
رسالة مفتوحة إلى الشعب العراقي في الذكرى الثالثة والعشرين لاحتلال العراق
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه ومن والاه، وبعد:
ففي التاسع من نيسان من كل عام، يستحضر شعبنا العراقي واحدة من أكثر المحطات إيلامًا في تأريخه الحديث؛ فهو يوافق يوم #غزو_العراق واحتلاله سنة (2003م)؛ ذلك الخطب الجلل الذي لم يكن حدثًا مجردًا أو عملية عسكرية عابرة؛ كان جريمة كبرى مكتملة الأركان، ارتُكبت بحق دولةٍ ذات سيادة وشعبٍ عريق، واستهدفت إسقاطها وتفكيك بناها: السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية والحضارية، تحت ذرائع كاذبة ومبرراتٍ واهية، في مقدمتها: ادعاءات امتلاك العراق #أسلحة_دمار_شامل، وهي مزاعم ثبت بطلانها -لاحقًا- باعتراف من الأمريكيين أنفسهم.
لكن هذه الذرائع والمبررات كانت الغطاء الذي التحفت به الولايات المتحدة وبريطانيا لغزو العراق واجتياحه، بالتعاون والتنسيق مع أطراف دولية وإقليمية، وهو الغزو الذي أتاح لـ #النظام_الإيراني فرصة تأريخية للتغلغل داخل العراق وتحقيق أطماعها التوسعية، حتى صار تغوّله بمرور السنوات احتلالًا صريحًا بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ ودلالات.
لقد كان #احتلال_العراق منطلقًا لمشروع تدميري ممنهج، شرعت الولايات المتحدة فيه وأغرقت البلاد بوساطته في فوضى عارمة، لتمهد بذلك لفرض واقعٍ جديد قائم على الضعف والتبعية، وتحويل العراق إلى ساحةٍ مفتوحة للصراعات الدولية والإقليمية.
وبموازاة ذاك؛ عمل الاحتلال على تفكيك النسيج المجتمعي، بمحاولاته المستمرة لبذر بذور الانقسام الطائفي والعرقي، وفرض نظام سياسي قائم على المحاصَّة الطائفية والإثنية، بدلًا من بناء دولة المواطنة والعدالة؛ حيث عمل هذا النظام -وما زال يعمل- في سبيل تحويل الطائفية السياسية إلى آفة مجتمعية تُعمّق الانقسامات بين أبناء الشعب الواحد، وتُصيّر الاختلافات الطبيعية صراعات مدمرة.
وفي هذا السياق، برز العامل الإيراني بوصفه شريكًا فعليًا في ترسيخ الاحتلال وتقويض الدولة، ومالئًا للفراغ فيه عن طريق دعم وتمكين الميليشيات المسلحة، وفرض نفوذٍ سياسي وأمني يخدم مصالحه على حساب وحدة #العراق وسيادته؛ فأودى بحياة مئات الآلاف من الأبرياء، وترك الملايين من البشر ضحايا للتهجير والنزوح والإقصاء، والتغييب والاعتقال والتصفية، والفقر والضعف والحرمان.
وقد كشفت الأحداث المتتابعة أن #إيران لم تكن خصمًا للولايات المتحدة في مشروع إسقاط الدولة العراقية؛ كانت شريكًا في تحقيق هذا الهدف إلى جانب أطراف أخرى؛ حيث التقت مصالحها جميعًا للقضاء على العراق: دولة، ومؤسسات، وإعادة تشكيل المنطقة وفق توازنات جديدة، تحت مظلة التخادم التي كانت -وما تزال- تتحكم في مجرياتها وتطور حالتها؛ طبيعةُ المصالح والمكاسب، وحجمها المرجو لدى كل طرف من هذه الأطراف.
ومع دورة الأيام وانقلاب المعادلات، انتقلت الولايات المتحدة وحلفاؤها أنفسهم الذين شاطرتهم #طهران في تدمير العراق -وفي مقدمتهم الكيان الصهيوني- إلى مواجهة إيران عسكريًا، بعد أن كانوا في وقت ما (يتخادمون) معها على المصالح والنفوذ في العراق والمنطقة على حد سواء، ويضعون فيما بينهم محددات لقواعد الاشتباك عندما يتطلب الأمر تصعيدًا، أو صرف نظر عن حالة معينة تقتضيها المرحلة، وهذا كلّه انعكاس صريح ومآل بدهي لطبيعة الصراعات القائمة التي تتحكم بها المصالح لا المبادئ.
وعلى الرغم من هذا المشهد المعقد، فقد سطر #الشعب_العراقي صفحات مشرّفة من المقاومة بفصائلها وحاضنتها الشعبية، التي وقفت بوجه المشروع الأمريكي، وأخّرت تحقيق أهدافه وعرقلت الكثير من مقاصده، واضطرته إلى تغيير مساراته، وأثبتت أن #العراق لا يمكن إخضاعه بسهولة، إلا أن هذه المقاومة التي لم تجد الدعم المرجو والمؤازرة اللازمة من محيطيها العربي والإسلامي تعرضت لاحقًا لتآمر مزدوج؛ عندما تلاقت الإرادتان الأمريكية والإيرانية على إنهائها، بدءًا من تجريمها ووصمها بـ(الإرهاب)، ومرورًا بملاحقة شبابها وتصفيتهم واعتقالهم، وانتهاءًا بمحاولات استبدال ميليشيات طائفية -موغلة بالجرائم ضد الإنسانية- بها، مما جعل من العراق منطلقًا لزعزعة استقرار المنطقة وتهديد الدول العربية واستهدافها مؤخرًا، بعدما كان مشروع #المقاومة_العراقية الحقيقية ومن يعاضدها من القوى المناهضة للاحتلال وعمليته السياسية، بمثابة وقاءٍ لها من أطماع الاحتلالين الذين ابتلي العراق بهما، حتى باتت المنطقة اليوم تدفع ثمن صراعاتهما من أمنها واستقرارها وحيوات أبنائها.
لقد أخطأت #الولايات_المتحدة في حساباتها، حين تعاملت مع العراق بعقلية الاستكبار وفرض الإملاءات، بدلًا من الإنصات إلى إرادة الشعب العراقي، وتسليم إدارة البلاد إلى أبنائه المخلصين من أهل الإصلاح والشرف، لا إلى قوى مرتبطة بخطط ومشاريع خارجية؛ وكانت نتيجة هذه السياسات فشلًا إستراتيجيًا، ما زالت آثاره ماثلة حتى اليوم.
وإزاء هذا الواقع، نؤكد في هيئة علماء المسلمين على مواقفنا الثابتة في: ضرورة إنهاء جميع أشكال الاحتلال والنفوذ الأجنبي، واستعادة السيادة الوطنية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس مهنية ووطنية بعيدًا عن المحاصَّة الطائفية والعرقية، وتحقيق المصالحة الحقيقية بين أبناء الشعب.
إن ذكرى التاسع من نيسان ليست مجرد استذكار لماضٍ أليم؛ بل هي دعوة متجددة لمراجعة المسار، وتصحيح الأخطاء، والعمل الجاد من أجل عراقٍ حرٍ، يستعيد مكانته وأثره في محيطيه العربي والإسلامي؛ ولذلك ندعو الجميع إلى تحمّل مسؤولياتهم الأخلاقية والقانونية تجاه ما جرى ويجري في العراق، والعمل على دعم تطلعات الشعب العراقي في إنهاء كل أشكال الاحتلال والتبعية، وإعادة بناء دولته على أسسٍ وطنيةٍ جامعة: تضمن وحدته، وتحافظ على هويته، وتصون كرامته، وتحمي أرضه، وتكفل كرامته، وتعيد له استقلال قراره.
الأمانة العامة
21/شوال/1447هـ
9/ 4/ 2026م


970 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع