون حاج من عرفة إلى منى حيث ينحر الحجيج أضحياتهم في أول أيام عيد الأضحى، وتبدأ النفرة بعد أداء صلاة الظهر والعصر قصرا وجمعا في مسجد نمرة يوم 13 /1 / 1973، إلى مزدلفة والصلاة فيها المغرب والعشاء قصرا وجمعا، وجمع الحصيات أو الجمرات التي سيرجمون بها ما يرمز إلى عمل الشيطان، لنتأمل المشهد بدقة، إذا تحرك لواء من أي جيش في العالم بل من أحدث الجيوش في العالم، من مثابة إلى أخرى وهو المدرب ويسير على وفق خطط صارمة، مع ذلك فقد تقع أخطاء وارتباك شديد وسلبيات كثيرة أثناء حركته، ويصل بعض منه إلى مثابات غير تلك المحددة لهم، على حين أن أكثر من مليون حاج ومن دول شتى ويتحدثون بلغات مختلفة وبأعمار الفارق بينها كبير جدا، فيهم العالم وفيهم الأمي، ومع ذلك فإنهم يتحركون مدفوعين بلهفة تجعل من أخطائهم في أضيق نطاق، ومضوا في رحلة الإيمان إلى الله من دون خطايا أو أخطاء كما ولدتهم أمهاتهم، ساهمنا في نقل وقائع نفرة الحجيج من عرفة إلى المزدلفة، وأدينا مناسكنا كاملة وتحللنا من إحرامنا صبيحة العاشر من ذي الحجة، يوم النحر.
صباح العاشر من ذي الحجة والموافق ليوم 14 كانون الثاني / يناير 1973، وبعد أن أنهينا رمي جمرة العقبة، حللنا من إحرامنا واغتسلنا، كنا نقيم تلك الليلة وطيلة بقائنا في منى، في مبنى يسع للوفود الإعلامية وهو مبنى عائد لوزارة الإعلام السعودية، هو بناية مريحة جدا، أبلغنا المرافق بالاستعداد للتوجه ضحى إلى القصر الملكي في منى، لتهنئة الملك فيصل بعيد الأضحى المبارك، وحضور فعالية خطابية وشعرية بالمناسبة في القصر، وصلنا القاعة الرئيسة ووجدناها مكتظة بالحضور، ولكن أمكنة الوفود محددة، تقدمت الوفود للسلام على الملك الذي وقف في صدر القاعة، وبعد أن انتهينا من السلام والتهنئة، جلسنا في مقاعدنا وألقيت كلمات وقصائد شعرية تُشيد بدور المملكة بإدارة موسم الحج بأدق التفاصيل، وترؤس الملك شخصيا للموسم، وأذكر من بين الشعراء الذين أنشدوا قصائدهم في ذلك اليوم الشاعر السوري المعروف عمر أبو ريشة، وشعراء آخرون وخطباء ألقوا كلماتهم بهذه المناسبة، وبعد ذلك كان علينا أن نمضي إلى مكة المكرمة لطواف الإفاضة ثم السعي بين الصفا والمروة والعودة إلى منى قبل المغيب، وهذا ما فعلناه.
بعد صلاة العشاء أقامت وزارة الإعلام حفلا تكريميا للبعثات الإعلامية، وكان رئيس البعثة اللبنانية مذيعا في إذاعة بلاده ربما كان اسمه رمضان، ويتكرر في كل عام وكان المسؤولون السعوديون يتعاملون معه بتقدير خاص، وكان مذيع الحفل يدعو رئيس كل بعثة حسب الحروف الهجائية لاسم بلده لإلقاء كلمة في الحفل، حينما دعاني المذيع لإلقاء كلمتي والتي لم تكن مكتوبة، تقدمت فقدمني المذيع وقلت، نحن اليوم في مؤتمر إسلامي كبير بل أكبر المؤتمرات الإسلامية على الإطلاق، ولا ينبغي أن ندعه يمر مرورا عابرا من دون أن نتذكر المسجد الأقصى مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأولى القبلتين وثالث الحرمين، تحت احتلال الصهاينة أعداء الله ورسوله ودينه، بل يجب أن نجعل من الحج مؤتمرا من أجل القدس والأقصى، ولكننا لا نستطيع أن نفعل ذلك طالما يجلس معنا ممثل إيران التي تحولت بلاده إلى قاعدة جوية لتدريب الطيارين الإسرائيليين على طائرات الفانتوم، علينا أن نطّهر أنفسنا من هذه الأدران، حينما وصلت إلى هذا المقطع وجدت أن وزير الإعلام الشيخ إبراهيم العنقري قد تجهم وجهه، فقفز بدر كريم من مكانه وتقدم نحوي وحاول أخذ الميكروفون ولكنني أكملت فكرتي وغادرت المنصة إلى مكاني متذمرا ولكنني كنت مسيطرا على انفعالي، ولم أدعُ أبدا إلى إخراج موسم الحج من طابعه الإيماني إلى مهرجانات فوضوية.
كانت السفارة العراقية قد أقامت مخيما في منى، كما هو شأن سفارات أخرى، وكان ديوانا واسعا لاستقبال المهنئين في مخيم السفارة، كان السفير السيد أحمد ظفر الكيلاني، يرحب بمئات العراقيين الذين يَقدمون إلى البيت العراقي، وكان طاقم السفارة العراقية في جدة جنود مجندة لتقدم كل أشكال الدعم والعون للحجاج العراقيين.
اقمنا ليلتين في منى على الأقل استنادا إلى الآية الكريمة (واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون)، فمن كان يريد الذهاب إلى مكة المكرمة والطواف في المسجد الحرام، كان عليه أن يفعل ذلك في ساعات النهار كي يعود إلى منى مبكرا هكذا هي المناسك، وبعد أن انتهينا من المكوث في منى طفنا في المسجد الحرام طواف الوداع، وعلى الرغم من القيود التي تفرضها حالة الإحرام على المحرم وعلى الرغم من أن البعض يجد فيها قيودا على حريته المعتادة، بمجرد قرب الرحيل من مكة المكرمة تنتاب المغادر نوبة شوق للأرض التي دعا إبراهيم الخليل ربه بان يجعل أفئدة من الناس تهوي إلى أهل هذا الوادي الذي أسكن فيه من ذريته، وأن يرزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون.
لاحظت ذلك العام أن لواء الشرطة فاضل حميد الحسون السامرائي، جاء مع عائلته بسيارته المرسيدس، ونتيجة لعدم استكمال كل المنشآت والأبنية والشوارع المحيطة بالمسجد الحرام، أنه كان يرصف سيارته بجانب أحد أبواب المسجد الحرام من دون أن يشعر أن هذا الأمر ممنوع، لم يكن هو الوحيد الذي قام بمثل ذلك، ولكن لأنني أعرفه جيدا، فقد أشرت هذه الحالة، لكن كل شيء تغير وتم شق الطرق الواسعة والسريعة المفضية إلى بيت الله الحرام للتسهيل على الحجيج مناسكهم.

  

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

436 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع