\
د.خليل حمد الأزهري
تَصْدِيرٌ: فِي مِهَادِ الحِكْمَةِ.. بَيْنَ وَهَجِ الرِّمَالِ وَصَقِيعِ الشَّمَالِ
بَيْنَ يَدَيْ هَذِهِ القَصِيدَةِ، نَقِفُ عَلَى مَدْرَجَةٍ مِنْ مَدَارِجِ الفِكْرِ الإِنْسَانِيِّ الرَّفِيعِ، حَيْثُ لَا يَعْرِفُ العَقْلُ حُدُودًا لِلْأَمْكِنَةِ، وَلَا يَحْفَلُ الزَّمَانُ بِتَبَاعُدِ العُصُورِ. هَاهُنَا يَمْتَدُّ الجِسْرُ بَيْنَ هَجِيرِ "نَجْدٍ" وَرِمَالِهَا اللَّاهِبَةِ، وَبَيْنَ مَجَالِدِ "رُوسِيَا" وَصَقِيعِهَا الشَّاسِعِ، لِيَجْمَعَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ بَيْنَ شَيْخِ الحِكْمَةِ فِي الجَاهِلِيَّةِ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى، وَرَاهِبِ الفَلْسَفَةِ الإِنْسَانِيَّةِ لِيفْ تُولُسْتُوي.
إِنَّهَا وَقْفَةٌ يَتَأَمَّلُ فِيهَا العَقْلُ بُؤْسًا خَطَّتْهُ السُّيُوفُ قَدِيمًا، وَزَيَّنَتْهُ المَدَافِعُ حَدِيثًا، لِتَكْشِفَ عَنْ وَجْهِ "الحَرْبِ" القَبِيحِ الَّذِي مَا بَرِحَ يَطْحَنُ فِي أَرْحَائِهِ بَرَاءَةَ الرُّوحِ وَكَدْحَ الفُقَرَاءِ. لَكِنَّ المَأْسَاةَ لَمْ تَقِفْ عِنْدَ حُدُودِ "الرِّدَاعِ" وَ"المَشْرَفِيَّةِ"، بَلْ تَمَادَتْ حَتَّى غَدَا عَصْرُنَا الطَّاغِي أَشَدَّ فَتْكًا؛ حَيْثُ اسْتَحَالَتْ جِنَانُ الوَرَى هَبَاءً وَدُخَانًا تَحْتَ لَظَى "الذَّرَّاتِ"، وَبَاتَ المَوْتُ يَمْضَغُ عَالَمًا نَسِيَ "يَقِينَ الرُّوحِ" وَانْغَمَسَ فِي فِتَنِ المَادَّةِ.
فِي هَذَا النَّصِّ، يَنْسَابُ البَيَانُ لِيَرْسَمَ مَلَامِحَ "زُهَيْرٍ" وَهُوَ يَخُطُّ عَلَى رِمَالِ الوَعْيِ بَصِيرَةً تَذُمُّ الحَرْبَ "بِمَا عَلِمْتُمْ وَذُقْتُمْ"، مُعَظِّمًا شَأْنَ السَّلَامِ الَّذِي صَنَعَهُ "هَرِمُ بْنُ سِنَانٍ". وَيُقَابِلُهُ صَدًى مِنْ "يَاسْنَايا بُولْيَانَا" لِـ "تُولُسْتُوي" وَهُوَ يَنْزَعُ عَنْ "نَابُلِيُونَ" رِدَاءَ العَظَمَةِ المُسْتَعَارَ، لِيَجْعَلَ الحِكْمَةَ مَنُوطَةً بِقَلْبِ الفَلَّاحِ البَسِيطِ، وَبَحْثِ "بِيِير" عَنْ كَيْنُونَةِ الرُّوحِ فِي مَطَايَا الإِيمَانِ.
وَمِنْ رَحِمِ هَذَا اللِّقَاءِ التَّارِيخِيِّ، تَنْطَلِقُ صَرْخَةٌ إِلَى "أُمَّةِ الإِنْسَانِ"؛ تَدْعُوهُمْ لِيَكُونُوا كَبُنْيَانٍ وَاحِدٍ، يَصُونُونَ عُهُودَ المَوَدَّةِ وَيُقِيمُونَ صُرُوحَ السِّلْمِ عَدْلًا وَحِكْمَةً. إِنَّهَا دَعْوَةٌ لِأَنْ يَكُونَ التَّعَاوُنُ هُوَ رُوحَ النَّمَاءِ، وَالرَّحْمَةُ هِيَ المَرْسَى لِلنَّضَارَةِ وَالبَقَاءِ.
فَإِلَيْكُمْ هَذَا الفَيْضُ؛ حِكْمَةٌ صِيغَتْ بِدَمْعِ قَرِيحَةٍ حَرَّى، تَعَانَقَ فِيهَا الحَكِيمَانِ لِتَظَلَّ كَلِمَاتُهُمَا شَمْعَةً تَهْدِي الضَّرِيرَ فِي دَيَاجِيرِ الوَغَى، وَأُنْشُودَةً تُغَنِّي لِغَدٍ آتٍ، يَصْفُو فِيهِ المَسِيرُ، وَتَطِيبُ فِيهِ بَكُورُ الثِّمَارِ فِي ظِلِّ الأَمْنِ وَالأَمَانِ.
وَيَمْضِي النَّصُّ مُسْتَنْجِدًا بِالقِيَمِ العُلْيَا، فَلَا نَجَاةَ لِهَذَا العَصْرِ إِلَّا بِأَنْ يَكُونَ لِلرُّوحِ فِيهِ نَصِيرٌ، وَبِأَنْ تُبْنَى لِلْإِخَاءِ جُسُورٌ تَخْمِدُ نَارَ الحِقْدِ الدَّفِينِ.
وَخِتَامُ هَذَا المَسَارِ الفِكْرِيِّ تَبَتُّلٌ وَدُعَاءٌ لِرَبِّ الكَوْنِ أَنْ يُنْزِلَ سَكِينَتَهُ عَلَى النَّاسِ جَمْعًا، فَتَطِيبَ الحَيَاةُ بِعَبِيرِ الأَمْنِ، وَتُرْوَى نُفُوسُ البَرَايا مِنْ غَدِيرِ الرَّحَمَاتِ، لِيُزْهِرَ بِالسِّلْمِ المُقِيمِ هَجِيرُ هَذَا العَالَمِ المُرْتَبِكِ.
قصيدة: فلسفة الحرب والسلام
محاولة فنية فكرية للمقارنة بين اتجاه تولستوي وزهير الجاهلي في موضوع الحرب والسلام
1. قِفَا نَسْأَلِ الأَيَّامَ كَيْفَ مَصِيرُهَا ... وَأَيْنَ مِنَ البِيدِ القِفَارِ غَدِيرُهَا؟
2. تَنَاءَتْ خِيَامُ "العَامِرِيِّ" وَ"دُوفِنَا" ... وَلَكِنَّ صَوْتَ الحَقِّ فِيهِ نَذِيرُهَا
3. هُنَا ابْنُ أَبِي سُلْمَى يَهُزُّ عُكَاظَهُ ... بِحِكْمَةِ مَنْ ذَاقَ الحُرُوبَ مَرِيرُهَا
4. يَقُولُ: وَمَا الحَرْبُ الَّتِي قَدْ عَلِمْتُمُ ... سِوَى بَعْثِ نَارٍ لَا يُغَرُّ غَرِيرُهَا
5. إِذَا نُبِشَتْ ذُمَّتْ بَشَاعَةُ وَجْهِهَا ... وَبَانَ لِمَنْ خَاضَ الغِمَارَ ثُبُورُهَا
6. يَرَى السِّلْمَ مِيثَاقاً وَبَذْلَ حَمِيَّةٍ ... وَتَاجاً مِنَ المَعْرُوفِ عَزَّ نَصِيرُهَا
7. وَفِي الجَانِبِ الثَّلْجِيِّ يَقْبَعُ "لِيفُنَا" ... يُفَكِّكُ أَوْهَامَ الطُّغَاةِ وَزُورُهَا
8. يَرَى الحَرْبَ ذَنْباً فِي جَبِينِ حَضَارَةٍ ... وَإِثْمَ نُفُوسٍ ضَلَّ فِيهِ ضَمِيرُهَا
9. "تُولِسْتُويْ" يُنَادِي: لَا سِلَاحَ يُعِزُّنَا ... سِوَى "الحُبِّ" إِنَّ الحُبَّ فَجْرٌ يُنِيرُهَا
10. فَلَا "نَابُلِيُونٌ" أَقَامَ حَقِيقَةً ... وَلَا سَيْفُ "ذُبْيَانٍ" شَفَاهُ زَئِيرُهَا
11. وَمَا المَجْدُ فِي سَفْكِ الدِّمَاءِ وَإِنَّمَا ... عُلُوُّ نُفُوسٍ لَيْسَ يَخْبُو نُشُورُهَا
12. كِلَا الرَّجُلَيْنِ اسْتَقْرَأَا لَوْحَ فِطْرَةٍ ... بَنَى الظُّلْمُ فِيهَا وَاسْتَبَدَّ سَعِيرُهَا
13. يَخُطَّانِ لِلأَجْيَالِ سِفْرَ كَرَامَةٍ ... إِذَا عَجِلَتْ لِلثَّأْرِ يَوْماً نُحُورُهَا
14. أَبَا هَرِمٍ خُذْ مِنْ "يَاسْنَايا" رِسَالَةً ... بِأَنَّ بُذُورَ المَوْتِ سَاءَ بَذُورُهَا
15. تَلَاقَيْتُمَا وَالدَّهْرُ يَطْوِي رِمَالَهُ ... وَفِي لَوْحَةِ الإِنْسَانِ فُضَّ عَبِيرُهَا
16. وَمَا عَصْرُنَا الطَّاغِي بِأَرْحَمَ جَانِباً ... فَنَارُ لَظَى "الذَّرَّاتِ" عَمَّ كَبِيرُهَا
17. جِنَانُ الوَرَى صَارَتْ هَبَاءً مُدَمَّراً ... وَبَاتَتْ تَبَاكِي بِالفِتَانِ دُهُورُهَا
18. فَيَا أُمَّةَ الإِنْسَانِ كُونُوا كَبُنْيَةٍ ... إِذَا اشْتَكَتِ الأَطْرَافُ ضَلَّ مَسِيرُهَا
19. أَفِيقُوا؛ فَإِنَّ المَوْتَ يَمْضَغُ عَالماً ... نَسِيَّ "يَقِينَ الرُّوحِ" وَهْوَ أَمِيرُهَا
20. بَنِي لُبِّ هَذَا الكَوْنِ، صُونُوا عُهُودَكُمْ ... فَإِنَّ ثِمَارَ الأَمْنِ طَابَ بَكُورُهَا
21. تَعَاوُنُكُمْ رُوحُ النَّمَاءِ وَنَبْضُهُ ... وَبِالرَّحْمَةِ الفُضْلَى سَيُرْسَى نَضِيرُهَا
22. أَقِيمُوا صُرُوحَ السِّلْمِ عَدْلاً وَحِكْمَةً ... لِتَنْشُرَ خَيْرَ المَكْرُمَاتِ عُصُورُهَا
23. فَذِي حِكْمَةٌ صِيغَتْ بِدَمْعِ قَرِيحَةٍ ... تُغَنِّي لِآتٍ، حِينَ يَصْفُو مَسِيرُهَا
24. وَمَا العَصْرُ هَذَا غَيْرُ زَيْفِ مَظَاهِرٍ ... إِذَا لَمْ يَكُنْ "لِلرُّوحِ" فِيهِ نَصِيرُهَا
25. رَأَيْنَا "حَدِيدَ" الغَرْبِ يَأْكُلُ بَعْضَهُ ... وَعَقْلُ "الذَّكاءِ" اليَوْمَ حَارَ مَصِيرُهَا
26. تَعَدَّدَتِ الأَشْكَالُ، وَالقَلْبُ وَاحِدٌ ... وَمَا اخْتَلَفَتْ عِنْدَ الحَيَاةِ نُذُورُهَا
27. فَلَا "الأَصْلُ" يُعْلِي مَنْ تَدَنَّى فِعَالُهُ ... وَلَا "اللَّوْنُ" يُخْزِي أَنْفُساً وَيُهـِـــينُها
28. فَيَا ابْنَ أَقَاصِي الأَرْضِ، مُدَّ لِـيَ اليَدَا ... لِنَرْقىَ الْمَعَالي طَابَ حَقًّا مَسَارُهَا
29. لَنَا فِي "اخْتِلَافِ" الخَلْقِ سِرُّ تَكَامُلٍ ... كَأَزْهَارِ رَوْضٍ، شَاقَ عَيْناً نَضِيرُهَا
30. قَبَائِلُنَا شَتَّى، وَلَكِنْ مَصِيرُنَا ... شِرَاعٌ بِبَحْرِ المَوْجِ ضَلَّ كَسِيرُهَا
31. إِذَا مَا بَنَيْنَا لِلإِخَاءِ جُسُورَنَا ... سَيَخْمُدُ نَارَ الحِقْدِ يَوْماً غَرِيرُهَا
32. فَصُنْ "كَرَمَ الإِنْسَانِ" فِيكَ وَلَا تَهُنْ ... فَأَغْلَى كُنُوزِ الأَرْضِ طُهْرُ ضَمِيرِهَا
33. فَيَا رَبَّ هَذَا الكَوْنِ أَنْزِلْ سَكِينَةً ... عَلَى النَّاسِ جَمْعاً، كَي يَطِيبَ عَبِيرُهَا
34. وَهَبْ لِلبَرَايَا أَمْنَ دَهْرٍ وَغِبْطَةً ... وَسُقْيَا بِرَحمَاتٍ يَفِيضُ غَدِيرُهَا
35. وَأَطْفِئْ لَظَى الأَحْقَادِ مِنْ كُلِّ مُهْجَةٍ ... لِيُزْهِرَ بِالسِّلْمِ المُقِيمِ هَجِيرُهَا
36. وَيَغْدُو شَتَاتُ الأَرْضِ رُوحاً وصنوها ... سَعَادَةُ أَقْصَاهَا يَعُمُّ بَشِيرُهَا
37. فَمَا الرَّحْمَةُ العُظْمَى سِوَى نُورِ خَالِقٍ ... إِذَا حَلَّ فِي الأَرْوَاحِ أُبْهِلَ نُورُهَا
*************
كتبها د.خليل حمد الأزهري
عضو في رابطة الأدب الحديث بالقاهرة
مدينة ماروا-الكاميرون

873 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع