
بسام شكري
سفراء الزمن الرديء
إن هذا المقال هو خلاصة بحث أكاديمي حول السفارات العراقية وهو بجانبيه النظري الأكاديمي والعملي أنجزته خلال فترة أربع سنوات.
موضوع السفارات العراقية منذ الغزو الأمريكي للعراق في سنة 2003 ولغاية كتابة هذا المقال من أكثر الموضوعات إثارة للجدل في العراق والعالم ، وذلك يعود الى طبيعة النظام السياسي الذي جاءت به أمريكا للعراق ، فالمحاصصة الطائفية هي معيار اختيار السفراء والقناصل وكافة الموظفين وحتى عمال النظافة والسعاة، وموضوع الكفاءة لا يؤخذ بنظر الاعتبار، وصراع المافيات التي تحكم العراق ظاهر بشكل كبير في الكادر الذي يعمل في السفارات, وبالمختصر فان الأحزاب الدينية التي تحكم العراق لها اذرع في كافة السفارات وتتحكم في كافة السياسات والأعمال التي تقوم بها السفارات من نشر كل ما موجود في العراق في الدول التي تعمل فيها من الطائفية والمحذرات والرشاوى والفساد الإداري والأخلاقي والأسلوب الميلشياوي بالتعامل مع الآخرين, حيث يسود التناقض بين موظفي السفارة الواحدة نتيجة لعدم الانسجام الفكري أو المذهبي أو القومي وذلك بسبب الخلفية التي تمت لاختيارهم العمل في السفارة , حيث تسود الصراعات بين الموظفين والتجسس على بعضهم البعض والعمل ضمن نظام الشلل , فمثلا هذا من جماعة السفير الشيعي وذاك من جماعة القنصل الكردي وذاك من جماعة الملحق التجاري السني والأخر من جماعة الملحق الثقافي المسيحي ولا احد منهم من جماعة العراق .
الفضائح
الفضائح لا تعد ولا تحصى فهذا السفير الذي تم اختياره على أساس طائفي والذي باع بيته وبقرته الحلوب في محافظة نينوى ليدفع ثمنهما لكي يصبح سفيرا للعراق ونشرت صوره على وسائل التواصل الاجتماعي مع بقرته وبيته الذي كتب عليه للبيع, هذا السفير في احد الأيام حكى نكتة خارجة عن الأدب لرئيس دولة خليجية فطردته لك الدولة وتمت أعادته الى ديوان وزارة الخارجية وتمت ترقيته درجة وظيفية اعلى ترضيه لطائفته, وذاك السفير الذي تصور في أوضاع لا أخلاقية مع زوجته وقد احتضنها المطرب اللبناني راغب علامة في السفارة العراقية في عمان ونشر صوره الفاضحة بكل وقاحه على حسابه على الفيس بوك وحساب السفارة , وبعد تلك الفضيحة تمت إعادته الى مقر وزارة الخارجية وترقيته الى وكيل وزير لفترة ثم نقل سفير في دولة أوروبية, وتلك الدبلوماسية التي عملت فضيحة تصريحات صحفية في تركيا وانتشرت على وسائل الإعلام وفضيحة أخرى هي مشاجرة في دولة أسيوية مع شرطة كمارك المطار لانهم أرادوا تفتيش حقيبتها ورفضت باعتبارها " دبلوماسية" وفضيحتها الأخير وهي سرقة مناشف حمامات في اغلى فندق في الأردن والتي هزت الراي العام العراقي والأردني فقد تدخلت عشيرتها وتجمعت أمام زارة الخارجية بأسلحتها الخفيفة والمتوسطة وهددت العشيرة وزارة الخارجية للهجوم على المبنى وتدميره على راس ساكنيه من الموظفين اذا تمت معاقبتها فتم غلق التحقيق وترقيتها وظيفيا.
النشاط الدبلوماسي للسفراء
في مثل التقسيم الطائفي السائد في العراق فان السفارات مقسمة حصص بين الأحزاب الدينية التي تحكم العراق، فالسفراء لا علاقة لهم بالعمل الدبلوماسي فهذا السفير يشرح طريقة طبخ الدولمة وذاك يشارك في كافة المناسبات الاجتماعية في الدولة التي يعمل فيها من أعراس وتعازي وحفلات طهور والأخر يقابل أصدقاء لا علاقة لهم بالعمل الدبلوماسي ويقيم لهم حفلات غداء واستقبالات تكلف الميزانية العراقية الكثير والأغرب من ذلك هناك سفراء في أوروبا قد قابلتهم واطلعت على نشاطاتهم التي ينشرونها على حساب السفارة الرسمي وهم يقابلون أسبوعيا شركات أو يزورون مصانع في اختصاصات لا يحتاجها العراق مثل اختصاصات تكنلوجيا الفضاء أو الطاقة النووية أو تكنلوجيا الصناعات البترولية, فالعراق لا يحتاج الفضاء سواء الرحلات الفضائية أو الصواريخ وممنوع عليه بقرار أممي الطاقة النووية وكل أباره البترولية قد تم تأجيرها الى شركات عالمية لمدد لا تقل عن خمسين سنة بعد سنة 2003 فلماذا كل تلك المقابلات؟
هناك سفراء يشترون مواد لا يحتاجها العراق وتختفي تلك المواد حال دخولها العراق مثل فضيحة شراء ستة عشر حاوية تحتوي على مواد كيمياوية خطرة وقد وجدت في ميناء أم قصر ونشرت خبرها الصحف العراقية وبعد أسبوع من النشر اختفت تلك الحاويات من الميناء وقال شهود عيان من عمال الميناء إنها نقلت الى إيران وهذا يعني إن هؤلاء السفراء يقومون بشراء مواد ممنوع دخولها العراق والمصيبة انه ثمنها مدفوع من قبل العراق, وبعد تلك الفضيحة اتبع أسلوب تغيير بوليصة الشحن والباخرة في البحر من وجهتها النهائية ميناء أم قصر العراقي الى الموانئ الإيرانية .
من تجاربي الشخصية العديدة مع السفراء العراقيين اذكر هنا تجربة مضحكة وصادمة وهي زيارة السفير العراقي في برلين قبل عشر سنوات تقريبا, بناء على اتصال هاتفي من قبل سفير أخر تم ترتيب ذلك الموعد, ملخص الزيارة التي كان هدفها أن اقدم لسعادة السفير اربع مقترحات لخدمة الجالية العراقية في ألمانيا واللاجئين في داخل العراق ومكافحة خلايا الإرهاب النائمة في العراق وقد بذلت جهودا كبيرة في إنجاز تلك المشاريع وصرفت مبالغ كبيرة وسافرت الى عدة دول واستغرق إنجاز تلك الدراسات اكثر من سنتين, رحب بي سعادة السفير وبدون مقدمات دخلت امرأة قدمت لنا شاي اسود محترق جدا , شرحت له ملخص فكرة المشاريع وقدمتها له , أخذها من يدي وفي تلك اللحظة رن جرس تلفونه الموبايل فرد على المتكلم وكان سفير العراق في طهران وتكلم معه بلهجة خجلت من سماع تلك الكلمات البذيئة وتبين من خلال حديثهما إن سفير العراق في طهران يريد استعجال الحصول على فيزة الشنغن الألمانية له ولأربعة وعشرين من أفراد عائلته لكي يقضون إجازة العيد في ألمانيا وعلى حساب السفارة العراقية في برلين كرد لاستضافة ذلك السفير له عند زيارته في السنة الماضية للمراقد المقدسة في ايران هو وستة عشر من مرافقة وعائلته وخلال حديثه اكد عليه حجز الفندق وبرنامج الرحلة السياحية ومترجمين وتوفير سيارات من قبل السفارة تنقلهم خلال تلك الإجازة, وقد تبادلا الشتائم والكلمات البذيئة على سبيل المزاح في نهاية المكالمة وقال له مع السلامة حجي ثم اغلق الموبايل , بعدها رجع سعادة السفير الى الحديث معي وقلب الأوراق وقال لي هذا المشروع ليس من اختصاصي وذاك المشروع من اختصاص الحكومة الألمانية والأخر من اختصاص الحكومة العراقية وهكذا تبين إن الرجل لا يفقه شيئا عن واجباته.
أطرف سفير قابلته بعد هذا التحفة الفنية كان في دولة أوروبية مجاورة لألمانيا، فقد سمع بمشاريعي وأبحاثي واتصلت معي سكرتيرته المصرية ورتبت معي موعد فسافرت بالقطار وما إن دخلت السفارة حتى استقبلني وبدون أن يتكلم معي كان هناك اثنين من المصورين يأخذون لنا عشرات الصور لنا وبدون أن يستأذنون مني وقد أصابتني الحيرة من ذلك السلوك الغريب وبقيت عنده نصف ساعة لم يرد على أي مما قدمته من شرح وتبين إن الرجل يريد أن يعمل علاقات عامة ويأخذ صور مع زائرين وينشرها على حسابه على الفيس بوك.
هذه نماذج من نشاطات السفراء لكن العجيب في الموضوع لو فتحت عزيزي القارئ حسابات هؤلاء السفراء على الفيس بوك مثلا ستجد تلك الأخبار منشورة بكل وقاحة، السؤال هو هل الشعب العراقي يتمكن من عمل وقفة احتجاجية أمام وزارة الخارجية للتعبير عن سخطه على عمل تلك الوزارة؟ طبعا لا لان تلك الوزارة تقع في المنطقة الممنوعة الدخول على العراقيين والتي تسمى المنطقة الخضراء، لكن عشيرة الدبلوماسية صاحبة فضيحة سرقة المناشف تتمكن من الوصول أمام الوزارة مدججة بالأسلحة المتوسطة، فأي دولة هذه يا عالم؟
حالة مباني السفارات
حالة مباني السفارات يرثى لها فلم يتم صيانتها منذ اكثر من ثلاثين سنة فسفارة العراق في برلين الغربية على سبيل قد استهلكت كافة السجاجيد والأبواب والشبابيك الداخلية مكسرة لا تغلق بسهولة والأرضيات قد تشققت وبعض الكاشي قد تصدع واصبح المشي عليه كانه مشي في سواقي , وسفارة العراق في برلين الشرقية الفخمة قم أصبحت مبنى مهجور وهي التي كان احدى القصور التاريخية قد تم شرائها من قبل الحكومة العراقية حالها حال كافة السفارات العراقية في الخارج و الملحقية العراقية في موسكو مع المدرسة واحدى البنايات المملوكة للسفارة قد تم بيعها من قبل عصابة داخل السفارة لا يعلم احد لغاية الآن لماذا وكيف تم البيع وما مصير الطلبة والمدرسين العاملين في السفارة ,وهناك سفارة في بريطانيا قد تم تركها مهجورة .
الفساد الإداري في السفارات
بما أن عملية التقسيم الطائفي في السفارات يجب أن تستفيد لأقصى حد من الوظائف وكل طائفة تأخذ حصتها فقد تم على سبيل المثال تعيين عدد كبير من الموظفين في السفارات في وظائف لا وجود لها والمضحك إن هناك سفارات عراقية لا توجد فيها جالية عراقية والأغرب من ذلك مثلا إن إيطاليا فيها اربع سفارات واربع سفراء عراقيين, فروما فيها سفارة وسفير والفاتيكان فيه سفارتين عراقيتين وسفيرين هما سفارة العراق وسفارة مرجعية النجف الأشرف, علما بان الفاتيكان منطقة في داخل روما مساحها نصف كيلومتر, وللعراق سفارة رابعة وسفير في دولة سان مارينو التي تقع داخل الأراضي الإيطالية وهذه الدولة مساحتها 46 كيلومتر وعدد سكانها 34 الف نسمة فقط ولا يوجد فيها جالية عراقية ولا أي سفارة أجنبية ما عدا السفارة العراقية, احدى اخطر نتائج البحث الذي عملته إن كل سفير عراقي قبل أن يصدر امر تعيينه يجب عليه الحصول على تزكية مكتب المرجعية الدينية في النجف حيث يتصل موظف خاص في وزارة الخارجية بمكتب المرجعية للحصول على التزكية وينتظر أسبوع ثم يأتي الرد , فاذا كان الرد إن المرجعية راضية على ذلك السفير يعني تمت الموافقة واذا المرجعية تطلب تأجيل النظر في الموضوع يعني رفض .
سؤالي موجه الى العراقي الشيعي قبل غيره: هل يوافق على تدخل رجل دين هندي أو باكستاني أو إيراني أو أفغاني أو لبناني في تعيين سفراء بلده؟
الخدمات التي تقدمها السفارات للمواطنين
المواطنين الذي تم إنشاء كل تلك السفارات لخدمتهم لا يتمكون من الحصول على ادنى حقوقهم, ففي ظل انشغال السفراء بنشاطاتهم التي لا علاقة لها بطبيعة وظائفهم وانشغال كادر السفارات بصراعاتهم الداخلية وتمتعهم بأقصى درجات النهب لأموال الدولة فان المواطن اذا أراد أي خدمة عليه أن يتصل بشركات خاصة يملكها السفير أو القنصل إيهما اقوى, تقدم تلك الشركات الخدمات للمواطنين مقابل مبالغ طائلة فمثلا للحصول على موعد لمقابلة موظف في السفارة لتمشيه معاملة جواز سفر أو تسجيل طفل مولود حديثا أو حتى للاستفسار عن شيء ما, فان مجرد الحصول موعد على المواطن أن يدفع مبلغ كبير وينتظر اشهر لكي يصل له الدور لكي يقابل موظف السفارة, التلفونات في السفارات لا ترد على الاتصالات والإيميلات لا احد يرد عليها وطوابير العراقيين يوميا أمام السفارات في الجو البارد وملخص هذه النقطة إن العراقي لا يتمكن من دخول سفارة بلده إلا بعد الاتصال مع شركات خارجية والحصول على موعد لأشهر ودفع مبالغ كبيرة , والأكثر غرابة إن إجراءات الحصول على أي خدمة تتطلب سلسلة كبيرة من المستندات واغرب تلك المستندات إن مواطن عراقي حي اذا أراد تجديد جواز سفره أو الحصول على الهوية الموحدة المطلوب منه إن يثبت انه حي وذلك بالحصول على شهادة حياة ه ويدفع مبالغ كبيرة ويقضي اشهر قد تصل الى سنة للحصول على شهادة انه حي , أما تعامل موظفي السفارات مع العراقيين فحدث ولا حرج فالرشاوى امر طبيعي والتعامل الطائفي علني فلا تستغرب اذا يسالك الموظف من أي طائفة أنت لمجرد إن اسمك غريب عليه أو شكلك لا يتطابق مع اسمك أو انك من احدى العشائر المختلطة الطائفة مثل عشيرة الجبور أو الجنابيين أو شمر أو عنزة, فهو يريد أن يعرف هل أنت شيعي أو سني فيسالك بكل وقاحة هل أنت سني أو شيعي؟ وهنا يطعن في صدرك جرحا غائرا يبقى سنوات عديدة.
أخطر حقيقة في هذا البحث
احدى اخطر حقيقة توصلت لها من خلال بحثي هذا, هي عمليات التزوير التي تقوم بها السفارات العراقية وهي تزوير البطاقة الموحدة فعلى سبيل المثال أن مافيا العقارات الموجودة في العراق والتابعة للأحزاب الطائفية لديها في كل سفارة موظف عميل ترسل له أسماء عراقيين متوفين أو هاجروا الى خارج العراق وهؤلاء العراقيين يمتلكون عقارات في داخل العراق وقد تركوا عقاراتهم فيقوم الموظف العميل بتزوير البطاقة الوطنية لصاحب العقار الأصلي ويستخرج بطاقة وطنية بنفس الاسم والصورة والبصمة لكن يجب أن يكون الشخص الذي تم استخدامه في عملية التزوير والحضور الى السفارة والتوقيع ليس عراقي وإنما عربي الجنسية لأنه لو كان عراقي فان ذلك التزوير سيتم كشفه من خلال البطاقة الموحدة, وبعد استخراج بطاقة موحدة يقوم ذلك الموظف بعمل وكالة بيع وشراء بذلك العقار باسم صاحب العقار الأصلي وبالأوراق التي تم تزويرها وبذلك يتم سرقة ذلك العقار بطريقة قانونية وقد التقيت بعدد كبير من المغتربين العراقيين قد تم بيع عقاراتهم بتلك الطريقة وهم لا يعلمون, وللأسف فان ليس كل من اكتشف عملية السرقة تلك يتمكن من إقامة دعوى أمام القضاء العراقي لان الفساد في المحاكم العراقية اكثر بكثير منه في السفارات.
الباحث
بسام شكري
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

1490 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع