أيام زمان الجزء ٧٠ البيض في التراث العراقي

أيام زمان الجزء ٧٠ البيض في التراث العراقي

 

 


البيض في اللغة والتعابير
في عمق التراث العراقي العريق، يتجدد إرثٌ من التقاليد والاحتفالات التي تمتد جذورها إلى أعماق التاريخ. حين تلتقي أساطير الأجداد مع طقوس الحاضر، يتجلى مشهد يعكس التنوع الثقافي والديني لهذا البلد العريق. يبقى طقس البيض، رغم عراقة جذوره، يحتفظ بمكانة خاصة في الحياة العراقية الحديثة. ففي كل مرة تُكسر بيضة أو تُلون في الاحتفالات، يتردد صدى هذه العادات المتوارثة من الأسلاف، المرتبطة بطقوس الخصوبة والموروث الشعبي.
يُظهر التراث الشعبي أن العراقيين لا يزالون يمارسون عادات قديمة مرتبطة بالبيض، مثل كسر البيضة عند شراء سيارة جديدة أو جهاز كهربائي، كنوع من درء الحسد ودرء الشر. يرى البعض في هذه العادة بقايا من طقوس القرابين التي كانت تُقدّم للآلهة القديمة، بينما يراها آخرون مجرد عادة موروثة تُمارس من باب التقليد. تشمل هذه الطقوس دحرجة البيض على الأرض لمحاكاة حركة الحياة والطبيعة المتغيرة، أو كسر البيضة كرمز للتضحية بشيء صغير لحماية ما هو أكبر وأهم.
ولا تقتصر عادة كسر البيض على طائفة محددة، بل يمارسها غالبية سكان العراق، كنوع من الأضاحي والقرابين لشكر الله على نعمه، ودرء وإبعاد النفَس السيء.
البيض في التراث العراقي يحمل معانٍ ودلالات متعددة تتجاوز كونه مجرد غذاء، فهو جزء من اللغة الشعبية والتقاليد والثقافة اليومية.
• البيض في اللغة:
بيضة الدجاجة الواحدة تُسمى "بيضة"، وجمع القلة "بيضات".
من صفات الدجاجة "بياضة" أو "بيوضة".
"بيض الغنم" تعني غدتي خصية الخراف.
"بيضة الرجل" أو "بيضاته" تشير إلى غدتي الخصية.
إذا أرادوا إخصاء ذكر، يقولون "انتزعت بيضتاه" أو "عصرتا عصراً".
• البيض في التعبيرات الشعبية:
"بيض اللكلك" هو نوع من حلوى الأطفال.
"بيض الحمام" كان يُستخدم في نداءات الباعة كناية عن التمر الزهدي، مثل قولهم: "بيض الحمام يا بيد راية".
"بيضة العكر" تعبير يُستخدم للدلالة على شيء لا مثيل له.
"بعده بالبيضة" تعني أنه لا يزال صبياً صغيراً.
"احجي البيضة" تعني "قل لي الحقيقة ولا تكتم عني شيئاً"، والبيضة هنا مؤنث "الأبيض" أي البيضاء.
"من البيضة فاسد" يُقال لمن تأصل الفساد في طبعه وسلوكه.
لمن يتلعثم في الكلام يُقال: "دبيضها لهل بيضة" أي "قل ما تريد قوله".
لمن يمشي بحذر شديد: "عبالك ديمشي على بيض" أو "عبالك جوه رجليه بيض".
للتعبير عن استحالة أمر ما: "لما يبض الديج" أو "بيضه ما بيها صفار".
"يهودي أبو بيضة" تُقال للحاذق في إنماء المال اليسير بطرق غير متوقعة.
"يكلي البيض بالضراط" يُقال لمن هو مملق ولا يملك مالاً.
• أمثال عن البيض:
"بيضة متكسر حجارة": يُقال لصرف الضئيل المستضعف عن مطاولة ذي نفوذ وقوة.
"بيضة من بيضة تفسد": مثل للعدوى التي تقع بسبب المجاورة.
"بيضة اليوم أحسن من دجاجة باجر": لترجيح ما هو موجود في اليد حتى لو كان قليلاً على ما هو متوقع.
"الديج الفصيح من البيضة يصيح": يضرب للذكي النابه من الصبيان.
"ليبوك بيضة يبوك جمل": يعني عدم الاستهانة بالجرائم الصغيرة لأنها تمهد للكبائر.
"مثل بيضة أبو الزعر بالسنة مرة": تعبير عن الأمور النادرة الوقوع.
"البومة من يطلع ابنها من البيضة تضرك عليه يكولولها ليش تضركين عليه؟ أتكول اشراح يصير غير بومة": يضرب في عدم جدوى إصلاح النفوس المألوفة للذل والمهانة.
"مثل اليسلك البيض ميصيبه شيء": يضرب في الجهد دون فائدة، مثل من يسلق البيض بالماء الساخن ولا يستفيد من الماء ولا البيض.
• البيض في الطب الشعبي:
يُستخدم البيض في العديد من الوصفات والعلاجات الشعبية، حيث يُعتقد أن له فوائد صحية متعددة، ويُستخدم في بعض الطقوس العلاجية والتقليدية.
البيض إذن ليس مجرد مادة غذائية في الثقافة العراقية، بل هو رمز مليء بالمعاني والتقاليد المتنوعة التي تعكس عمق التراث الشعبي واللغة الحية.
البيض له دور بارز في العقاقير والمعالجات الطبية الشعبية في العراق، حيث يُستخدم بطرق متنوعة تعكس حكمة وتجارب الأجداد في الطب التقليدي.
• في علاج الدمامل:
يخلطون صفار البيض مع الكرمندي، وهي مادة مطارية لينة تميل إلى السيولة، ليصنعوا منها لبخة تُسرّع انفجار الدمامل وشفائها. كما يُستخدم البيض المسلوق طازجاً في علاج تورم الأجفان الناتج عن الأرمد، حيث يُوضع على العين لتخفيف التورم وتسريع الشفاء.
• في علاج الصوت الأبح:
إذا كان الشخص يعاني من الزكام وصوته أبح، يصفون له شرب نصف بيضة مسلوقة، أو خلط بيضة نيئة مع كوب من الحليب المغلي، يشربه على الريق قبل الفطور.
• لتقوية الأطفال:
يُطعم الطفل الرضيع في شهره الرابع صفار البيض نيئاً مع قليل من الملح لتعزيز نمو عظامه وتقويتها.
• في حمام السبعة (للنفساء):
تُجلس النفساء على كيس حمام يُرش عليه كمون مسحوق مع بيضة نيئة مكسورة، كما يُدلك جسمها بمزيج عطري يتكون من بطنج ولب نوى المشمش المسحوق مع البيضة النيئة، وتسمى هذه الوصفة بـ"الدلوج". يعتقدون أن هذه العلاجات والمساج الذي تقوم به الجدة (القابلة) يعيدان لعضلات الجسم نشاطها ويضمنان صحة النفساء.
• في تعزيز القوة الجنسية:
يُعتقد أن أكل البيض يقوي الباه ويزيد من غزارة المني. كما يُستخدم صفار بيضة نيئة مخفوقة مع ملعقة دهن زيت لتدليك فروة الرأس وتقوية الشعر.
• منتجات حديثة:
انتشرت في الأسواق المحلية ما يُسمى بـ"شامبو البيض"، الذي يُرجّ عند خلطه بالماء ويقال إنه يقوي الشعر ويمنع تساقطه ويزيل قشرة الرأس.
• طقوس فطام الطفل:
عند فطام الطفل، يُوضع تحت رأسه بيضتان، واحدة مسلوقة وقشرتها مصبوغة باللون الأحمر لجذب انتباه الطفل، والأخرى نيئة وغير مصبوغة. في صباح اليوم التالي، يُؤخذ الطفل إلى الماء ليُرمي البيضة النيئة، وعندما يبكي على فقدها، تُقدم له البيضة الحمراء المسلوقة التي يرفضها بالرغم من لونها الزاهي. بعدها تُزال القشرة المصبوغة لتُظهر البيضة مشابهة للنيئة المفقودة، مما يرمز إلى انتهاء الفطام.
• عند صعوبات الولادة:
إذا عانت امرأة حامل من عسرة الولادة، يأخذ أحد أفراد الأسرة بيضة مسلوقة تُكتب على قشرتها آية الكرسي بواسطة لعاب الاتقاء المعروفين بالتعبد والنسك، ثم تُقشر وتُعطى للحامل لتأكلها، ويُعتقد أن ذلك يسهّل عملية الولادة.
• استخدامات أخرى:
• يكتب بعض العلماء آيات قرآنية على قشرة البيضة المسلوقة باستخدام منقوع الزعفران، ويُعتقد
• أن أكلها يشفي من آلام الظهر والأطراف.
• في علاج أمراض الخيول:
يُستخدم البيض أيضاً في الطب البيطري، حيث يُعطى الحصان عدة بيضات نيئة مخفوقة صباحاً لعلاج الصجاع (نزلة صدرية ناجمة عن البرد). كما يُستخدم صفار البيض المخفوق مع الملح في معالجة "الكدودة" (تدرن بين أعصاب جلد الحصان)، وغيرها من الأمراض.
بهذا، يتضح أن البيض ليس مجرد مادة غذائية في الثقافة العراقية، بل هو عنصر طبي شعبي متنوع الاستخدامات يعكس التراث والحكمة المتوارثة عبر الأجيال.
التفاؤل بالبيض
يتفاءل أهل بغداد بالبيض، حيث يكسون بيضة طيبة في كل مدخل من مداخل البيت الجديد في ليلة الانتقال إليه، اعتقاداً منهم بأن هذا "سهم الملائكة الصالحين" وجلباً للخير. كما يقوم البعض بنفس الطقس عند الانتقال إلى دار جديدة، حتى لو لم تكن حديثة البناء. ويتفاءلون أيضاً بـ"طك بيضة نيئة في رجل العروس" عند دخولها إلى بيت الزوجية، إضافة إلى نحر خروف ومراسيم أخرى طلباً للرزق والخير للزوجين. ومن الطقوس المهمة، كسر بيضة نيئة في كل مدخل من مداخل الحمام قبل دخول النفساء إليه في اليوم السابع من ولادتها.
• من واجبات البغداديين في خدمة الجار أيضاً المشاركة في أفراحهم وأتراحهم. عند حدوث وفاة في الحي، يحرص أحد الجيران من عائلة المتوفى على تقديم الطعام للعائلة المنكوبة بعد إخراج الجنازة، ويشمل ذلك عادةً ورد الماوي المخدر (مغلي)، الشاي، البيض المسلوق، والخبز. ويعتقدون أن البيض "ميسوي شوطة"، ولهذا يقولون: "أكل البيض يزيل الغيض".
التشاؤم من البيض
يتشاءم البغداديون من إدخال البيض إلى المنازل بعد غروب الشمس، ولا يذكرونه حتى يسمع، وإذا اضطروا إلى ذكره يقولون "دحرج". وقد وصف الملا عبود الكرخي هذه الظاهرة بقوله:
"أغر ما يدخلن قطعا أبد بالدار / بالليل الجدر والبيض ممنوعات."
• إذا توفي شخص في ليلة الأربعاء، يضعون بيضة نيئة مع مسمار حديد وسبع خوصات سعف تحت رأس الميت، اعتقاداً منهم أنها تبعد النحس وتحمي بقية أفراد الأسرة، خاصة الصغار، من أذية الميت.
البيض في تفسير الأحلام
يفسر البغداديون رؤية البيض في المنام بتفسيرات متعددة:
دجاجة تبيض وزوجته حاملا تعني ولادة ولد.
أكل البيض نيئاً يعني الحصول على مال حرام، أما أكل البيض المسلوق فيدل على مال حلال.
رؤية البيض الكثير تعني مالاً وفيراً، وللعازب تدل على الزواج، وللمتزوج تدل على إنجاب أولاد.
البيض الناعم يدل على البنات، والخشن على البنين.
كسر بيضة في المنام لمن له ولد واحد يعني وفاة الولد.
أكل صفار البيض في الحلم يدل على الحصول على ذهب، وأكل بياض البيض يدل على ربح أقل، حيث يُرمز للصفار بالذهب والبياض بالفضة.
تجارة البيض
كانت تجارة البيض في العراق تقليدياً من اختصاص اليهود حتى إلغاء الجنسية عنهم، حيث كان لهم سوق خاص في بغداد يُعرف بـ"سوق الدجاج". كانوا يشترون البيض بأسعار زهيدة من القرى ويحفظونه في سلال مليئة بالتبن، ثم ينقلونه على ظهور الحيوانات، ولاحقاً باستخدام الصناديق الخشبية والسيارات.
طريقة فحص البيض للتأكد من صلاحيته تتم بمسكه بين الأصابع وتقريبه إلى العين مقابل الشمس، فإذا ظهر خيط أحمر داخله تكون البيضة فاسدة.
طريقة أخرى شائعة في البيوت هي وضع البيضة في ماء نقي؛ فإذا طفت على السطح فهي فاسدة، وإذا استقرت في القاع فهي صالحة.
كما ابتكروا جهازاً بسيطاً من الخشب مع مصباح كهربائي لفحص البيض بالكشف عن الفاسد بواسطة الضوء.
كان البيض يُباع في أماكن محددة ببغداد، مثل سوق الدجاج وسوق الشواكة بالكرخ وسوق الكاظمية، بالإضافة إلى العربيات الريفية التي تتجول في أزقة بغداد منادين ببيع البيض الطازج والخشن.
لاحقاً، دخل إلى السوق البيض المستورد من دول مثل لبنان وبلغاريا، معبأ في صناديق خشبية أو كرتونية تحمل علامات تجارية وألواناً مميزة.
البيض في المزارع
كان البيض يُحفظ داخل النخالة صيفاً لمنع فساده، أما اليوم فيحفظ في الثلاجات الكهربائية.
يضع مربو الدجاج رأس بصل أبيض صغير تحت الدجاجة غير البياضة في فترة الحضانة (الكرك) كتمويه ليعتقد الدجاج أنها بيضتها، وبعد انتهاء المدة تبيض فعلاً.
إذا باضت الدجاجة دون أن يمسها ديك، يسمى هذا البيض "ترابي" ولا يصلح للتفقيس لأنه بلا نطفة.
البيض في التسلية واللهو
في الألغاز، يُقال: "بيضة بضبضة تلمع لميع الفضة"، والمراد القمر.
للمداعبة، يُسأل الطفل: "تريد بيضة؟" ثم يُحدث صوتاً باليدين على الخدين.
لاختبار نباهة الأطفال، يُسألون: "إذا باض الديك على التيغة، من يأخذ البيضة؟"
في المراهنات، يُميزون بين البيضة المسلوقة والنيئة بفرانها عند الدوران؛ فالمسلوقة تدور بسرعة وانتظام، والنيئة لا.
من الألعاب المشهورة "تسعة والبيضة"، كما تُذكر البيضة في ترانيم الأمهات لتسلية أطفالهن.
البيض في الطبخ
للبيض دور كبير في المأكولات البغدادية:
يُدهن صفار البيض على الخبز والحلويات مثل الكليجة قبل خبزها.
يُضاف إلى كبة الحلب قبل قليها.
يُستهلك مسلوقاً أو مقلياً مع الباقلاء المنقوعة، البسطرمة، السبانخ، المعكرونة، القرنبيط، ويُقدم مع السلطات والمقبلات.
هناك طبق يسمى "سلة ملتوف" حيث تُغلف بيضة مسلوقة كاملة بلحم مدقوق ثم تُقلى.
بهذا الغنى الثقافي والتقليدي، يظل البيض في العراق رمزاً متجدداً للحياة، الطب، الفرح، والحكمة الشعبية.
استعمالات أخرى للبيض
1. في الحرف اليدوية:
يستخدم الخياط "فرفوري" بياض البيض مخلوطاً مع النورة الناعمة لسد شقوق الأواني المكسورة بعد تثبيتها بواسطة التيل الرفيع، مما يمنح الأواني متانة إضافية ويطيل عمرها.
2. في الزينة:
تُستخدم قشور البيض المسحوقة مع مادة السبداج في تلميع أو تلوين بعض الأشياء، كما تُستعمل القشور الفارغة كاملة في تزيين بعض أشجار الصبير، مما يضفي لمسة جمالية طبيعية وفريدة.
3. في السحر والتعاويذ:
يُستخدم البيض بكثرة في طقوس السحر، ويفضل استخدام بيض الدجاجة السوداء لأنه يُعتقد أن السحر الذي يجري به يكون أكثر ثباتاً وقوة.
البيض في عيد الفصح
يعتبر البيض رمزاً مركزياً في احتفالات عيد الفصح المسيحي، حيث يُمثل الحياة والقيامة والتجدد. في العراق، كما في العديد من الثقافات، يتم تلوين البيض وتزيينه بألوان زاهية وتوزيعه كهدايا رمزية تعبر عن الفرح والبدايات الجديدة.
يُقام تقليد "كسر البيض" بين الأهل والأصدقاء، حيث يتنافسون في كسر بيض بعضهم البعض، ويُعتبر الفوز في اللعبة رمزاً للحظ الجيد والبركة.
تُزين البيوض بألوان متعددة، وغالباً ما تُستخدم الألوان الحمراء التي ترمز إلى الدم والتضحية، أو ألوان زاهية تعبر عن الحياة والنمو.
البيض في عيد الفصح يمثّل أيضاً الأمل والخصوبة، ويترافق مع طقوس وأغاني شعبية تعزز الروح
الاجتماعية والتواصل بين الناس.
بهذه الاستخدامات المتنوعة، يظل البيض في التراث العراقي رمزا غنيا يحمل بين طياته معانٍ متعددة بين الحياة اليومية، الفنون، الطب الشعبي، والاحتفالات الدينية والثقافية.
اخي القارئ: اذا وجدت أي خبر يخص البيض ارجو اضافته مع الشكر

المصدر: عزيز الحجية / مواقع التواصل الاجتماعي

 

 

 

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1118 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع