بين القمة والقاعدة … والتفاهة بينهما حكاية الإنسان في ميزان المعرفة والواقع

سعد عبد المجيد ابراهيم

بين القمة والقاعدة… والتفاهة بينهما حكاية الإنسان في ميزان المعرفة والواقع

برز في السنوات الأخيرة مصطلح “التفاهة”، متزامنًا مع صعود شخصيات سطحية إلى واجهة المشهد العام، حتى غدت الكلمة حاضرة بقوة على منصات التواصل الاجتماعي وفي النقاشات الثقافية والاجتماعية. وإزاء تباين الآراء بين من يعدّ الظاهرة مستجدة وخطيرة، ومن يراها امتدادًا طبيعيًا لتحولات العصر، يبرز سؤال جوهري: ما المقصود بالتفاهة تحديدًا؟ وهل أسهم الاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي في ترسيخ حضورها، وما هو دور التعليم والدولة في الحد من تغول وانتشار الظاهرة.

لا يمكن اختزال مسؤولية استشراء "التفاهة" في منصات التواصل الاجتماعي فحسب؛ فرغم دورها المحوري كأدوات تضخيم تمنح قيمة لمن لا قيمة له، إلا أن جوهر المشكلة يكمن في سلوك المستخدم وفي ميل الناس لاستساغة السطحيّ واليسير على حساب الجادّ والضروري.
إن التفاهة أصبحت اليوم ظاهرة عالمية تجاوزت حدود المجتمعات المحلية، مما جعلها محطّ اهتمام علماء الاجتماع والمفكرين الذين عكفوا على تشريح أسبابها وتتبع تجلياتها في ظل التحولات الرقمية المتسارعة. وفي سياقنا المعاصر، تُعرّف التفاهة بأنها "هيمنة الهامشي على الجوهري"؛ وهي حالة من "السطحية الممنهجة" التي تُعلي من شأن "الرائج" (Trending) بوصفه المعيار الوحيد للأهمية، مما يُفضي بالضرورة إلى وهنِ القدرة على التفكّر، والعجز عن التمييز بين الغثّ والسمين. وتتجلى الخطورة الحقيقية في هذا المسار حين يتحول الشخص "التافه" إلى نموذجِ نجاحٍ يُحتذى به؛ فيبثُّ بذلك رسالةً ضمنية للأجيال الصاعدة مفادها: أن الاستعراض بديلٌ عن العمق، وأن استثارة الانتباه أولى من استحقاق الإنجاز.
لا يخلو أيَّ مجتمعٍ من التباين الفكري؛ فهناك نخبةٌ محدودة تنحو صوبَ العمق المعرفي والنتاج الذهني الرصين، تقابلها أغلبيةٌ غارقة في أتون الحياة اليومية، تتأرجحُ في ممارساتها بين الجدية والسطحية، فضلاً عن فئةٍ تستهويها المظاهرُ وتستغرقها الشؤون العابرة. بيد أن هذه التصنيفات ليست قوالب جامدة إذ يتحرك الفرد بينها تَبَعًا لمتغيرات حياته وظروفه الضاغطة التي تؤدي دورًا محوريًا في هذا التحول.
فعندما يستبد بالفرد هاجس تأمين الاحتياجات الأساسية، أو حينما يرزح تحت وطأة بيئةٍ مضطربة تفتقر للأمان وتضج بالصراعات، فإن أولوياته تُعيد تشكيل نفسها قسريًا. ولعل تجلي "ظاهرة التفاهة" يغدو أكثر وضوحًا عند إخضاعها للتحليل عبر هرم "أبراهام ماسلو" للاحتياجات؛ فالكائن البشري في مسيرته الوجودية لا يتحرك اعتباطًا، بل تدفعه احتياجاتٌ تتدرج من ضرورات البقاء الفسيولوجي وصولًا إلى غايات تحقيق الذات والسمو الذاتي.
ومكمن الخلل يبدأ حين يتسمّر البعض عند المستويات الأدنى، أو حين يختل نظام الأولويات؛ فينكفئ السعي نحو المعرفة وتحقيق الذات لحساب الانشغال بالسطحي والهامشي. وعندما تتوارى قيم التقدير الحقيقي القائمة على الإنجاز الفعلي، تهيمن مكانها مظاهر زائفة من الشهرة الجوفاء."
إن تنامي هذه الظاهرة لا ينفصل عن السياقات الضاغطة في المجتمعات المعاصرة؛ إذ يمثل الهروب نحو المحتوى الترفيهي البسيط آلية دفاعية غريزية (Defense Mechanism) لمواجهة أزمات الواقع المرير. فالاستنزاف النفسي والذهني يدفع الفرد للبحث عن مخارج آنية، مما يجعل الإقبال على المحتوى الهابط ليس نزعة أصيلة نحو التفاهة، بقدر ما هو تجسيد لثقل الواقع الخانق وغياب تكافؤ الفرص، مما يضطر البعض لابتكار مسارات بديلة ومختصرة لتحقيق الذات والنجاح المادي.
ومن هنا يتبدى سؤالٌ جوهري: لماذا تهيمن السطحية على المشهد الراهن؟ لا ريب أن منصات التواصل الاجتماعي، بما تمنحه من سهولة في النشر والوصولٍ غير المشروط، قد ساهمت في تضخيم هذه الظاهرة، إذ شرعت الأبواب أمام الظهور السريع، ومنحت المحتوى السطحي ميزةً تنافسية على حساب الطرح المعمق، فضلاً عن ميل الجمهور، أحيانًا، إلى ما هو أخف وأسرع استهلاكًا. لذلك، قد يخيل إلينا أن “التافهين كُثُر”.
في الحقيقة أن للحكومات دوراً محورياً في تقويض هذه الظاهرة أو تغذيتها عبر سياساتها التعليمية والإعلامية. إن تردي جودة التعليم، وغياب الفكر النقدي، واستسلام الوسائل الإعلامية لمنطق الإثارة والربح السريع، كلها عوامل خلقت بيئة خصبة للسطحية. أضف إلى ذلك، فإن تراجع العدالة وتكافؤ الفرص دفع البعض للبحث عن مسارات نجاح بديلة وميسرة، ولو كانت عبر بوابة الابتذال.
تُعد ظاهرة استخدام بعض المنصات الرقمية كوسيلة لعرض الذات بحثاً عن فرص للارتباط أو الشهرة من التحديات المعاصرة التي أفرزتها البيئة الرقمية؛ ويعزو مختصون ذلك إلى انحسار قنوات التعارف التقليدية، أو الرغبة في الانتشار السريع، وفي حالات أخرى قد ترتبط بدوافع استغلالية.
وعلى الرغم من محدودية هذه الحالات من الناحية الإحصائية، إلا أنها تحظى باهتمام ونقد مجتمعي واسع، نظراً لما تثيره من تساؤلات حول صون الكرامة الإنسانية ومخاطر تسليع العلاقات الاجتماعية. وفي هذا السياق، سعت الجهات المعنية إلى تفعيل أطر قانونية وتنظيمية لضبط المحتوى الرقمي، بهدف حماية الذوق العام وضمان جودة المحتوى، مع الحرص على تحقيق توازن دقيق يحفظ القيم المجتمعية من جهة، ويكفل حرية التعبير المسؤول في الفضاء الرقمي من جهة أخرى
ومن أجل فهم أدق لهذه الظاهرة، لا بد من ربطها بموقع الإنسان في سلّم المعرفة، وبالتحولات التي طرأت على مفهوم القيمة في عصرنا. فالناس يتفاوتون في قدراتهم وإمكاناتهم الفكرية، كما يتفاوتون في أوضاعهم الاجتماعية والمعيشية. وإذا نظرنا إلى هذا التفاوت من زاوية تحليلية، أمكن تمثيله بهيكل هرمي افتراضي يعكس توزيع الأدوار في المجتمع:
في قمة الهرم تقف النخبة الطليعية، وهم قلة من العلماء والمبتكرين والنوابغ، يمتلكون صفاء الذهن وعمق البصيرة والقدرة على الرؤية الاستراتيجية. وتتراوح نسبتهم، (تقديريًا) بين 1–3%، غير أن أثرهم يتجاوز بكثير حجمهم العددي.
تليهم الطبقة التخصصية، وهي شريحة أوسع تضم أهل الاختصاص من أطباء ومهندسين وأكاديميين وفنانين ومهنيين، يشكلون العمود الفقري للإنتاج المعرفي، وتتراوح نسبتهم، (تقديريًا) بين 10–20%.

ثم تأتي الكتلة المجتمعية الأكبر، من عامة الناس الذين يديرون شؤون الحياة اليومية بجدية وصمت، ويمثلون صمام أمان الاستقرار المجتمعي، وتتراوح نسبتهم، (تقديريًا) بين 50–60%.
أما قاعدة الهرم، فتضم من لم تتح لهم فرص تعليم كافية بسبب ظروف اجتماعية أو اقتصادية. ومن المهم التمييز هنا بين “الأمية التعليمية” و“الفقر القيمي”، إذ قد تتجلى الحكمة لدى هذه الفئة رغم محدودية التعليم، وتتراوح نسبتهم، (تقديريًا) بين 20–30%.
وفي هذا السياق، أين موقع “التفاهة” في هذا السلم؟ في الحقيقة، لا يصح النظر إليها بوصفها طبقة مستقلة، لأنها ظاهرة عابرة للمستويات، تتخذ أشكالًا مختلفة بحسب الموقع. فقد تظهر في القاعدة على هيئة جهل أو انشغال بالسطحي، وهو أمر مفهوم في ظل محدودية الفرص. لكنها قد تتسلل أيضًا إلى الطبقة الوسطى حين يطغى الترفيه على المعرفة، أو إلى الطبقة التخصصية عندما يتحول العلم إلى وسيلة للوجاهة لا للفهم. أما في القمة، فإن حضورها، وإن كان نادرًا، يكون أشد إيلامًا حين تُستخدم المكانة الفكرية للإثارة أو التبسيط المخل على حساب الحقيقة. ومن هنا، فإن التفاهة لا ترتبط بمقدار المعرفة بقدر ما ترتبط بطريقة توظيفها، فهي تنتشر عمودياً عبر مختلف المستويات، وتختلف خطورتها باختلاف موقعها.
قد تتسلل التفاهة أحيانًا إلى الحقل الأكاديمي نفسه، حين يُساء توظيف البحث العلمي وتُستنزف الجهود في موضوعات هامشية لا تضيف معرفة حقيقية ولا تعالج إشكالًا واقعيًا. وبذلك تفقد أثرها المعرفي وجدّتها وجدواها. وعندما تتحول بعض الأطروحات إلى اجتهادات شكلية أو موضوعات عبثية تفتقر إلى العمق والغاية، فإن ذلك يضعف الثقة بالمؤسسة العلمية ذاتها. فالعلم، في جوهره، مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون إنجازًا شخصيًا، وميزانه الحقيقي هو ما يضيفه إلى فهم الإنسان للعالم وما يقدمه من حلول نافعة لمشكلاته.
أما في المجال السياسي، فتتجلى التفاهة حين يُختزل العمل العام في شعارات فارغة، أو يُدار بمنطق الاستعراض بدلاً من الكفاءة والرؤية. فحين يتقدم الخطاب الانفعالي على التفكير الرصين، وتُستبدل البرامج الواقعية بوعود فضفاضة، يصبح المشهد السياسي عرضة للسطحية وفقدان الثقة. والتفاهة هنا تنعكس مباشرة على وعي المجتمع وخياراته، إذ تُفرغ السياسة من مضمونها كأداة لإدارة الشأن العام، وتحولها إلى ساحة للضجيج بدل أن تكون مجالًا لصناعة القرار الرشيد. ومن هنا، فإن مواجهة التفاهة السياسية تبدأ بإعلاء قيمة الوعي والمساءلة، وربط المكانة العامة بالإنجاز لا بالخطابة
ومن الضروري التأكيد أن هذه التقسيمات افتراضية، وأن النسب المذكورة تقريبية لا تمثل قوانين ثابتة. فالإنسان قادر على الانتقال بين هذه المستويات عبر التعلم والخبرة، كما أن المجتمعات العادلة تسعى إلى تقليص الفجوات بينها. إن المجتمع السليم يقوم على التكامل الوظيفي بين مكوناته، حيث تُقاس قيمة الإنسان بأثره، وبقدرته على الانحياز للمعنى في زمن تتزاحم فيه الصور وتضطرب فيه المعايير.
ويبقى التحدي الأبرز اليوم هو إعادة الاعتبار للعقل والمنطق، وإدراك أن وسائل التواصل الاجتماعي أدوات لتبادل الأفكار لا منصات للتباهي. إننا بحاجة إلى وعي متوازن يجمع بين حكمة البسطاء ورصانة العلماء، لمواجهة تيار السطحية الجارف، وصون ما تبقى من عمق في زمن السرعة.

 

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

767 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع