
سعاد عزيز
عندما تتحول الاعترافات إلى دليل إدانة: مقابلة عراقجي نموذجا
لم تكن المقابلة التلفزيونية التي أجراها وزير خارجية النظام الإيراني عباس عراقجي مجرد إطلالة إعلامية، بل تحولت إلى نافذة كشفت جانبا من الأزمات المتراكمة داخل بنية السلطة. فما ورد فيها لم يقتصر على استعراض أحداث مرحلة حساسة، وإنما عكس حجم التصدعات التي تعيشها مؤسسات الحكم، وأظهر أن الخلافات الداخلية باتت تتجاوز قدرة الخطاب الرسمي على احتوائها.
لقد اعتاد النظام على تقديم نفسه بوصفه سلطة متماسكة تمتلك زمام المبادرة، غير أن ردود الفعل الغاضبة التي أعقبت المقابلة، والهجوم المتبادل بين وسائل الإعلام التابعة للحرس الثوري والتيارات المتشددة، كشفت عن انتقال الصراع من الكواليس إلى العلن، وهو تطور غالبا ما يرافق الأنظمة التي تدخل مرحلة أزمة بنيوية في شرعيتها وآليات اتخاذ القرار.
ومن أبرز ما كشفته المقابلة أن انتقال القيادة لم يؤد إلى توحيد مركز القرار، بل أظهر استمرار التنافس بين مراكز النفوذ. فالحديث عن ترتيبات أمنية وقنوات خاصة للتواصل مع القيادة الجديدة يعكس حالة من انعدام الثقة داخل المؤسسة الحاكمة، ويؤشر إلى أن مرحلة ما بعد علي خامنئي تبدو أكثر تعقيدا مما يحاول النظام إظهاره.
أما على الصعيد الأمني، فإن إقرار عراقجي بوجود اختراقات وصلت إلى مستويات عليا في الدولة يمثل اعترافا خطيرا بأزمة تضرب الأجهزة التي طالما قدمها النظام باعتبارها حصنه الأكثر صلابة. كما أن اعترافه بوجود أخطاء في التقديرات العسكرية، وربطها بالخسائر التي تكبدها النظام، نسف الرواية الرسمية التي حاولت تصوير الأحداث بوصفها انتصارا استراتيجيا.
وتأتي هذه الاعترافات في وقت تتفاقم فيه الأزمات الاقتصادية وتتوسع رقعة الاحتجاجات الشعبية، الأمر الذي يجعل الانقسامات الداخلية أكثر خطورة. فالنظام لم يعد يواجه ضغوطا خارجية فحسب، بل يواجه أيضا مجتمعا أكثر جرأة على الاحتجاج، ومعارضة منظمة استطاعت، وفي مقدمتها منظمة مجاهدي خلق ووحدات المقاومة التابعة لها، أن تحافظ على حضورها داخل المشهد الإيراني، وأن تستثمر حالة التصدع داخل السلطة في توسيع النشاط الاحتجاجي وكسر أجواء الخوف، وهو ما يفسر تصاعد حملات النظام الأمنية والدعائية ضدها.
لذلك، فإن ما أعقب مقابلة عراقجي لا يمكن النظر إليه بوصفه خلافا إعلاميا عابرا، بل باعتباره دليلا على أزمة وجودية تضرب بنية النظام من الداخل. وعندما تتحول تصريحات مسؤول بهذا المستوى إلى مادة لتبادل الاتهامات بين أجنحة الحكم، فإنها تكشف عن تراجع قدرة السلطة على توحيد خطابها وإخفاء تناقضاتها. وفي ظل استمرار الاحتجاجات وتصاعد دور المقاومة المنظمة، تبدو الأزمة الإيرانية اليوم أقرب إلى أزمة بنيوية مفتوحة، حيث لم يعد التحدي الحقيقي يأتي من الخارج، بل من الداخل الذي تتآكل فيه أركان النظام يوما بعد آخر.

1073 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع