من خشب الحرب إلى ذكاء العصر: قصة راديو Telefunken الألماني من 1942 إلى اليوم
إيلاف من سان فرانسيسكو: على طاولة خشبية قديمة في بيت أحد الأصدقاء، لفتني راديو كلاسيكي يحمل توقيع Telefunken. بدا كقطعة من المتحف، تحفة فنية من زمن آخر بواجهة خشبية منحوتة وأزرار معدنية بثلاث نغمات صامتة.
لأكون صادقة… لم أكن أعلم إن كان لا يزال يعمل، لكن حضوره وحده كان كافيًا. بدا وكأنه يحتفظ بصوتٍ قديم في داخله، لا يُسمع بل يُشعَر… تمامًا مثل الذكريات التي تسكن الصمت.
تقدّمت إليه صاحبة المنزل، سيّدة سبعينية تحفظ ملامحه كما تحفظ صورعائلتها. رأتني أتأمله طويلاً، وكأنني فتحت في داخلها باب حديثٍ كان مغلقًا منذ زمن.
وضعت يدها عليه بحنان، وقالت بابتسامة دافئة:
"هذا الراديو ورثته عن والدي… لم يكن مجرد جهاز قديم، بل رفيق أيام، وصوت بيت، وقطعة من زمن لا يعود. ثم بدأت تسرد القصة، كأنها تفتح درجًا من الذاكرة، تمتلئ تفاصيله بالصوت، والرائحة، والانتظار قربه لسماع نشرة أخبار أو موسيقى مسائية.
ثم التفتت إليّ وقالت بنبرة حنين: زمان… كانت الشركات تصنع الأشياء لتبقى. هذا الراديو من Telefunken، حتى وهو صامت، لا يزال صوته حاضرًا في البيت.
بدأ الحديث يأخذ طابعًا مختلفًا… لم نعد نتحدث عن راديو، بل عن روح تكنولوجيا وُلدت من رحم الصراع، ثم عاشت لتشهد العالم يتغير.
شرحت لي كيف اندمجت الشركة لاحقًا مع AEG، وتحولت إلى AEG-Telefunken، وكيف بات اسمها اليوم يُستخدم من شركات أوروبية في الشاشات والتلفزيونات والصوتيات.
ابتسمت بقهقهة وقالت: تخيّلي… ما كان يومًا صوتًا للحرب، أصبح اليوم قطعة ديكور في ركن هادئ من البيت.
ثم همست وكأنها تروي سرًا: سمعت مرة أن عائلة ألمانية وجدت رسالة مخفية داخل جهاز قديم من الشركة… كتبها فني يحذّر من مراقبة حكومية على بعض الترددات. لم أجد شيئًا كهذا في جهازي… لكن أحيانًا، الصوت وحده يكفي.
نظرتُ إلى الراديو من جديد. لم يكن مجرد آلة. كان شهادة على زمن، وعلى شركة، وعلى امرأة ظلّت تحفظ صوته وتحكي به قصصًا ربما لم تُكتب.
وفي نهاية اللقاء، نظرت إلى صاحبة المنزل وابتسمت وأدركت حينها أن أعظم ما يمكن أن تهديه لك الحياة، هو صديق يقف في المنتصف بين الماضي والحاضر، وينقل إليك تجارب لم تعشها… إلا من خلال صوته، وعينيه، وراديو قديم لا يزال يشتغل في الذاكرة، حتى وإن خفت صوته الحقيقي.
947 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع