
د. خضير المرشدي
فرانكشتاين في بغداد.. الوحش الذي نحن صنعناه..
عام 2013، صدرت في بغداد روايةً لم تكن مجرد عمل أدبي، كانت صرخة عميقة وتشريحاً قاسياً لجسد ممزق . فرانكشتاين في بغداد لمؤلفها احمد السعداوي لم تكن اقتباساً من رواية ماري شيلي، ولا تقليداً للواقعية السحرية اللاتينية، بقدر ما هي إعادة خلق جذرية للأسطورة في قلب الواقع العربي المعاصر..
في حي البتاويين الشهير ببغداد، وفي عام 2005، يجمع "العتّاك" -بائع الخردة - أشلاء الضحايا الذين مزقتهم التفجيرات ليمنحهم جسداً كاملاً يُدفن بكرامة.. تدخل روح ضحية جديدة هذا الجسد المُرقَّع، فينهض (الشسمه- الوحش الذي لا اسم له- يطالب بالعدالة.. ويبدأ بقتل من ساهم في موت أجزائه، ليتحول تدريجياً إلى أسطورة رعب شعبية، وأداة في يد القوى السياسية، ومصدر فوضى لا تنتهي.
يقول هذا الوحش في إحدى تسجيلاته:
"سأقتص، بعون الله والسماء، من كل المجرمين. سأنجز العدالة على الأرض أخيرًا، ولن يكون هناك من حاجةٍ لانتظارٍ ممضٍ ومؤلم لعدالة تأتي لاحقًا، في السماء أو بعد الموت"..
هنا تبرز عبقرية سعداوي في المقارنة مع الروايات الكبرى.. في رواية ماري شيلي فرانكشتاين (1818)، يخلق العالم الطموح فيكتور كائناً فردياً مثقفاً يعاني الوحدة ويبحث عن الحب والقبول.. أما "وحش" سعداوي الذي لا إسم له، فهو كائن جماعي متشظٍ، مكون من أجزاء طوائف وإثنيات ومذاهب مختلفة، لا يبحث عن الحب بل عن الانتقام، وكلما قتل فقد جزءاً من جسده واستبدله بجزء جديد من ضحية أخرى. ماري شيلي تحذر من طموح العلم غير المسؤول، بينما احمد سعداوي يفضح وحشية السياسة والاحتلال والفشل والفساد والقتل الداخلي.
ثم يلتقي سعداوي "بغابرييل غارسيا ماركيز" في "مائة عام من العزلة"، فيستخدم "الواقعية السحرية" ليجعل الغرائبي جزءاً طبيعياً من اليومي.. لكنه يتجاوز ماركيز في القتامة والسخرية المرة، فالرعب في بغداد أشدّ من أي مطر يدوم أربع سنوات..
ويلتقي "بفرانز كافكا في رواية المسخ"، لكنه يحول الفكرة من حالة فردية إلى تحول جماعي وطني، يعبر عن تفكك مجتمع بأكمله..
ونراه يتقاطع ببراعة مع "إلياس خوري" في "باب الشمس" في استخدام السرد متعدد الأصوات لإعادة تجميع ذاكرة شعب ممزق..
بهذا النسج الفريد، أبدع احمد سعداوي واقعية سحرية عربية أصيلة، تجمع بين سحر ألف ليلة وليلة والتراث الصوفي، وبين الرعب القوطي الغربي والنقد السياسي ما بعد الكولونيالي.
الرواية لم تكن تقليداً، كانت توطيناً عبقرياً رفع الأدب العربي المعاصر إلى مصاف الروايات العالمية الكبرى..
كان لهذه الرواية تأثير على الثقافة العربية والواقع العربي الموحش ..
فازت بالبوكر العربية عام 2014، وترجمت إلى أكثر من تسع عشرة لغة، وأصبحت ظاهرة ثقافية. في العراق، أعادت الثقة بالرواية كسلاح معرفي قادر على مواجهة الصدمة الجماعية.
أصبح "الشسمة" رمزاً شعبياً يُستخدم في الحديث اليومي عن الفساد والميليشيات والدولة المشوهة.. وفي المنطقة العربية، تحولت الرواية إلى نبوءة متجددة..
•في فلسطين رأينا كيف أن الوحش قد احرق الأرض تحت اقدام الأطفال والأمهات في غزة والقدس وجنين ..
•وفي بيروت .. كيف ان الجمال قد احيل رماداً بفعل وحش كاسر جسده في لبنان وعقله خارج جغرافية الوطن..
•في سوريا، رأينا وحشاً طائفياً-دولياً التهم الدولة والناس منذ أكثر من عقد.. •في اليمن، وحوش بالوكالة تتقاتل على أنقاض دولة كانت تُسمى "السعيدة" •في ليبيا، ميليشيات مسلحة بكل شيء إلا الوعي تُرقّع جسداً ممزقاً منذ 2011..
•وفي السودان، يقوم وحش مرعب بتمزيق بلد كان يُعدّ سلة "غذاء العرب" حيث أنتجت الحرب الأهلية مئات الآلاف من القتلى والمجاعة المهددة للملايين والفظائع الإثنية والجنسية التي لاتقل عن رعب بغداد 2006 ضراوة وقسوة.
والأخطر من ذلك هو ظهور وحوش جديدة في دول بدت مستقرة ونامية. دول استثمرت في البنية التحتية والاقتصاد والأمن والتكنولوجيا والتعليم لكنها أهملت العدالة الحقيقية والمشاركة السياسية الجادة، وزاد طموحها في الزعامة بعد ان أطيح بالمحور .. فبدأت تفرز وحوشاً داخلية تلبس ثياب الاستقرار، وتُعدّ لابتلاع أصحابها في أي لحظة..
الاستقرار المبني على القمع والتهميش ليس استقراراً، انما هو غطاء رقيق على برميل بارود.
أصبحت هذه الرواية مرآة يرى فيها المثقفون الشباب العربي واقعهم: كيف نجمع أشلاء بعضنا كل يوم لنخلق وحوشاً تأكل مستقبلنا؟؟
اليوم، لم تعد فرانكشتاين في بغداد مجرد رواية.. أصبحت حكماً تاريخياً قاسياً يواجهنا بلا رحمة أو مجاملة.
نحن نصنع وحوشنا بأيدينا كل يوم. نجمع أشلاء أبنائنا، ونلصقها بدمائهم، ثم نطلقها في الشوارع لتلتهمنا. نصنعها من صمتنا المريح، وطائفيتنا المقدسة، وجشعنا الأعمى، وزعاماتنا الكاذبة، ونخبنا الصامتة او المنافقة .. ثم نقف مذهولين حين تعود هذه الوحوش لتأكل لحمنا الحي، وتمزق أحلام أجيالنا، وتشرب دماء مستقبلنا.
يقول (الشسمه) في لحظة وعي مرعب:
((لقد حوّلوني إلى مجرم ووحش، وبهذه الطريقة جعلوني مساوياً لمن أسعى للانتقام منهم. هذا ظلم فادح))..
ويقول ايضاً؛
(كل يوم نموت خوفًا من الموت نفسه)!!
هذا الذي ( لا اسم له) لم يعد في بغداد او القدس أو الخرطوم أو ليبيا او دمشق أو لبنان او صنعاء او في دولة خليجية او مغربية، فحسب، هو يسكن في أعماق كل واحد فينا، يبتسم كلما أغضينا أعينا عن جرح جديد، ويضحك بصوت عالٍ ونحن نطعمه بأيدينا ونصفق له.
السؤال الذي يجب أن يحرق ضمير كل عربي الآن، قبل أن يبتلعنا الظلام تماماً، هو: هل سنظل نجمع أشلاء بعضنا لنخلق وحوشاً متوحشة تأكل أبناءنا وتمحو وجودنا من على الخريطة، أم سنمتلك أخيراً - وبكل الشجاعة التاريخية النادرة والمؤلمة - الإرادة لنفتح جروحنا العفنة النتنة، وننظفها بدون تخدير أو أوهام أو شعارات زائفة، ونعيد بناء جسدنا العربي من جديد على أساس المواطنة الحقيقية، والمعرفة والعدالة الصارمة، والحرية المسؤولة، والكرامة الإنسانية التي لا تقبل المساومة؟
الزمن ينفد بسرعة مرعبة، والوحش جائع دائماً، يضحك على غفلتنا وكراهيتنا لبعضنا وتآمرنا على بعضنا!!
إذا لم نستيقظ الآن، فسيكتب التاريخ فصلاً أخيراً أسود دامياً بعنوان:
"كيف أكل العرب أنفسهم بأيديهم، وهم يبتسمون، ويهتفون، ويصفقون… حتى آخر قطرة دم، وآخر أمل".

803 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع