د علوان العبوسي
26 / 2 / 2026
عالم حلّت فيه القوة محل القانون
وجدت في حديث نائب رئيس مجلس الامن الروسي ديمتري ميدفيديف ألاكثر واقعية في النهج الدولي الحالي ، وهو يصف سلوك الرئيس الامريكي ترامب باختطاف الرئيس الفنزويلي مادورو اعتماداً على القوة بدل القانون لاكثر من معنى ولاكثر من مناسبة قانونية حلت محلها القوة ، واضاف سيادته وهو ينصح الدول ان تبني قواتها المسلحة المتطورة اذا كانت تعتمد القانون اساس نهجها المعتاد ، وفي هذه المعاني بودي ايضاح نتائج احلال القوة بدل القانون الجاري وفق النهج الامريكي والاسرائيلي خاصة .
الجدل القائم بين الدول الكبرى والعظمى حول العلاقة بين القوة والقانون الدولي موقعًا مركزيًا ، خاصةً بظل التحولات الكبيرة التي يشهدها النظام الدولي بتعميق الارادات اليمينية الامريكية/ الاسرائيلية وبعض الدول الاوربية ، رغم وجود منظومة قانونية دولية واسعة تتجسّد في مؤسسات مثل الامم المتحدة ، والمحاكم الدولية ولكن الواقع يكشف أنّ هذه المنظومة تُدار غالبًا وفق ميزان القوة، لا وفق ميزان العدالة أو الشرعية القانونية.
عادةً النظام الدولي يبنى على قواعده واسس قانونية على راسها ميثاق الأمم المتحدة، الذي يحظر استخدام القوة إلا في حالات الدفاع الشرعي، ويعزز سيادة الدول بالتساوي لايفرق بين الدولة العظمى والكبرى والصغيرة ، وتشجيع تسوية النزاعات بالوسائل السلمية. غير أن الواقع العملي يوضح أن بعض القوى الكبرى عادةً ما تتجاوز هذه القواعد، مستخدمة القوة السياسية أو العسكرية أو الاقتصادية، ما يثير تساؤلات حول فعالية القانون الدولي وقدرته على ضبط السلوك الدولي في مواجهة هذه القوى، عليه المشكلة مدى تظهر فاعلية القانون الدولي أمام هيمنة القوة، وتحديد العوامل التي سمحت للقوى الكبرى بتجاوز القانون الدولي، مثل آليات مجلس الأمن وحق النقض (الفيتو) وأثرها على العدالة الدولية.
الخلل في النظام الدولي
حق النقض (الفيتو)
منح ميثاق الأمم المتحدة حق النقض للأعضاء الدائمين في مجلس الأمن كآلية توازن دولي بعد الحرب العالمية الثانية، لكنه اصبح وسيلة للمراوغة وعائقاً لتحقيق العدالة الدولية في اتخاذ قرارات مهمة خاصةً عندما تتعارض مصالح الدول الدائمة مع أهداف المجلس.
عليه حق النقض في حقيقته عبارة عن أداة تعسف في استعمال الحق أدت إلى تعطيل مجلس الأمن عن تنفيذ مهامه في كثير من القضايا الدولية ، سيما عندما يُستخدم لمصالح معينة بدل حماية السلم والأمن الدوليين، لذلك يمكن وصف النظام الدولي بانه يقوم على تفضيل القوة على القانون، مما يجعله أداة انتقائية تخضع لمنطق النفوذ لا لمنطق العدالة، وهذه حقيقة اتضحت في العديد من القضايا كانت على راس الدول في استخدام هذا الحق هي الولايات المتحدة الامريكية .
ولواحصينا عدد مرات الفيدوا المتخذة من قبل الولايات المتحدة الامريكية منذ تاسيس الامم المتحدة في 1945 حتى نهاية 2025 كانت 89 مرة منها 51 كانت لحماية إسرائيل أو لمنع قرارات تنتقد سياساتها، خاصة في النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني، واسباب ذلك يعود الى العوامل التالية :
• تحالف إستراتيجي بعيد الأمد مع إسرائيل.
• نفوذ جماعات الضغط ( اليمين المتطرف )داخل واشنطن.
• مواقف سياسية ودبلوماسية تتجنب إدانة إسرائيل.
• ضعف التأثير العربي على آليات القرار الأمريكي.
• قوة الولايات المتحدة داخل مجلس الأمن وإمكانية تعطيل أي قرار.
الانتقائية في تطبيق القانون الدولي
يمثل مبدأ تطبيق القانون الدولي بصورة متساوية على جميع الدول أحد اهم الأسس المهمة التي بُني عليها النظام الدولي ، ولكن الواقع يكشف عن فجوة بين النص القانوني والممارسة، حيث تتحكم المصالح السياسية والقدرات العسكرية والتحالفات الدولية في درجة الالتزام أو المحاسبة، ويُعدّ مفهوم الانتقائية أحد أبرز المظاهر التي تعكس تعثر ميزان القوة في النظام العالمي، بما يؤدي إلى تقويض شرعية القانون الدولي وإضعاف ثقة الشعوب والمؤسسات في قدرة المجتمع الدولي على تحقيق العدالة، واقتصار المحاسبة على الدول الضعيفة ، وتجاهل انتهاكات خطيرة نسبةً لاعتبارات القوة.
ألانتقائية في تطبيق القانون الدولي على مايبدوا ظاهرة مرتبطة بتاسيس النظام الدولي ، نتيجة لغياب سلطة قانونية دولية او انعكاس لميزان القوة لا ميزان العدالة ، وعليه القانون الدولي يستخدم عند الحاجة ويعلق عندما يتعارض مع مصالح الدول الكبرى.
هيمنة القوة على شرعية القانون الدولي
تمثل شرعية القانون الدولي ركيزة أساسية لضمان استقرار النظام العالمي، غير أنها تتعرض لتهديد مستمر نتيجة هيمنة القوى الكبرى على القرارات الدولية، واستغلالها لتوظيفها بما يخدم مصالحها. فلو تعمقنا قليلا بمفهوم الشرعية القانونية لنجد انها تشير اساساً الى انسجام القانون مع المبادئ الاساسية للعدالة ، والتزام الدول بتطبيقه دون كيفية او انتقائية، وبالتالي احترام المؤسسات الدولية وصلاحياتها، ولكن هذه الشرعية تصبح موضع شك عندما تتحكم القوة في كيفية صياغة وتطبيق القانون وعندما تتعارض مصالحها الجيوسياسية مع مبادئ القانون وبالتالي تتجاوزه اوتعطيل قرارات المحاكم الدولية واستخدام الفيتو لمنع المساءلة.
1 .ضعف الثقة الدولية في المؤسسات القانونية
أزمة الثقة في الأمم المتحدة لانها تتعرض لانتقادات واسعة منها:
• خاضعة لسيطرة مجلس الأمن.
• مشلولة ومكبلة بالفيتو.
• عاجزة عن التعامل مع الانتهاكات حين يكون طرفها دولة قوية مثل امريكا أو مدعومة منها مثل اسرائيل .
2 .مشكلة الثقة في محكمة العدل الدولية .رغم مكانتها القانونية العليا لكنها تعاني من:
• أحكامها غير ملزمة على الدول الكبرى.
• صعوبة تنفيذ قراراتها دون دعم مجلس الأمن.
• انسحاب بعض الدول من اختصاصاتها عندما لا تتوافق مع مصالحها.
• قام الرئيس ترمب بالغاء عدد من قراراتها الايجابية ذات العلاقة باسرائيل .
أثر ذلك على الدول الصغيرة والنامية
يمكن تلخيص وضع الدول الصغيرة والنامية في النظام الدولي في ثلاث حقائق
• القانون الدولي يُطبَّق بدون عدالة وكيفية تتناسب مع مصالح القوى الكبرى.
• الدول الصغيرة والنامية لا تمتلك الثقة الكافية بأن القانون قادر على حمايتها أمام اعتداءات أو ضغوط القوى الكبرى.
• ضعف المساواة القانونية يؤدي إلى إحجام الدول الصغيرة عن استخدام الأدوات القانونية والمطالبة بحقوقها.
وعليه هذا الوضع يعد دليلاً إضافياً على أن بنية النظام الدولي ليست قانونيةً بقدر ما هي سياسية وقائمة على القوة وعدم التدبر، و أي إصلاح حقيقي يقتضي إجراء توازن القوة داخل مؤسسات القرار الدولي، ماعدا ذلك يبقى الموضوع هش لايحقق العدالة .
إن هيمنة القوة على القانون الدولي ، تكمن خطورتها في دفع المجتمع الدولي نحو نظام عالمي بلا قانون، تَحكمه القوة وحدها، وهو ما يقوّض الأمن الجماعي والسلم العالمي عليه اهمية إصلاح المؤسسات الدولية، لضمان استعادة الثقة بالقانون الدولي وقدرته على تحقيق العدالة.
إعادة هيكلة النظام الدولي
أن الخلل في النظام الدولي ناتجة في البنية التاسيسية غير العادلة صُمّمَت بعد الحرب العالمية الثانية لتعكس ميزان القوة في ذلك الزمن، ومع التطورات الجيوسياسية والاقتصادية والاجتماعية خلال العقود التالية، لم يعد هذا النظام قادرًا على إدارة التحديات العالمية أو الحفاظ على شرعية القانون الدولي.
من هنا تنبع الحاجة إلى إعادة هيكلة جذرية للنظام الدولي بما يضمن عدالة أكبر، وتوازنًا في القوة، وفاعلية في المؤسسات، وإعادة الاعتبار إلى القانون الدولي كمرجعية ايجابية يضمن تطبيق العدالة بين الدول .
هناك العديد من الدراسات والتقارير الرسمية تتناول إصلاح مؤسسات القانون الدولي الأساسية مثل مجلس الامن الدولي ومحكمة العدل الدولية ، ومحكمة الجنايات الدولية .
إصلاح مجلس الامن الدولي
• الجمعية العامة للأمم المتحدة قامت منذ عام 2008 بإطلاق مفاوضات حكومية دولية مفتوحة بشأن إصلاح مجلس الأمن، تشمل قضايا مثل:
• التمثيل العادل في عضوية المجلس
• زيادة عدد الأعضاء
• تطوير آلية استخدام حق النقض (الفيتو)
هذه المناقشات متواصلة منذ عقود، وقد صدرت عنها عدة قرارات متتالية من الدورة 62 حتى الدورة 79. للفترة 2024 – 2025. (1)
دراسات أكاديمية
دراسات قانونية مستفيضة تناولت إصلاح بنية مجلس الأمن بما في ذلك توسيع العضوية وإعادة النظر في قواعد الفيتو لضمان عدم إساءة استخدامه.
إصلاح محكمة العدل الدولية
إعادة النظر في رقابة مجلس الأمن
باحثون في دراساتهم اعادة النظر في فكرة توسيع دور محكمة العدل الدولية في رقابة قرارات مجلس الأمن لضمان شرعية أوسع وليس فقط شرعية سياسية.
دور المحكمة في النظر في نزاعات دولية حساسة
المحكمة تُستخدم أحيانًا لتسوية نزاعات معقدة بين الدول، وهذا يعيد التركيز على ضرورة تعزيز استقلاليتها ودورها القضائي. (2)
إصلاح المحكمة الجنائية الدولية
مقترحات لتعزيز استقلالية المحكمة
هناك نقاش واسع بين الباحثين حول كيفية ضمان استقلالية أعلى للمحكمة، بما في ذلك تقليل تدخلات كاملة الأعضاء في مجلس الامن الدولي التي يمكن أن تخفّض من فاعلية المحكمة عبر الإحالة أو الإرجاء وفق نظام روما الأساسي.(3)
انتقادات سياسية وتداعياتها على الإصلاح
تواجه المحكمة انتقادات بأنها سياسية من بعض الدول بسبب تحقيقاتها في قضايا معقدة مثل النزاع في غزة، مما دفع دولًا مثل المجر إلى الانسحاب من المحكمة، معتبرة أن قراراتها اصبحت سياسية وليست قانونية مما اثر ذلك على دورها وحيادها.(4)
هل ينبغي للدول تعزيز قدراتها العسكرية في ظل تراجع فاعلية القانون الدولي
عندما يفشل القانون الدولي أو مؤسساته غير قادرة على اتخاذ الحماية الرادعة تجاه التهديدات ، ينبغي ان تتجه الدول مهما كان حجمها إلى قدرلاتها الدفاعية الاخرى لضمان وجودها ، عليه مقولة السيد ديمتري ميدفيديف للدول وفق الواقع الحالي ان تبني قواتها المسلحة اذا كانت تعتمد القانون.
لكن هذه الدولة لا تحتاج إلى زيادة القوة العسكرية فقط، بل تحتاج إلى بناء منظومة أمنية كاملة ، بالاضافة الى منظومة استخبارية متطورة ودفاع سبراني ، ناهيك ايضاً الى التحالفات الدولية ، العلاقات الاقتصادية، وبناء اقتصاد قوي، ووحدة وطنية قوية ينتج عنه صمود وطني داخلي .
في الختام
يُظهرمن تحليل العلاقة بين القوة والقانون الدولي أن النظام العالمي يتجه الان ضمن نهج يجعل من القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية الرادع الفعلي لسلوك الدول، فالقواعد القانونية التي صُممت لضمان العدالة والأمن الجماعي تُفرغ تدريجيًا من محتواها أمام تسييس المؤسسات الدولية، وانتقائية في تطبيق القانون.
إن مستقبل القانون الدولي مرهون بقدرته على استعادة شرعيته، وهذا لا يتحقق إلا عبر نظام عالمي يُخضِع القوة للقانون، لا العكس. أما استمرار الوضع القائم، فسيؤدي إلى مزيد من اضعاف الثقة بالمؤسسات الدولية، وتراجع فاعلية النظام القانوني، وتزايد النزاعات التي تُدار بمنطق القوة لا بمنطق العدالة. ومن هنا تأتي الحاجة الملحّة لإصلاحات جذرية تُعيد التوازن إلى النظام الدولي، وتضمن أن تكون العدالة قاعدة لا استثناء، وأن يكون القانون أداة لتنظيم العلاقات الدولية وليس غطاءً لسياسات القوة ، ومثالنا الواضح سلوك الولايات المتحدة الامريكية والكيان الصهيوني .في القضايا التي يتطلب حلها قانوناً مع معظم الدول سواء العربية منها او الدولية .
المراجع
1. الجمعية العامة للامم المتحدة الدورة 78.
2. الامم المتحدة . مكتب الامم المتحدة في جنيف .
3. نظام روما الأساسي هو المعاهدة الدولية التي أنشأت المحكمة الجنائية الدولية (ICC)، واعتُمدت في 17 يوليو 1998 ودخلت حيز التنفيذ في 1 يوليو 2002. يهدف هذا القانون إلى مقاضاة الأفراد المتورطين في أخطر الجرائم الدولية، وهي: الإبادة الجماعية، الجرائم ضد الإنسانية، جرائم الحرب، وجريمة العدوان، بهدف إنهاء الإفلات من العقاب.
4. قال رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان في 3 نيسان / ابريل 2025 إن بودابست قررت الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية لأنها أصبحت محكمة سياسية كما أظهرت قراراتها بشأن إسرائيل.

622 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع