عندما تُسرَق الطفولة قبل أوانها - إلى بائع الشاي كرار الذي رحلَ قبل الأوان ...

د. رمضان مهلهل سدخان

عندما تُسرَق الطفولة قبل أوانها -إلى بائع الشاي كرار الذي رحلَ قبل الأوان ...

كان في التاسعة من عمره، لكن العمر لم يكن يُقاس في عينيه بالسنين، بل بعدد الليالي الباردة التي وقفَ فيها عند مفترق الطرق، يحمل إبريق الشاي بيدٍ مرتجفة، ويحمل عبء أسرة كاملة على كتفين أنحلتْهما الحاجة قبل أن تُنحلهما الأيام. كرار لم يكن يبيع الشاي فحسب؛ كان ينثر براءة طفولته للعابرين أمامه، ويلتمس منهم نظرة رحيمة، ويأخذ من الليل قسطاً من الصبر، ومن البرد هدنة قصيرة لا تأتي.
لم يترك المدرسة ولم يكرهها، فقد كان في الصف الثالث الابتدائي. لكن الجوع كان أفصح من الحروف، ولأن دفاتر الدراسة لا تُطعم إخوة ينتظرون رغيفاً، ولا تُسكِت أماً أرهقها العوز حتى باتت تخجل من الدعاء. في الليالي القاسية، عندما كان البردُ يعضّ أطرافه، وعندما كانت المدينة تنام مطمئنة في بيوتها الدافئة، كان هو يجلس وحيداً تحت مصباح شاحب، يقاوم النعاس والخوف، ويتعلم باكراً دروساً لا تُدرَّس في المدارس.
كيف يكون الطفل رجلاً قبل أوانه، وكيف تُختَصَر الأحلام في لقمة خبز. لم يكن يحلم بالكثير؛ لا بدراجة، ولا بهاتف، ولا بلعبة. كان حلمه بسيطاً حدّ الوجع: أن يعود إلى البيت سالماً، وأن يكفي الشاي ثمنَ الغد. لكن الغد لم يأتِ. جاءت لحظة خاطفة، حادثٌ مروّع على الطريق، وانطفأت حياة صغيرة لم تُمنَح الوقت الكافي لتكتمل.
رحل كرار، وبقي السؤال معلقاً في الهواء: مَن المسؤول عن موت الأحلام قبل أصحابها؟ مَن يُعيد إلى هذا العالم براءته التي دهستها الشاحنات الثقيلة، لا بعجلاتها فقط، بل بلا مبالاتها؟
لم يمت وحده. مات معه حقّ في التعليم، وعدالة غائبة، ومجتمع اعتاد رؤية الأطفال يعملون كما اعتاد تجاهلهم. سيظل كرار شاهداً صامتاً على قسوة الفقر، وعلى عالم يسرق الطفولة ثم يتباكى عليها بعد فوات الأوان.
سلام من الله على كرار، يوم وُلِد، ويوم كان يصارع شظف الحياة، ويوم باغتَتْه يدُ القدر فرحلَ إلى جوار ربٍّ غفورٍ رحيم ليخبره بأنهم سرقوا طفولته قبل أوانها، في مدينة تعدّ رابعَ أغنى مدينة في العالم. ويبقى السؤال: لماذا يموت بائع الشاي ويعيش بائع الوطن؟!

فيديوات أيام زمان

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1294 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع