حين يرفض الرئيس الرحيل: قصة براقش العصر الحديث

بدري نوئيل يوسف

حين يرفض الرئيس الرحيل: قصة براقش العصر الحديث

سخرية الواقع من تمسك السلطة رغم الاعتراضات
في عالم السياسة، لا تخلو المشاهد من شخصيات تتشبث بالكراسي وكأنها جزء من جيناتهم، فترى الرئيس يعلن تمسكه بالمنصب رغم الأصوات المعارضة والاعتراضات المتكررة. المشهد هنا أقرب ما يكون إلى المثل العربي الشهير "على نفسها جنت براقش"، إذ يبدو أن الرئيس، بدلًا من أن يستمع للنصح أو يراجع نفسه، يصر على البقاء مهما كان الثمن!
الغريب في الأمر أن كلما ازدادت الاعتراضات، كلما زاد تمسك الرئيس بمقعده، وكأن الصخب من حوله موسيقى تصويرية لمسرحية كوميدية لا تنتهي إلا ببعض الضحك على الذات. فهو، في كل خطاب، يحاول إقناع الجميع أنه المنقذ الوحيد، بينما الحقيقة أن بقاؤه أصبح مصدرًا للمشاكل التي لا تنتهي.
ولا يختلف اثنان أن الرئيس حوّل منصبه إلى حصن منيع، يصد فيه كل رأي مخالف ويتهجم على كل معارض، ليصبح رمزًا للعناد السياسي. وتبقى النهاية مفتوحة، فربما يحين الوقت ليكتشف أن مثل براقش، لا أحد يجني عواقب التمسك الأعمى سوى نفسه.
على نفسه جَنَى الرئيسُ براقـش
يبدو أن سيادة الرئيس قد قرر أن يخلّد في المنصب، لا عبر التاريخ، بل عبر الجغرافيا أيضًا؛ فحتى الخريطة لم تعد تملك مساحة تكفي لخطبه وخططه وتخبطاته. لم يعد يهمه إن امتلأت الشوارع بالهتافات أو فرغت منها، فطالما بقي الكرسي تحت جسده، فكل شيء على ما يرام.
الرئيس اليوم يشبه تلك «براقش» الشهيرة التي دلّت الأعداء على قومها، ثم اكتشفت متأخرة كالعادة أن أول الخاسرين كانت نفسها. كلما اشتدت أصوات الرفض، رفع عقيرته بخطاب جديد عن “المؤامرات” والأيادي الخارجية”، وكأن الأيادي الداخلية قد بُترت منذ زمن.
وكلما تهاوت مؤسسات الدولة واحدة تلو الأخرى، ازداد حرصه على البقاء، كأن سقوط السقف دافع إضافي للتمسّك بالبيت. يسمي الناس اعتراضهم “خيانة”، ويسمي تمسكه بالكرسي “ثباتًا وطنيًا”. العجيب أن الوطن صار هو العالق بين الاثنين، يتأرجح بين خيانة مواطنيه وثبات رئيسه.
أما الإعلام الرسمي فلا يزال يُغني: “كل شيء على ما يرام”، بينما الجيش الشعبي يحفر نفقًا تحت الكرسي لعله يتنفس قليلًا من الأوكسجين. لكن الرئيس باقٍ، والكلمات ذاتها تتكرر: “سأرحل حين يأذن الشعب” إلا أن إذن الشعب يبدو كإذن السفر في مطار مغلق منذ نصف قرن.
هكذا يتحول المثل العربي البسيط إلى سياسة يومية: على نفسها جَنَت براقش — وعلى شعبها جَنَى رئيسها.
يبدو أن بعض الكراسي في عالم السياسة لا تُصنع من الخشب أو الجلد، بل من وهم الخلود. فكلما تعالت الأصوات مطالِبةً بالتغيير، شدّ الرئيس قبضته على المنصب أكثر، وكأن الاعتراضات ريحٌ عابرة، أو ضجيجٌ صادر عن مذياع قديم يمكن خفض صوته لا أكثر.
في البداية، كان المشهد بسيطًا: مطالب، احتجاجات، أسئلة منطقية عن المستقبل. لكن بدل أن تكون تلك اللحظة فرصة للمراجعة أو حتى للخروج “بكرامة”، اختار الرئيس طريق العناد، الطريق الذي يشبه تمامًا حكاية براقش التي دلّت الأعداء على قومها، فكانت أول الهالكين.
الرئيس، بحكمته الفريدة، قرر أن أفضل رد على الاعتراضات هو تجاهلها. ثم لما لم تختفِ، قرر استفزازها. وحين تحولت إلى أزمة، قرر إنكارها. وهكذا، خطوة بعد خطوة، صنع بيديه ما كان يحذّر منه مستشاروه (إن بقي منهم أحد)، حتى أصبح هو نفسه عنوان المشكلة لا ضحيتها.
المفارقة الساخرة أن التمسك بالمنصب جاء بحجة “الاستقرار”، بينما لم ينتج عنه سوى المزيد من الارتباك. وباسم “المصلحة العامة”، تراجعت كل المصالح. وبشعار “أنا الأعرف”، ضاعت البوصلة، وتحوّل القائد إلى مثال يُدرّس في كيف يمكن للسلطة حين تُحب أكثر من اللازم أن تنقلب على صاحبها.
وهنا تعود براقش إلى الواجهة، لا كحكاية تراثية، بل كتشخيص سياسي دقيق:
حين يعتقد الحاكم أن الكرسي يحميه من كل شيء، ينسى أن الكرسي ذاته قد يكون أول من ينهار. وحين يربح معركة البقاء، لكنه يخسر ثقة الناس، يكون قد انتصر على نفسه… وخسر كل شيء آخر.
في النهاية، لا يحتاج التاريخ إلى كثير من الجهد ليحكم. يكفيه أن يكتب جملة قصيرة:
“كان يستطيع أن يغادر، فاختار أن يبقى… وعلى نفسه جنى.”
رغم الاعتراضات المتصاعدة… الرئيس متمسك بالمنصب: «على نفسها جنت براقش» نموذجًا
في مشهد سياسي يتكرر بوتيرة لافتة، يواصل الرئيس تمسكه بالمنصب رغم تصاعد الاعتراضات الشعبية والسياسية، في وقت تتسع فيه رقعة الانتقادات، وتضيق فيه مساحات التأييد، وسط تساؤلات متزايدة حول جدوى هذا الإصرار وتداعياته.
وبحسب مراقبين، فإن تجاهل المطالب المتكررة بالتغيير لم يؤدِّ إلى تهدئة الأوضاع كما كان متوقعًا، بل ساهم في تعقيد المشهد، حيث تحولت محاولات الاحتواء إلى عوامل تأزيم، وأصبحت كل خطوة تهدف إلى “إثبات السيطرة” سببًا إضافيًا في اتساع دائرة الغضب.
مصادر مطلعة تشير إلى أن الخطاب الرسمي ما زال يعتمد مفردات “الاستقرار” والمصلحة العامة”، رغم أن المؤشرات على الأرض تعكس حالة من الارتباك السياسي، وتراجع الثقة، وارتفاع حدة الانقسام. ويؤكد محللون أن الإصرار على البقاء، بدل فتح باب المراجعة أو الحوار الجاد، جعل شخص الرئيس في صدارة الأزمة بدل أن يكون جزءًا من حلها.
ويشبّه بعض الكتّاب هذا المشهد بالمثل العربي الشهير «على نفسها جنت براقش»، في إشارة إلى أن السياسات المتبعة لم تجلب سوى نتائج عكسية على صاحب القرار نفسه، حيث تحوّل الدفاع المستميت عن المنصب إلى عبء سياسي، ووسيلة لتسريع ما كان يُراد تفاديه.
ويرى متابعون أن التاريخ السياسي حافل بنماذج مشابهة، حيث اعتقد قادة أن التمسك بالسلطة يمنحهم حصانة دائمة، قبل أن يكتشفوا أن الكرسي، حين يصبح غاية بحد ذاته، يفقد قدرته على الحماية، بل يتحول إلى شاهد على الإخفاق.
وفي ظل غياب مؤشرات حقيقية على التغيير، يبقى السؤال مطروحًا:
هل يدرك الرئيس أن أخطر ما قد يواجه ليس خصومه، بل القرارات التي يتخذها دفاعًا عن بقائه؟
أم أن حكاية براقش ستُستعاد مرة أخرى، ولكن هذه المرة في نشرة الأخبار لا في كتب التراث؟

فيديوات أيام زمان

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1520 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع