العراق يفتح أبواب التراث للسياحة العالمية

معالم من قبل الميلاد

تسعى اليونسكو، عبر تعاونها مع العراق، إلى تحويل المواقع الأثرية مثل أور وأريدو والأهوار الوسطى إلى وجهات سياحية عالمية، بما يعزز التنويع الاقتصادي ويوفر فرص عمل، ويعيد الاعتبار لإرث حضاري مهدد بالتغيرات المناخية والإهمال، ويمنح العراق مكانة بارزة على خارطة السياحة الثقافية.

العرب/بغداد- في قلب بلاد الرافدين، حيث وُلدت أولى الحضارات الإنسانية، تتجدد اليوم الدعوات إلى استثمار المواقع الأثرية والتراثية العراقية في تعزيز السياحة والتنويع الاقتصادي. وتسعى رؤية شاملة إلى جعل الإرث التاريخي رافعةً للتنمية المستدامة. وقد شكّلت زيارة بعثة منظمـة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافـة (اليونسكو) إلى محافظة ذي قار محطةً لافتة في هذا المسار، إذ أكدت أهمية دعم هذه المواقع وتحويلها إلى فضاءات حيّة قادرة على جذب السياح والباحثين، وإحياء ذاكرة الشعوب وربط الحاضر بجذور تمتد إلى آلاف السنين.

وبرزت المواقع التاريخية في جنوب العراق، وخاصة أور وأريدو والأهوار الوسطى، بوصفها نماذج فريدة تجمع بين العمق الحضاري والتنوع البيئي. وقد أكد رئيس البعثة، أليكساندروس ماكارغاكيس، خلال جولته الميدانية أنه شعر بقيمة هذه المواقع العالمية، مشيرا إلى استعداد اليونسكو لمساندة العراق في الحفاظ على تراثه الثقافي الغني وتطويره لأغراض السياحة الثقافية والعلمية، بما يضمن استدامته للأجيال القادمة.

وتُعد زقورة أور إحدى أبرز المعالم السومرية، وشاهدا حيا على عبقرية الإنسان القديم في بلاد الرافدين، حيث لا تزال تقف رغم عوامل الزمن والتغيرات المناخية. أما مدينة أريدو، التي تُعتبر من أقدم المدن في التاريخ البشري إذ يعود تاريخها إلى نحو 5400 قبل الميلاد، فهي تُمثّل بداية تشكّل المدن الدينية والسياسية في حضارة سومر، فيما تشكّل الأهوار نظاما بيئيا فريدا يجمع بين الماء والحياة، وقد أُدرجت ضمن لائحة التراث العالمي عام 2016 بوصفها نموذجا نادرا للتعايش بين الإنسان والطبيعة، وذلك ضمن موقع موسَّع يشمل أور وأريدو أيضا.

من جانبها، رحّبت مفتشية آثار ذي قار بمبادرة اليونسكو، مؤكدةً استعدادها لتطوير المواقع الأثرية المدرجة على لائحة التراث العالمي، وتوسيع نطاق التعاون مع البعثات الدولية. وأوضح معاون المفتشية حيدر العامري أن هذه الخطوة تُمثّل فرصة لإعادة إحياء العمل الأثري المشترك، خاصة بعد سنوات من التحديات التي أثّرت سلبا على نشاط البعثات الأجنبية، ما يجعل عودة هذا التعاون علامةً إيجابية على استقرار البيئة البحثية في العراق.

زقورة أور تُعد إحدى أبرز المعالم السومرية، وشاهدا حيا على عبقرية الإنسان القديم في بلاد الرافدين، حيث لا تزال تقف رغم عوامل الزمن والتغيرات المناخية

غير أن الحفاظ على هذه المواقع لا يخلو من تحديات متزايدة، في مقدمتها التغيرات المناخية التي بدأت تترك آثارها على البنى الأثرية القديمة. فقد أشار المختص في مفتشية التراث كاظم حسون إلى أن بعض المنشآت التاريخية، ومنها زقورة أور، تعرضت لتشققات وانهيارات جزئية نتيجة ارتفاع درجات الحرارة وتغيّر نمط الأمطار. وهو ما يستدعي تدخلات عاجلة تعتمد على أحدث أساليب الترميم، إلى جانب برامج تدريب متخصصة للكوادر العراقية بالتعاون مع الخبرات الدولية.

إلى جانب ذلك تبرز قضية التعديات والإهمال بوصفها أحد أبرز التحديات التي تهدد الإرث الحضاري العراقي، حيث تعاني الكثير من المواقع من نقص التمويل وضعف البنية التحتية، ما يحدّ من قدرتها على استقبال الزوار بشكل منظم وآمن. وهنا يأتي دور اليونسكو في دعم خطط الحماية والإدارة المستدامة، بما يشمل توفير الدعم الفني واللوجستي اللازم لصون هذه المواقع.

وفي المقابل يفتح هذا الواقعُ الباب أمام إمكانات اقتصادية واعدة، إذ يمكن للسياحة الأثرية أن تتحول إلى أحد أهم مصادر الدخل غير النفطي في العراق. فالمواقع التاريخية مثل أور وأريدو، إلى جانب الأهوار ذات التنوع البيئي الفريد، تمتلك قدرة كبيرة على جذب السياح من مختلف أنحاء العالم، إذا طُوِّرت البنية السياحية من فنادق ومراكز استقبال ومسارات منظمة، إضافة إلى تأهيل مرشدين سياحيين متخصصين.

كما أن مكافحة تهريب الآثار تُمثّل أولوية ملحة، إذ تسعى الجهات المختصة بالتعاون مع اليونسكو إلى رفع كفاءات الكوادر العراقية في مجالات التوثيق والحماية، فضلاً عن تطوير التعاون الدولي لاستعادة القطع الأثرية المهرَّبة. ويُعدّ هذا الملف جزءا أساسيا من إستراتيجية حماية التراث، إذ يرتبط مباشرة بهوية البلاد وذاكرتها التاريخية.

وتبرز محافظة ذي قار اليوم كأحد أهم المراكز الواعدة للسياحة الأثرية في العراق، بفضل ما تمتلكه من تنوع يجمع بين المواقع التاريخية العريقة والبيئة الطبيعية الفريدة. ومع تزايد الاهتمام الدولي، يمكن لهذه المحافظة أن تتحول إلى نموذج رائد في إدارة التراث الثقافي، يجمع بين الحفاظ على الأصالة والانفتاح على التنمية السياحية الحديثة.

وفي ضوء هذه التطورات تبدو زيارة بعثة اليونسكو أكثر من مجرد حدث بروتوكولي؛ إنها خطوة نحو بلورة رؤية إستراتيجية متكاملة للسياحة الأثرية في العراق، تقوم على ثلاثة محاور رئيسية: حماية التراث، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز الشراكات الدولية. وإذا تضافرت الجهود الوطنية والدولية، يصبح العراق قادرا على تحويل إرثه الحضاري من شواهد تاريخية صامتة إلى قوة ثقافية واقتصادية فاعلة تُسهم في بناء مستقبله.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

902 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

تابعونا على الفيس بوك