التكوين الاجتماعي في العراق خلال العهد العثماني المتأخر

الاستاذ الدكتور
نزار الربيعي

التكوين الاجتماعي في العراق خلال العهد العثماني المتأخر

في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين لم يكن العراقيون شعباً واحداً او جماعة سياسية واحدة , فقد كانت هناك الكثير من الاقليات العرقية والدينية في العراق , كالتركمان والاكراد والفرس والاشوريين والكلدانيين واليهود واليزيدين والصابئة واخرين , فضلاً عن ذلك العرب الذين كانوا يؤلفون اكثرية سكان العراق والذين كانوا يتشكلون إلى حدٍ بعيد من جملة المجتمعات المتمايزة والمختلفة فيما بينها والمنغلقة على الذات بالرغم من تمتعهم بسمات مشتركة
في الحديث عن الوضع الاجتماعي في العراق في العهد العثماني المتأخر , كانت هناك هوه كبيرة وواسعة تفصل المدن عن المناطق العشائرية , ففي عام 1867 كانت نسبة البدو الرحل في العراق 35% من مجموع السكان , اما سكان الريف فكانوا يشكلون نسبة 41% , واما سكان الحضر فلم يكونوا يؤلفون سوى 24% من السكان , وكان العرب الحضريون وعرب العشائر ينتمون في طبيعتهم الى عالميين يكادان يكونان منفصلين , سكان المدن الواقعة في عمق المناطق العشائرية او رجال العشائر الذين يقطنون قرب المدن , وقد كان هذا التمايز هو اقتصادي بالدرجة الاولى , لذلك فأن العلاقة بين المدن والمناطق العشائرية لم تكن نشيطة وكانت ضعيفة إلى حدٍ ما .
لقد كان هناك تباعد اجتماعي ونفسي بين العرب الحضريين والعرب العشائريين , فقد كان يختلف بعضهم عن بعض بطرق كثيرة , فقد خضعت حياة العرب الحضريين بشكلٍ ما إلى القوانين الاسلامية والعثمانية , واما حياة العرب العشائريين فكانت تخضع إلى العادات والتقاليد العشائرية القديمة المصبوغة بصبغة اسلامية , كذلك فقد كان بعض العرب الحضريين خصوصاً شريحة المتعلمين منهم يخضعون لتأثير الثقافة التركية او الثقافة الفارسية , اما العرب العشائريون فقد نجوا من تأثير هذه التأثيرات كلياً , وعلاوةً على ذلك , فقد كانت المدن الحضرية ايضاً تعيش الانقسامات المجتمعية سواء كانت بسبب العامل الاقتصادي او الاختلاف الديني حتى بين المسلمين انفسهم بسبب الانقسام المذهبي, فقد كان هذا الانقسام هو الاكثر حدةً وكان نادراً ما يكون هناك اختلاطاً اجتماعياً , بل حتى في المدن المختلطة , كانوا يعيشون في احياء منفصلة حيث لكل منهم حياته , وهو ما قاد بالتالي إلى الانقسام الطبقي والذي كان يعود في اسبابه إلى الوضع الاجتماعي والاقتصادي .
كذلك فان الانشقاقات الحضرية في المدن قد اتخذت طابعاً اكثر حدةً عندما وجدت لنفسها تعبيراً اخر في ظاهرة الانقسام هي ظاهرة (المحلة) او الحي , بحيث ان هذه المجموعات التي كانت تسكن المدن الحضرية والتي هي من اصول عرقية (اثنية) او عشائرية مختلفة او عقائد دينية او طوائف او طبقات مختلفة كانت تميل إلى العيش في "محلات" منفصلة , فعلى سبيل المثال كانت الضفة الشرقية لبغداد (الرصافة اليوم) يعيش فيها الشيعة في منطقة (الدهانة وصبابيغ الال والقشل وسوق العطاريين واحياء اخرى ) , وعاش معظم اليهود في التوراة وتحت التكية وابو سيفين وسوق حنون , وعاش المسيحيون في عقد النصارى وراس القرية , وكان السنة يشغلون جزءاً من احياء القسم الشرقي من المدينة , ولكن هذا الجزء كان مقسماً على اسس اخرى , فكان الميدان موطناً للعسكريين الاتراك , والحيدر خانه موطناً للعائلات الارستقراطية وكبار المسؤولين , وكانت منطقة دكان شناوة للموظفين الادنى مرتبة , والقسم الداخلي من باب الشيخ موطناً للحرفيين , وكانت الاطراف الخارجية من باب الشيخ موطناً لصغار الكسبة , اما الكاظمية الي تظم ضريحي الاماميين الشيعيين السابع والتاسع لم تكن مسكونة الا من الشيعة , وكان فيها تمركز كبير للصفويين الايرانيين , في حين ان الأعظمية التي فيها ضريح ابو حنيفة النعمان فقد كانت تقتصر في سكانها على السنة .
وبالنظر إلى الولاءات المختلفة في العراق ما قبل الحرب العالمية الاولى كما لو كانت هذه الولاءات والانقسامات سلبية فقط في الواقع , فأنها من جهةٍ اخرى كانت تفي بحاجة ايجابية , فالعشائر والمحلات والاصناف كانت تشكل تعبيراً جزئياً عن النزعة الفطرية للحصول على الحماية من خلال الوحدة , وهي حماية لم تكن الدولة العثمانية تؤمنها في ذلك الوقت نتيجةً لضعفها .
اما في الحديث عن الجانب الاقتصادي في العراق للمدة المحددة وهي العهد العثماني المتأخر , فقد شهد الكثير من المشاكل في ذلك الوقت , الا بعض الاصلاحات في عهد الوالي مدحت باشا , وما بعد ذلك كانت هناك مباشرةً لبعض مشاريع الري مثل انشاء السدود والخزانات والنواظم , على ان ذلك لم يكن بالقدر المطلوب الذي كان من الممكن ان يعالج المشكلة الدائمة التي كانت تعاني منها بعض المدن العراقية وهي مشكلة الفيضانات لا سيما مدينة بغداد , وقد كانت هذه الفيضانات تؤدي إلى تدمير المحاصيل الزراعية , وبالتالي يعود الضرر على الفلاحين ويسبب في تراجع مستواهم الاقتصادي .
وعلى الرغم من ان نظام الطابو الذي استحدثه مدحت باشا كان ذات تأثير على الحياة الاقتصادية واسهم برفع المستوى المعاشي للمجتمع , فقد اصبحت نسبة السكان البدو 25% من مجموع السكان , عام 1890 , وارتفعت نسبة سكان الريف لتصبح في العام المذكور 50% من نسبة السكان , وكذلك ارتفعت نسبة الحضر لتصبح 25% من السكان , ولكن هذا كان لطبقات محددة من المجتمع العراقي , اذ كان اصحاب النفوذ والملاك وشيوخ العشائر هم المستفيدين من هذا النظام وهو ما عزز ارتباط هؤلاء بالدولة العثمانية وادى إلى زيادة ثرائهم على حساب الفلاحين البسطاء . وبرغم المحاولة التي قام بها مدحت باشا والتي كانت في ذلك الوقت السياسة الوحيدة القادرة على حل المشكلة العشائرية في العراق الا ان هذه السياسة لم تقضِ على البناء العشائري ، حيث ظلت البقايا العشائرية قوية واستطاعت ان تمنع أوسع الجماهير الفلاحية من أن ترى رؤساء العشائر الذين تحولوا إلى إقطاعيين كبار وأعداء طبقيين لهم , كما أن محاولة القضاء على ملكية العشائر الجماعية للأرض ويجعل الأرض المشاعية ملكاً للدولة ، ومنحها لشيوخ العشائر , جعلها بمثابة مناصب وراثية تعهد إليهم بموافقة السلطة الحاكمة والذي سبب بولادة عوائل إقطاعية كانت تمتلك أصقاعاً واسعة من الأراضي ، لاقت تلك العوائل مقاومة الجماهير الواسعة من الفلاحين المعدمين . وكان من نتيجة سيادة النظام الإقطاعي في العراق وإفرازاته على أبناء الريف من الفلاحين ، انه أدى إلى انخفاض الإنتاج الحرفي في المدينة العراقية إلى حد كبير مما أدى إلى تخريبها .
و إن الظروف والأوضاع التي كانت سائدة ، لم تساعد على وجود حركة اقتصادية لتنشيط السوق المحلية بسبب انقسام سكان العراق إلى مجتمعات منعزلة ومتفرقة وفقدان شروط الوحدة الوطنية بسبب النزعات الطائفية والقبلية مما جعل تلك السلبيات تنعكس على مجرى الحياة السياسية وأعاقت ظهور الفوارق الطبقية في المجتمع كما أن البورجوازية الكبيرة لم تكن تتعارض مع الإقطاعيين وإنما تواطأت واتفقت معها مما أدى إلى استغلالها لمصلحة العثمانيين والمستعمرين , لاسيما وان الازمة المالية للسلطنة العثمانية كانت قد بدأت بالظهور اواخر القرن التاسع عشر وهو ما دفع السلاطين العثمانيين إلى اتخاذ تدابير اخرى يكون لها واقع افضل لاستمرار تدفق الايرادات القادمة من الولايات للحفاظ على سلامة الامبراطورية وتأمين حاجة الدين العام من خلال تعزيز الروابط مع قادة القبائل البارزين واسر الاشراف الرئيسة وحتى المشايخ الصوفيين وصار بمكان هؤلاء اللجوء إلى اسطنبول لاستمداد الدعم وهو ما ساعد بدخولهم إلى الحياة السياسية 

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1070 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع