دور الاستشراق في خدمة الدراسات الآثاريّة والحضاريّة المصرية

الاستاذ الدكتور: نزار الربيعي

دور الاستشراق في خدمة الدراسات الآثاريّة والحضاريّة المصرية

لقد اختصّ علم الاستشراق بدراسة الشرق دراسة وافية شاملة في إطار الاهتمام الغربي بكلّ ما هو شرقي. ويأتي تعريف الاستشراق دالًّا على مدى اهتمام ذلك العلم بالشرق عامّة، والشرق الإسلامي بصفة خاصّة.
أمّا تعريف الاستشراق، فقد تناوله الكتّاب العرب والأجانب على حدٍّ سواء، وقد كثرت وتعدّدت التعريفات والمفاهيم الاصطلاحيّة، ولكنّها لم تختلف في مضمونها العام، فجميعها يصبّ في بوتقة واحدة ويجمعه إطار عام واحد. فيُعرَّف الاستشراق على أنّه اهتمام الغرب بأحوال الشرق على جميع الأصعدة، ويشمل جميع المجالات المعرفيّة الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والدينيّة، بالإضافة إلى الاهتمام بدراسة المجتمعات الشرقيّة مِن ناحية العادات والتقاليد والسلوكيّات والقيم السائدة في هذه المجتمعات، وثقافتهم وطرق معيشتهم. ويُعرَّف الاستشراق أيضًا بأنّه علم الشرق أو علم العالم الشرقي. وكلمة مستشرق بالمعنى العام تطلق على كلّ عالم غربي يشتغل بدراسة الشرق كلّه، في لغاته وآدابه وحضارته وأديانه، ويشمل هذا المصطلح طوائف متعدّدة تعمل في ميادين الدراسات الشرقيّة المختلفة، فهم يدرسون العلوم والفنون والآداب والديانات والتاريخ، وكلّ ما يخصّ شعوب الشرق، مثل الهند وفارس والصين واليابان، والعالم العربي. في حين يُعرِّف يحيى مراد الاستشراق بأنّه اشتغال غير الشرقيّين بدراسة لغات الشرق وحضاراته وأديانه، وأثر ذلك في تطوّر البناء الحضاري للعالم بأسره وقد عرَّف إدوارد سعيد الاستشراق أيضًا بأنّه أسلوب في التفكير مبني على تميّز متعلّق بوجود المعرفة بين الشرق والغرب. كما عرّفه أيضًا بأنّه أسلوب غربي للسيطرة على الشرق وإعادة بنائه مِن جديد
إذًا، فالاستشراق هو علم العالم الشرقي وطلب علوم الشرق ومعرفة لغاته وآدابه وفنونه ودياناته وحضاراته، وكلّ ما يتعلّق به سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا، تمهيدًا للتأثير عليه ثمّ احتلاله وينصبّ الاستشراق على الاهتمام بكلّ ما هو شرقي. ولهذا العلم دور مهمّ لا يمكن أنْ نغفل عنه في خدمة الدراسات الآثاريّة والحضاريّة، فقد قام المستشرقون بعمل العديد مِن الدراسات التي تشمل المؤلّفات والموسوعات والكتب المصوّرة وغير المصوّرة، والألبومات التي تحوي بين جنباتها ملامح مهمّة لحضارة وآثار الشرق، أفادت الباحثين الشرقيين بدرجة كبيرة في الوقوف على ملامح تلك الحضارة العظيمة، ومعرفة ما تلاشى منها، ولكنّه ظلّ شامخًا بين دفّات تلك المؤلّفات.

إيجابيّة أو سلبيّة الدراسات الاستشراقيّة
إنّ للدراسات الاستشراقية -رغم رفض الكثير لها- دورًا مهمًّا وبارزًا في خدمة الشرق في بعض الجوانب المعرفيّة، وإنْ كانت لهذه الدراسات جوانب سلبيّة كثيرة، فقد تمّ إنجازها مِن أجل خدمة المصالح الاستعماريّة للدول الغربيّة في الشرق. إلّا أنّ هذا لا يلغي الدور والأثر الإيجابي لتلك الدراسات، والذي خدم الشرق في مجالات كثيرة، وإنْ كنت أرى أنَّ تلك الخدمات وذاك الدور الإيجابي مِن قبل المستشرقين للشرق لم يكن عن قصد، بمعنى أنّ المستشرقين أثناء قيامهم بتلك الدراسات، لم يكن قصدهم خدمة الشرق وإفادته بشكل أو بآخر، ولم يعنهم أمر الشرق مطلقًا، ولكنْ -ودون قصد- تشاء الأقدار أنْ تحمل تلك الدراسات بين ثناياها فائدة ما للشرقيّين، والتي بدأ الباحثون تلمّس جوانبها في العصر الحديث. وسألقي الضوء على دراسات المستشرقين التي خدمت وأفادت الدراسات الآثاريّة والحضاريّة.

أوّلًا- دور الدراسات الاستشراقيّة في خدمة الدراسات الآثاريّة
اهتمّ الغربيّون منذ القرن الثامن عشر وحتّى منتصف القرن العشرين بزيارة الشرق والرحيل إليه واستكشافه، وذلك في إطار مشاريعهم السياسيّة والاستعماريّة بل والاقتصاديّة، إذ كانوا يقيمون بمصر فترات طويلة قد تصل لسنوات، لكلّ منهم هدف خفيّ وآخر معلن؛ كالاستجمام والاستشفاء والدراسة واكتشاف الشرق والسياحة ومشاهدة الآثار المصريّة القديمة والإسلاميّة، التي زاد الاهتمام بها بعد ظهور كتاب أو موسوعة وصف مصر لعلماء الحملة الفرنسيّة، وقليل منهم مَنْ لم يكن لديه دوافع أو أهداف سوى الدراسة والفنّ ككثير مِن المصوّرين. وقد اعتنى علماء أوروبا وأمريكا بالآثار في مصر، خاصّة الفرعونيّة، وجاؤوا إلى مصر لإجراء دراساتهم وأبحاثهم وتنقيباتهم عن الآثار -خاصّة في القرن التاسع عشر الميلادي- فكان بداية مولد علم المصريّات الذي اعتنى به العلماء، أمثال البريطاني سير جاردنر وليكنسون، والفرنسي إيميل بريس دافين، وغيرهم الكثير مِن علماء الغرب المعنيّين بالآثار، والذين وجّهوا جلّ اهتمامهم في أثناء تواجدهم في مصر إلى الآثار ودراستها.

وتوجد العديد مِن الدراسات الاستشراقيّة التي اهتمّت بالدراسات الآثاريّة، فقد كانت مصر، التي تضمّ عمائر حضارات متنوّعة ومختلفة وآثارًا كثيرة ومتنوّعة مِن آثار فرعونيّة ويونانيّة ورومانيّة وقبطيّة وإسلاميّة؛ محلّ اهتمام العلماء والباحثين الغربيّين، سواء مَنْ جاؤوا إليها وقاموا بدراسة آثارها ومجتمعها، أو مَنْ كتبوا عنها وقاموا بعمل العديد مِن الدراسات عن آثارها مِن موقعهم في الغرب، معتمدين على روايات الرحّالة والمستشرقين الذين ذهبوا إليها، فقدّم لنا هؤلاء المستشرقون العديد مِن الدراسات التي تُعنى بالآثار المصريّة القديمة والإسلاميّة على السواء، سواء في هيئة مؤلّفات أو رسوم وتخطيطات واسكتشات أو تصاوير.

المؤلّفات أو الكتب التي تتناول الآثار
موسوعة وصف مصر: إنَّ المؤلّفات أو الكتب الاستشراقيّة التي عنيت بشأن الآثار في مصر، وتناول مؤلّفوها الآثار المصريّة، كثيرة للغاية. نكتفي بذكر أهمّ هذه المؤلفات والدراسات التي تمّت في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجري التاسع عشر والعشرين الميلادي ، ومِن أشهر هذه المؤلفات، والتي تُعد باكورة الدراسات الاستشراقيّة في القرن التاسع عشر الميلادي التي خدمت بشكل كبير حقل دراسة الآثار، والتي قام بتأليفها مجموعة مِن علماء فرنسا الذين تكوّنت منهم اللجنة العلميّة التي صاحبت الحملة الفرنسيّة على مصر عام 1798م، والذي كان النواة الأولى للدراسات الاستشراقيّة في القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين، والتي اعتمد عليها الكتّاب والباحثون المستشرقون فيما بعد في دراساتهم لمصر وآثارها، فأصبحت هذه الموسوعة منذ إتمامها المرجع الأوّل للأوروبيّين في معرفة أيّ شيء عن مصر، والشرق بصفة عامّة. كذلك كانت هذه الموسوعة النافذة الأولى التي أطلّ منها الأوروبيّون على مصر، والتي لفتت أنظار كلّ أوروبا لأهميّة مصر تاريخيًّا وحضاريًّا وإستراتيجيًّا، فكانت هذه الدراسة بالنسبة لمصر سلاحًا ذا حدّين، فمِن جهة خدمت وأفادت الباحثين فيما بعد في معرفة الكثير عن أحوال مصر على جميع المستويات في تلك الحقبة، ومِن جهة أخرى أضرّت بمصر؛ إذ لفتت أنظار الغرب إلى أهميّة موقع مصر، ممّا جعل دول الغرب تتسابق للمجيء إليها واحتلالها، خاصّة فرنسا وإنجلترا، فقد أخذ الأوروبّيون معلومات قليلة وشذرات متفرّقة عن الشرق مِن كتابات الرحّالة الذين زاروا مصر والشرق في القرون السابقة على الحملة الفرنسيّة، وكذلك مِن كتابات وخطابات مِن أصحاب الحملات الصليبيّة على الشرق، والتي كانت كتابات مغلوطة نقلت صورة مشوَّهة عن الشرق إلى الغرب. وكان الشغف يراود الغربيّين في اكتشاف الشرق ومعرفته، فجاءتهم موسوعة وصف مصر، التي لم تترك جانبًا مِن جوانب الحياة في مصر إلّا وتناولته.

وقد تلى هذه الموسوعة العديد مِن المؤلّفات عن مصر والشرق، وقد استغرق العمل في كتابة هذه الموسوعة ما يقرب مِن ثلاثة عشر عامًا، في الفترة مِن 1809 إلى 1822م؛ إذ قام علماء اللجنة العلميّة القائمين على تأليف هذه الموسوعة بتدوين ودراسة وتحليل وترتيب كلّ ما جمعوه عن مصر في أثناء وجود الحملة بها، مِن دراسات للتاريخ الطبيعي لمصر، والذي يضمّ دراسات عن النبات والحيوانات والطيور والحشرات والصخور والجيولوجيا وغيرها، ودراسة العصور القديمة وحضارتها وآثارها، ثمّ دراسة مفصّلة لمصر الحديثة والعصور الحديثة، فلم تغفل الموسوعة جانبًا مِن جوانب الحياة في مصر إلّا وضمّته بين دفّتيها. كما ضمّت تلك الموسوعة لوحات مصوّرة لكلّ ما تناولته في مصر، وأطلسًا جغرافيًّا يضمّ خرائط مفصّلة لمدن وأقاليم مصر. وقد ظهر المجلّد الأوّل لهذه الموسوعة عام 1809م، والذي دوّن على غلافه أنّه طبع بأمر مِن الإمبراطور نابليون الأكبر، ثمّ تلت هذه المجلّد بقيّة المجلّدات في طبعتها الأولى التي ضمّت تسعة مجلّدات. أمّا الطبعة الثانية، فقد ضمّت ستّة وعشرين مجلّدًا بالإضافة إلى أحد عشر مجلّدًا يضمّ لوحات وأطلسًا جغرافيًّا. ومحتويات مجلّدات الطبعة الأولى التسع هي محتويات مجلّدات الطبعة الثانية الستّة وعشرين نفسها
ولا يمكن إغفال دور كثير مِن مؤلّفات المستشرقين، التي خدمت وأفادت دارسي الفنون الإسلاميّة، ومِن أهمّها كتاب «الفنّ الإسلامي والعمارة المترجم إلى العربيّة للمستشرق ريتشارد إتنجهاوزن، والذي يقدّم في مؤلّفه هذا نظرة شاملة عن الفنّ الإسلامي والعمارة منذ القرن السابع وحتّى القرن الثالث عشر الميلادي في الفترة المبكّرة للحضارة الإسلاميّة. ومِن المؤلّفات الاستشراقية التي خدمت بشكل كبير دارسي الفنون الإسلاميّة، كتاب الفنون الإسلاميّة (Handbook of Muhammadan art)، للمستشرق م. س. ديماند، الذي كان يشغل وظيفة أمين مجموعات الشرق الأدنى بمتحف المتروبوليتان في نيويورك، وقد صدرت الطبعة الأولى عام 1930م، والطبعة الثانية صدرت عام 1947م، ونقله إلى العربيّة الأستاذ أحمد محمّد عيسى. ولا غنى لدارسي الفنون الإسلاميّة عن هذا المرجع الذي يشمل تاريخ الفنون الإسلاميّة كلّها، باستثناء العمارة، التي تُعدّ فنًّا قائمًا بذاته. ومِن مؤلّفات المستشرقين التي تناولت جانب الفنون الإسلاميّة، كتاب المستشرق دافيد تالبوت رايس، الذي جاء بعنوان «الفنون الإسلاميّة عبر العصور»، ونقله إلى العربيّة الأستاذ فخري خليل. وكذلك كتاب المستشرق أرنست كونل باللغة الألمانيّة، والذي جاء بعنوان الفنون الإسلاميّة (Kleinkunts Islamishe)، الذي صدر عام 1925م، وترجم إلى العربيّة فيما بعد. وهذه المؤلّفات السابق ذكرها، وغيرها الكثير مِن مؤلّفات المستشرقين، قدّمت خدمات جليلة للدراسات الآثاريّة، والتي يمكن لدارسي العمارة والفنون الرجوع إليها والتعويل عليها في دراساتهم.

فيديوات أيام زمان

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1183 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع