سياسيون وزعماء وأنبياء

جمال عبد الناصر وشكري القوتلي يوقعان اتفاق الوحدة السورية - المصرية (22/2/1958 Getty)

العربي الجديد:في أثناء تقديمها وجبة إفطار في مطعم صغير في ديترويت، وضعت النادلة السوداء أمام زبونها الدائم ورقة تتضمن بياناً انتخابياً لجماعة سياسية تدعمها في انتخابات محلية.

وطلبت منه أن ينتخب هذه القائمة. ابتسم الرجل، دفع الورقة بعيداً إلى حافة الطاولة، وقال لها: أنا لا أهتم بالسياسة. ... سحبت الورقة بيأس، وقالت له: طبعاً. ذكر وأبيض وثري، ما حاجتك للاهتمام بالسياسة؟
ربما لخّصت هذه النادلة أعقد فكرة في العالم، بأبسط طريقة في العالم. ووضعت حدود الاهتمام بالشأن العام، من عليه فعل ذلك، ومن سقط عنه هذا التكليف. ووفق قاعدتها الدقيقة، على كل من ينقصه شيء من حاجاته أو حقوقه أو كرامته أن ينخرط تماماً في السياسة، ويهتم لها، ولشؤونها، وأن يقدّم ما عليه في مجالها. صوتاً في صندوق في الأنظمة الديمقراطية، صوتاً في الشارع في الديكتاتوريات الخجولة، صوت أنين وألم قلب في الأنظمة الديكتاتورية الوقحة. ذلك كله وأكثر في الفترات والأنظمة الانتقالية.
لذلك، جملة شكري القوتلي لجمال عبد الناصر صارت ضرورة وطنية وليست دعابة. فحين وقّع الرجلان اتفاق الوحدة بين سورية ومصر، قال له: "أنت لا تعرف ماذا أخذت، يا سيادة الرئيس. ها أنا أسلمك أربعة ملايين، يعتقد كلّ منهم أنه سياسي، ويعتقد نصفهم أنهم زعماء، وربعهم أنهم أنبياء، وستجد بينهم من يظنون أنفسهم آلهة". تلك الجملة التي نكرّرها كنكتة وطنية منذ عام 1958، أصبح لها اليوم معنى مختلفٌ تماماً. ويصحّ لها أن تكون نداءً عاماً لا تهكّماً مرحاً، فالسياسة شأن من ينقصه شيء، وكل سوري ينقصه شيء.
ربما نعثر على سوري يمتلك بيتاً، وسيارتين، وعملاً مستقراً، وابناً وابنة، وتطبيق شام كاش، وبطاقة ذكية منتهية الصلاحية، وثمانية ألواح طاقة شمسية على السطح، وسطح، وجرّتي غاز احتياط، ومعرفة جيدة بشيخين في وزارتين، وصديقاً علوياً، وآخر درزياً، وشريكا مسيحياً، وصهراً كردياً، وجواز سفر صالحاً، عليه ثلاث تأشيرات، وموافقة دخول أمنية إلى مصر والأردن. ربما، لكن حتى شخص مثالي كهذا، ينقصه شيء أساسي جداً، وهو سورية نفسها. على الأقل، تنقصه سورية التي في حلمه، والتي حتماً لا تشبه سورية الحقيقية.
مسار المفاوضات والاتفاقات المتتابعة والمتفرعة بين الحكومة وقوات سوريا الديموقراطية كان حالة نموذجية لنوع الاهتمام السياسي العمومي في المجتمع السوري. إذ أدلى الجميع بدلوه، وتقلّبت آراء الجميع بتقلب المسار صعوداً وهبوطاً، ارتفعت لغة القطيعة وصوت الوعيد مع كل انخفاضٍ في إيقاع الاتفاق، ثم صار اسم الأكراد "أهلنا"، والعرب "إخوتنا" مع ارتفاع نبرة المبعوث الأميركي برّاك.
تراوح السياسيون السوريون الذين صاروا ثلاثين مليوناً، بمواقفهم في اليوم الواحد بين أن يكونوا أبو عمشة أو فوزة اليوسف، ويمرّون مرتين في اليوم بمرحلة أن يكونوا زيدون الزعبي ذهاباً وإياباً، ويعبر الزعماء الذين صاروا خمسة عشر مليوناً عن مواقف رؤيوية مرّتين في اليوم، من دون أن تتطابق "رؤاهم" مع بعضها بالضرورة. وحدهم الأنبياء، الذي صاروا سبعة ملايين، لا يقولون جديداً، ويكتفون بتذكيرنا أنهم أخبرونا بذلك مسبقاً، بعيد سقوط الرؤى عليهم. أمّا الآلهة، والذين كانوا معدودين يوم توقيع الوحدة، اختفوا اليوم، ولم نعد نعثر على أثر لهم، لا لأنهم غير موجودين، بل لأنهم ذكور وبيض وأثرياء، ولا يحتاجون أن يهتموا بالسياسة.

فيديوات أيام زمان

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1650 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع