
بقلم: د. حسام البدري
واشنطن بين جيوسياسةُ التوقيت وهندسةُ الردع
تفصح قراءة ما جرى ليلة ٨ ابريل /نيسان ٢٠٢٦ بوصفها نتاجَ تواطؤٍ بنيويّ للمصالح بين القوى الكبرى أكثر منه مجرد تباينٍ إجرائي داخل مجلس الأمن؛ فإسقاط موسكو وبكين لمشروع القرار البحريني، رغم تهذيبه ونزع ما قد يُفهم منه تفويضٌ بالقوة، ترافق عملياً مع انعطاف واشنطن من منطق الإنذار والتصعيد إلى منطق التجميد المرحلي عبر قبول هدنةٍ مؤقتة، فيما أعلنت طهران السماح بالعبور في مضيق هرمز خلال هذه المهلة تحت إشرافها العسكري. وهذه المتوالية لا توحي بصدامٍ دولي مفتوح، بل بتقاسمٍ دقيق للأدوار: الروس والصينيون يعطّلون منح غطاء أممي لتوسّع عسكري غربي، والأميركيون يقبلون بتجميد المسار الصدامي مقابل تحقيق الغاية الوظيفية المباشرة، أي إعادة فتح الممر البحري واحتواء الانفجار الإقليمي من دون كسرٍ شامل لإيران.
وعلى هذا الأساس، تبدو المصالح الكبرى وقد التقت على إدارة الأزمة لا حسمها؛ إذ احتاجت واشنطن تهدئةً تخفف كلفة الحرب وتكسر صدمة الطاقة، فيما احتاجت موسكو وبكين منع سابقة أممية تشرعن حضوراً عسكرياً غربياً أوسع على تخوم إيران، وقبلت طهران بهدنةٍ مشروطة تتيح لها الخروج من لحظة الضغط دون انكسار رمزي. لا دليل معلناً على “صفقة مكتوبة”، غير أن تلاقي المصالح أنتج ما يشبهها وظيفياً: رسم حدود التصعيد بين الكبار، وترك بقية الفواعل تتكيّف مع النتائج.
الهدنة، في هذا السياق، لا تصلح دليلاً على نصرٍ استراتيجي مكتمل، ولا على هزيمةٍ حاسمة، بل هي تجميدٌ مدروس عند عتبة الكلفة القصوى حين بدأت كلفة الاستمرار تتجاوز عوائده. فقد أعلنت واشنطن تحقق أهدافها العسكرية إلى حد بعيد، ثم قبلت بعد ساعات هدنةً مشروطة بإعادة فتح هرمز، بما يكشف أن “النصر” المقصود هو سلوكيّ-وظيفي: انتزاع حرية الملاحة، تهدئة الأسواق، ونقل الاشتباك من ساحة النار إلى منصة التفاوض من موقع ادعاء التفوق. ويؤيد ذلك أن الأسواق تلقّت الإعلان بوصفه انفراجاً مباشراً، إذ هبطت أسعار النفط بقوة، ما يعني أن أحد أهم المكاسب كان كسر أداة الاختناق النفطي لا إعادة هندسة النظام الإيراني.
ومن هنا، فإن توصيف ترامب للهدنة بـ“النصر الكامل” يُفهم بوصفه إنشاءً سياسياً داخلياً أكثر منه توصيفاً موضوعياً للمحصلة. فالهدنة جاءت قبل تنفيذ التهديد الأشد بتوسيع الضربات، وفي ظل وساطات وضغوط دولية متصاعدة، ما يجعل “النصر” هنا نصراً سردياً: لقد أُجبرت إيران على تعديل سلوكها في هرمز، وتوقف التصعيد عندما شاءت واشنطن، وفُتح باب “سلام دائم” من موقع القوة. غير أن هذا لا يرقى إلى نصرٍ نهائي، لأن القضايا التي فجّرت الصراع—النووي، الصواريخ، النفوذ الإقليمي—لم تُحسم، بل رُحّلت إلى تفاوضٍ مضغوط بزمن الهدنة.
أما فرضية تغيير النظام، فلا تسندها المعطيات العلنية بوصفها حقيقة ناجزة. صحيح أن بعض التسريبات أشارت إلى النظر في شخصيات من داخل النظام، مثل قاليباف، بوصفها قنواتٍ تفاوضية محتملة، لكن ذلك لا يعني إسقاط البنية القائمة، بل اختبار إعادة تموضع داخلي من داخلها. فقاليباف، بحكم موقعه وخلفيته، لا يمثل قطيعة مع الجمهورية الإسلامية بقدر ما يجسد أحد مسارات تدويرها بوجهٍ أكثر قابلية للتفاوض، ما ينفي سردية التغيير الجذري ويعزز فرضية التكيّف البنيوي.
وبهذا المعنى، فإن أي انفتاح أميركي محتمل على شخصية من داخل النظام لا ينبغي قراءته كإقرار بولادة “إيران جديدة”، بل كترجمة لبراغماتية القوة الكبرى: حين يتعذر فرض الانهيار الشامل، يُبحث عن وسيطٍ من داخل النواة الصلبة قادر على إنتاج تسوية قابلة للحياة. السؤال الأدق ليس ما إذا كان النظام قد سقط، بل ما إذا كان هدف الإسقاط قد استُبدل مؤقتاً بهدف التدجين؛ والمعطيات ترجّح الاحتمال الثاني.
أما "النصر" الذي يمكن الحديث عنه، فهو نصر ضبط الإيقاع لا نصر الحسم التاريخي: إيقاف التصعيد عند اللحظة المثلى، انتزاع فتح الممر البحري، خفض الصدمة النفطية، مع الاحتفاظ بخيار القوة. إنه مكسب عملياتيّ قابل للتحويل التفاوضي، لا ترتيب سياسي نهائي. ومن هنا تبدو عبارة “السلام الدائم” أداة هندسة نفسية وسياسية أكثر منها وصفاً لواقع مستقر: رسالة إلى طهران بأن الباب مفتوح بشروط، وإلى الأسواق بأن الاختناق لن يستمر، وإلى الداخل الأميركي بأن القوة تحولت إلى سلام، وإلى القوى الكبرى بأن الانزلاق إلى حرب كسر عظم لن يقع الآن.
وفي ضوء ذلك، فإن الهدنة لا تبدو نافذة لإنتاج سلام كامل خلال أسبوعين، بقدر ما هي محاولة لبلورة “اتفاق على إطار الاتفاق”. فالفجوة بين المطالب الإيرانية والأميركية ذات طبيعة بنيوية لا تقنية، ما يرجّح أن تبدأ التفاهمات بملفات أقلّ تصادمية—أمن الملاحة وقواعد عدم الاشتباك—ثم تنتقل تدريجياً إلى العقوبات، فيما تُرحّل القضايا الأثقل إلى مسار أطول وأكثر تعقيداً. بهذه القراءة، يغدو ما جرى انتقالاً من ذروة التصعيد إلى إدارةٍ محسوبة للأزمة، حيث يُعاد توزيع القوة عبر التفاوض، لا حسمها عب
والسؤال الاخير الذي يطرح نفسه: هل الهدنة هنا هي إعادةُ ترميزٍ لتوازنٍ مستدام؟ أم بذرةُ تصعيدٍ مُرجأ، ومن سيُعيد هندسة الشروط: طهران أم واشنطن؟ أم أن المآل رهينُ براغماتيةٍ تُقنّن الهيمنة دون استدعاء الانفلات.

956 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع