الدين والقومية

                                                 

                        د. نزار عيسى مَلاخا


الدين والقومية

يبدو لي أننا بحاجة إلى تثقيف يومي حول هذا الموضوع خاصة للمبتدئين أو لمن يهوى الكتابة في التاريخ وحوله، بدأ أقول : أنا عراقي كلداني وهذا يكفي، يسالونني الهواة والمبتدئين بما أنني مسيحي كان المفروض بك أن يناقش أطروحتك أحد الكهنة أو رجال الدين المسيحيين، اسأل لماذا؟ ولكن لا إجابة، والمطلوب مني لإثبات قوميتي أن أجلب وثيقة أو أستشهاد من رجل دين مسيحي كاثوليكي كلداني لكي اثبت أنني كلداني ولستُ غير ذلك، يعني بالمعنى الشعبي (جيب خُبْزَه وأحلف عليها)، أو يستشهد بقول عابر لرجل دين لا يفقه في أمور التاريخ ويعتبرها الآخرون شهادة على إنتسابي القومي وربما الأخلاقي والإجتماعي والديني !!! وإلا يعتبرونني من أسباط إسرائيل المفقودة، أليس ذلك شيئاً غريباً؟ وإن ذكر ذلك أحدهم ألا نقول له بأنه مصاب بالجنون؟ وبالتأكيد لا يفقه أو يفهم في أمور التاريخ شيئاً، لذا أنسب التصرفات تجاه هذا الموقف واحد من أثنين لا ثالث لهما : أنه لا يفهم في ذلك، لهذا عليه أن يذهب ويلعب بعيداً عن هذا المضمار لكي لا تدوسه أقدام اللاعبين الكبار، لأنه غير لائق له الدخول في هذا المضمار. طيب ماذا لو قلتُ بأنني لا أؤمن بالأديان؟ من أين سأجلب شهادة إثبات القومية؟ ولا أدري إن كانت هذه الشروط تنطبق على الكلدان وحدهم أم أن الآخرين مشمولين بها ايضاً؟ مثلاً من أين يأتي العربي أو الكردي المسلم بإستشهاد يثبت هويته القومية؟ من إمام الجامع مثلاً؟ أو من سيد أو ممن؟ أليس هذا هراء؟ وسخف كلام؟ سؤال آخر : ماذا عن الكلدان المسلمين؟ هل يجوز أن نعتبرهم من جماعة البدون، لحين جلب إستشهاد من قس أو مطران أو بطريرك يثبت بأنهم كلدان؟ غريبة يا جماعة مثل هذه التخريفات، ومع الأسف نسمح لكاتبها بأن يكتبها لا بل أن نقوم بنشرها وتشجيعه على ذلك؟ أي درك وصل إليه التاريخ على يد جهلاء القوم.

ما علاقة الدين بالهوية القومية؟ ما معنى الدين؟ أكيد هناك إشكالية كبيرة أولاً في فهم ذلك، وثانياً في الفصل بين الإثنين. فصل الدين عن القومية وفصل الدين عن السياسة، وفصل القومية عن الأخلاق، وفصل الأخلاق عن العلم، وأخيراً فصل العلم عن الدين، وهكذا.

الدين، مصطلح يطلق على مجموعة من الأفكار والعقائد التي توضح حسب أفكار معتنقيها الغاية من الحياة والكون، كما يعرّف عادة بأنه الاعتقاد المرتبط بما وراء الطبيعة والإلهيات، كما يرتبط بالأخلاق .

يكون الطلب منطقياً عندما أعلن بأنني مسيحي، وإن ارادوا إثبات ذلك عليَّ جلب وثيقة تسمى (شهادة العماذ) أو أستشهاد من كاهن الرعية حول عدم الزواج وغير ذلك، أما أن أُطالَبْ بجلب وثيقة أو ورقة من الكنيسة أو يعتمدون على ما يصرّح به رجل دين تثبت إنني كلداني؟ هذا غريب جداً، وستقرأ الكثير من الغرائب والعجائب في هذا المجال على يد هواة كتابة التاريخ.

لنفرض أنا كلداني ولكنني لا أؤمن؟ كيف السبيل إلى إثبات قوميتي وأنا غير منتمي إلى أية كنيسة؟ من أين آتي بالدليل الديني لإثبات هويتي القومية؟ وما علاقة أنتمائي الديني بالهوية القومية؟ وإلا سيعتبرونني هارب من إسرائيل وطالب لجوء في العراق. هههههه

سابقاً وفي زمان العهد القديم كان لكل عشيرة دين خاص، وذلك من خلال التماثيل أو الأصنام التي كانت بمثابة آلهة لهم، وبهذا نستطيع أن نتصور الدين في إطار قومي، أي أن القومية أحتوت الدين بينما لم يتمكن الدين من إحتواء القومية. وبهذا نستطيع أن نقول بأن القومية اقدم من الدين، لأنه لولا الشعب أو القوم لما وجد الدين، ولكن رجال الدين دائماً يحاولون أن يسيطروا على السياسة. ولهذا نقول بأنه ما زال الفكر الديني أو السلطة الدينية تنشر أذرعها الأخطبوطية للسيطرة على الشعب بشتى الطرق، واليوم نسمع إلشعارات "بأسم الدين باگونا الحرامية".

هناك من يقول بأنه لكل مدرسة دينية شعب خاص بها. وهذا خطأ كبير يقع فيه الشخص حينما يشعر أو يحاول أن ينشر بأن الدين ورجل الدين هو الذي يجب أن يسيطر على الشعب روحياً ودينياً وسياسياً وإجتماعياً وحتى عائلياً .

الكنيسة مؤسسة دينية ورجال الدين لهم تخصصات مختلفة بالإضافة إلى التخصص في العلوم الدينية، فنجد اليوم منهم مَن هو مهندس وطبيب ومؤرخ وغير ذلك، يستطيع مَن هو طبيب من الكهنة أن يعالج مريضاً وهذا لا يعني بأن كل كاهن هو طبيب، ولا كل طبيب هو كاهن، لهذا أقول مِن حق رجل الدين أن يكتب في تخصصه، يستطيع رجل الدين المسيحي أن يكتب في موضوع "تاريخ الكنيسة" ولكن أن يكتب في موضوع تاريخ الدول والشعوب والحضارات القديمة وأن يفتي بذلك ويكون كلامه دستوراً، وبدون أن يعتمد على مصادر موثوقة ورصينة أو رقيمات طينية أو فك رموز كتابة معينة، وهو غير متخصص في ذلك، فهذه مسألة يجب الوقوف عندها كثيراً، والأدهى والأمَرْ في ذلك أن يقوم البعض من الهواة بالإستشهاد بما قاله رجل الدين هذا (أياً كانت درجته) ويعتبر كلامه شهادة إدانة بحق شعب كامل، في نظري هذا قمة الجهل، لهذا اقول يحق للمتخصص أن يكتب في مجال إختصاصه، أما أن يكتب التاريخ رجل هاوي كتابة لا يميز ما بين المنهج العلمي واصول البحث العلمي لكنه يسرق من هنا وهناك يدفعه في ذلك بعض الجهلة من رجال الدين وينظم هذه السرقات في وريقات يسميها كتاب ويطلق على نفسه ما شاء من الألقاب (باحث، علاّمة، مؤرخ) فهنا الطامة الكبرى، خاصة ونحن نعيش عصر الفوضى الذي غابت فيه الرقابة على المطبوعات بحيث يستطيع كل مَن هب ودب أن يطبع ما شاء له من اللغو الفارغ دون الحصول على رخصة أو موافقة من جهات مسؤولة عن صحة المعلومات المطبوعة.

لقد ظهر مفهوم القومية في الغرب قبل أن يعرفه أهل الشرق، وظهرت البوادر القومية مع ظهور الطباعة والثورة الثقافية في العصر الحديث، وكانت الغاية من كل ذلك للتخفيف أو التحرر من سلطة الكنيسة في أوروبا، لذلك شهدت تلك الفترة ظهور الحركات الدينية التصحيحية التي سميت فيما بعد بالمدارس والمذاهب مثل اللوثرية (الپروتستانت) وغير ذلك، بحيث جعلت من الدين عامل جزئي وليس مكوّن أصلي للهوية القومية.

في أحد تعاريف القومية يقول بأنها شعور لدى الفرد بإنتمائه إلى مجموعة من معينة من البشر يترابطون فيما بينهم بأواصر القومية المعروفة، بينما يذهب فريق آخر إلى القول بأن القومية نظام سياسي وإجتماعي وإقتصادي يتميز بتعزيزه مصالح أمة معينة، وأنا أقول وفق هذا المفهوم أين هو موقع الدين والكنيسة ورجالها وتأثيرها على الواقع القومي؟

نعود لنقول في القومية : أن هناك شروطاً تتوفر فيها لا يمكن توفرها في الدين، لأن الدين اساسه الإيمان، وهو عام وشامل لكن للقومية عناصر مثل اللغة المشتركة والأرض والتاريخ والمصير المشترك والعلاقات المشتركة و... الخ، هذه المقومات جميعها مهمة لكن الأهم منها هو الفرد، أو المجموعة البشرية التي نطلق عليها أسم القوم (القومية)، حيث أشتقت القومية من القوم، وذلك القوم لربما يجتمعون في أصل واحد، وفي تعاريف أخرى أن قومية الإنسان قوامه، وتعني علاقة القوم فيما بينهم أي علاقة أفراد العشيرة فيما بينهم،

تذكر موسوعة المذاهب الفكرية عدة تعاريف للقومية، منها ما يعني بأنها تجمع أمة من الناس وترتبط معاً بالسلوك والغاية والهدف، وتؤكد هذه الموسوعة أن إبعاد الدين عن المفاهيم القومية، هو أمر ضروري لإنعاشها، وانا مع هذه الفكرة لأن الدين لا يتماشى مع المبادئ القومية ومفاهيمها، لا بل على العكس من ذلك لكون الدين أممي لا يشترط أن يكون المؤمنين بدين واحد من منطقة واحدة أو لهم مصير واحد أو يشتركون بلغة واحدة.

وللحديث بقية

31/10/2020

 

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

460 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع