
محمد عبدالرزاق الهاشمي
الزمن: رميناه بدائنا وانسللناّ!
"يا لسرعة الزمن!...
تمر السنون كلمح البصر!"...
(شبساع...؟! عبالك البارحة)
مثل هذه الجمل وسواها غالبا ما نرددها بأسى أو باندهاش أو بحسرة... وأحيانا بشيء من الفرح أو الإعجاب كلما أطلت علينا مناسبة، أو فاجأتنا أحداث بدت لنا متسارعة أو التقينا بشخص طال غيابه علينا...
نقف بذهول أمام قطار الزمن السريع، نلوم الساعات والدقائق، ونتهم الزمن بالركض والفرار، لكننا، لو توقفنا قليلاً وأنصتنا لخرير أيامنا، لاكتشفنا حقيقة صادمة:-
الزمن لم ولن يغير خطواته الرتيبة منذ بدء الخليقة، بل نحن الذين نقود قطار الاستعجال، ونحن من ندفع الأيام دفعاً لتنقضي.
تبدأ الحكاية منذ الطفولة، حين كنا تلاميذ نجلس على مقاعد الدراسة، وعيوننا شاخصة نحو عقارب الساعة المعلقة على الجدار.
لم نكن نعيش متعة المعرفة، بل كنا "نستعجل" رنين جرس الفرصة لننطلق للهو واللعب وربما للشراء من الحانوت المدرسي.
ثم كبرنا قليلاً، فصرنا طلاباً تضيق بِنَا قاعات المحاضرات؛ فنستعجل نهاية اليوم الدراسي، ونترقب بلهفة عطلة نهاية الأسبوع.
لم يكد يهدأ روعنا حتى نبلغ عطلة نصف السنة، ثم قفزت أمنياتنا لتستعجل العطلة الصيفية الكبرى. كنا نعيش الحاضر كأنه جسر ثقيل نود اجتيازه بأسرع ما يمكن، لنبلغ ضفة الغد بأسرع ما يمكن!.
لم يتغير الطبع حين غادرنا مقاعد العلم إلى دهاليز الحياة العملية. دخلنا الوظيفة فدخلت معنا حمى الانتظار والاستعجال ذاتها. أصبحنا نستعجل صباحات الاسبوع كي توصلنا إلى اليوم الأحب لدينا... يوم الخميس، حيث عطلة نهاية الأسبوع.
نعيش الشهر كله بعيون مغتربة، نستعجل الأيام يوماً تلو الآخر، نود لو تسارع الوقت أكثر فأكثر لنبلغ "رأس الشهر" فنقبض الراتب!
نستعجل قدوم المناسبات السعيدة والمفرحة ونستعجل العطل الرسمية والأعياد
نعيش في حالة "هروب مستمر إلى الأمام". نحيل الحاضر الثمين إلى مجرد "وقت مستقطع" بانتظار حدث قادم.
نقوم بـ "قضم" الأيام والشهور بأسنان لهفتنا، وندفع الغد ليصبح أمساً بلمح البصر، وحين نفيق بعد سنوات من هذا الجري اللاهث، نلتفت وراءنا فلا نرى سوى غبار السنين الراحلة، فنصرخ بدهشة مصطنعة: "كيف مرت تلك الأعوام بهذه السرعة؟!.
الواقع الذي نتجاهله أو نتناساه هو أن الأيام لا تجري ولا تسرع بنا، بل نحن من يجري فيها... وأنها لا تسرع بنا بل نحن من يسرع بها ويتعجلها.
الوقت يمضي بوقار ويسير بهدوء، يمنحنا في كل يوم أربعاً وعشرين ساعة كاملة لنعيشها ونستشعر تفاصيلها، لكننا نرفض هدية الحاضر، ونظل نركض خلف السراب القادم.
نحن الجناة بحق أعوامنا وأعمارنا، نحن من نقتل مسيرة الأيام المتئدة الجميلة بمقصلة الاستعجال، ثم نحن من يبكي على ضياعها.
إنها مفارقة إنسانية حزينة: نستعجل العمر يوماً بيوم، ثم نحزن إذا انقضى ونقول ما أسرعه!
الأزمة في عمقها أزمة نفسية، تكمن في عجز الإنسان المعاصر عن مصادقة "الآن". نحن مصابون بمرورٍ قلق، نعيش في "اللحظة القادمة" دائماً، ونحيل الحاضر الثمين إلى مجرد قاعة انتظار باردة.
نحن لا نعيش الزمن، بل "نستهلكه" ... المفارقة الإنسانية الأكثر شجناً هي أننا نقضي نصف العمر في استعجال انقضائه، ونقضي نصفه الآخر في البكاء على ما انقضى!
* ختاما، لابد من الاعتذار لــ"رُهم بنت الخزرج " صاحبة المقولة: {رمتني بدائها وانسلت}

696 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع