قصة (الجريمة والعقاب) - الجزء الثاني

بقلم احمد فخري

قصة (الجريمة والعقاب - الجزء الثاني

من لم يتسنى له الاطلاع على الجزء الاول فبامكانه مراجعته من خلال هذا الرابط

https://algardenia.com/maqalat/70131-2026-01-05-11-17-09.html

 بغداد عام 2024

مرت 21 سنة على رجوع عائلة يوسف باكملها من دمشق الى بغداد.

رن هاتف مريم النقال فالتقطه ابنها الوحيد يوسف ونظر الى شاشة الهاتف لتعتلي وجهه ابتسامة عريضة فنادى باعلى صوته وقال،

يوسف : امي، امي انه خالي محمود يطلبكِ على هاتفكِ.

مريم : لا بأس حبيبي، اجب انت عليه، لأن يدي مبتلتان بسبب انشغالي باعداد الطعام.

رد يوسف على خاله وقال،

يوسف : كيف حالك يا خالو. لقد اشتقت اليك كثيراً.

محمود : وانا كذلك حبيبي يوسف. هل انت بالقرب من امك؟

يوسف : اجل انها هنا في المطبخ منشغلة باعداد الطعام.

محمود : إذاً اخبرها بانني سازوركم اليوم واتغدى معكم. ساصل عندكم بحدود الثانية.

يوسف : يا سلام. هذا خبر مفرح جداً. نحن سنكون بانتظارك يا خالي.

اغلق يوسف الخط وقال لامه،

يوسف : يقول خالي انه سيأتي ليتغدى معنا.

مريم : خبر جيد جداً، ساتصل بابوك كي يعجل من عودته الى البيت حتى نتغدى سوية. اعتقد ان خالك يزورنا اليوم بمناسبة عيد ميلادي السادس والثلاثين. مع انني ما عدت احتفل به.

جففت مريم يدها بالمنشفة ثم اخذت الهاتف من ابنها وصارت تضرب على شاشة هاتفها لتتصل بزوجها حتى بدأ يرن فسمعته يقول،

رعد : كيف حالك مريومة؟

مريم : انا بخير حبيبي. متى ستعود اليوم؟

رعد : كالعادة، بعد الساعة الثانية والنصف.

مريم : هذا جيد لان اخي محمود سيأتي لزيارتنا اليوم وسوف يتناول الغداء معنا.

رعد : ممتاز، لقد اشتقت اليه كثيراً ولدي حديث مطول معه.

مريم : إذاً ارجوك لا تتأخر كما تفعل بنا كل يوم فتسبب لنا مجاعة فتاكة.

رعد : لدي اقتراح جيد، لماذا لا تتصلي بسارة وتستدعيها هي الاخرى كي تتناول الطعام معنا؟

مريم : والله فكرة رائعة. ساتصل بها بعد ان اغلق الخط معك. وداعاً حبيبي.

في تماما الثانية والنصف اوقف محمود سيارته امام بيت اخته مريم ونزل حاملاً بيده باقتين من الورد. دخل الدار ببطئ شديد فركض اليه يوسف وقبله ثم جائت اخته مريم لتراه حاملاً الورد فقبلته هي الاخرى. اعطاها احدى الباقات ثم سأل،

محمود : اين سارة؟

رد عليه يوسف قائلاً،

يوسف : خالتي في غرفة الاستقبال، لقد سبقتك يا خالو.

دخل محمود غرفة الاستقبال فنظرت اليه سارة، وقفت واعتلت وجهها ابتسامة عريضة قالت،

سارة : ما اروعك حبيبي مودي. انت لا تنسى الورد ابداً.

هنا علقت اختها مريم حين قالت،

مريم : ومعي كذلك، لم يزرني مودي ولو مرة واحدة الا وكان يحمل معه باقة ورد.

محمود : انتم لستم اخواتي وحسب بل انتن لب روحي فكيف انسى ذلك؟

جلس محمود على الاريكة فقالت له مريم،

مريم : ارجوك لا تجلس هنا. لقد اعددت السفرة في المطبخ. من المؤكد انك جائع مثلنا.

محمود : انا لست جائعاً. بل اتضور جوعاً. والروائح الصادرة من المطبخ تكاد تصيبني بالاغماء.

ضحك الجميع على جوابه وتوجهوا الى المطبخ ليجلسوا على السفرة فسأل محمود قائلاً،

محمود : واين نسيبنا البطل ابو يوسف؟ الم يرجع من عمله بعد؟

مريم : قال انه سيأتي مع الثانية والنصف لكنك تعرفه جيداً فهو لا يراعي المواعيد كعادته. (فيترچي) ماذا تنتظر منه؟

وبتلك اللحظة سمعوا الباب الرئيسي ينغلق فعلموا ان رعد قد وصل للتو فابتسموا جميعاً. نادته زوجته مريم من المطبخ قائلة،

مريم : استعجل يا رعودي، حماتك تحبك. جئت بوقتك لاول مرة بتاريخ الامة العربية والاسلامية.

رعد : دعوني اغسل يدي وسانضم اليكم على الفور. لا تبدأوا بالطعام قبل ان اتي.

بعد قليل عاد اليهم وجلس على السفرة فقالت مريم لاختها سارة،

مريم : هيا سراوي تعالي وساعديني كي نقلب الدولمة سوية.

وقفت الاختان مريم وسارة تتساعدان بقلب صينية دولمة كافية لاشباع رعيلٍ كامل من الجنود. وقف يوسف وصار يصب اللبن الرائب للجميع في اقداح زجاجية وبدأ الهجوم المباغت على العدو الغاشم.

سارة : الدولمة لذيذة جداً. لا احد يجيد طبخها مثلك يا مريومة. سلمت يداك يا اختي العزيزة.

مريم : كان ابي رحمه الله يقول ان الدولمة التي احضرها يجب ان تحمل برائة اختراع لانها الالذ بالعالم.

محمود : بالرغم من انك طاهية ممتازة لكنك لا تزالين محافظة على رشاقتك واناقتك حبيبتي مريومة. انحني لك اجلالاً واحتراماً.

وبينما هم يأكلون قال رعد لنسيبه محمود،

رعد : عزيزي محمود لدي استشارة طبية احب ان اسألك عنها بعد ان تنتهي من الطعام.

محمود : قل ما عندك الآن فانا قادر على تناول الطعام والتفكير بنفس الوقت. لا تنسى ان هذه دولمة مريم وليست اي دولمة عادية فهي لا تعيق التفكير بل تنيره. وإذا توقفت الآن فإنني سانحرم منها لانكم ستأكلون نصيبي.

رعد : بالحقيقة لدي عامل في ورشتي، انه شاب عمره 20 سنة يشكو من الربو منذ طفولته. اصيب بضيق في التنفس منذ بضعة ايام والمسكين يكاد يختنق اثناء النهار. الا نصحتني بعلاجه؟

محمود : هل يصدر من صدره صفيراً؟

رعد : اجل، صوت الازيز يصدر منه بشكل ملحوظ مؤخراً. وبالرغم من انه يستعمل بخاخاً ازرق اللون لكن البخاخ لا ينفعه هذه الايام ويشعر بتعب كبير كلما عمل ابسط المهام مع اننا اعتدنا ان نراه مفعماً بالنشاط والحيوية.

محمود : هل يخرج مخاطاً غامق اللون في الصباح الباكر.

رعد : اجل، هذا ما قاله لي بالضبط. كيف عرفت؟

محمود : يبدو مما اخبرتني انه يعاني من التهاب رؤوي حاد. الامر ابسط مما تتصور. ساكتب له حبوب كورتي كوستيرويد ومضاد حيوي وعليه ان يستمر في استعمال بخاخ الفنتولين الازرق عند اللزوم. قل له ان يزور عيادتي غداً. ارجوك اخبره ان زيارته ستكون مجانية.

رعد : شكراً لك نسيبي العزيز وبارك الله فيك. فالولد يتيم ومسكين وهو يعيل اخوانه الاربعة.

يوسف : انا فخور بخالي محمود. فهو اعظم طبيب بالعالم. وهو يحسن لمرضاه العاجزين عن دفع المعاينة.

محمود : وانا فخور بك لانك اذكى ولد بالعالم. ربما هي جينات المرحوم جدك الذي ورثتها عنه. لذلك اسميناك يوسف تيمناً به.

مريم : من باب الفضول، اخبرني يا مودي، لماذا ارى بعض الادوية مطلية باللون الازرق واخرى بالوان اخرى. هل هناك سبب في طلائها بهذه الالوان؟

محمود : أجل طبعاً، فعادةً وبالحياة اليومية يشكل اللون الاحمر علامة الخطر أي (طوارئ). لكن في الطب يكون اللون الاحمر يشير حصراً الى سائل الدم (البلازما) لذلك يرمز اللون الازرق الى الحالات الاضطرارية او (عند اللزوم) الا تلاحظون بالمسلسلات الطبية ينادون عند الطوارئ (code blue) ؟ وبما ان بخاخ الفنتولين يستعمل عند اللزوم فهو مصبوغ باللون الازرق لانه يستعمل لدى الحاجة اي عند الطوارئ.

مريم : والله كلما تحدثت اليك تعلمت منك شيئاً جديداً يا اخي الحبيب.

يوسف : بالتأكيد خالي مودي اذكى رجل بالعالم وسوف اصبح طبيباً مثله عندما اكبر قليلاً.

رعد : تكبر قليلاً؟ هاهاها. انت الآن لا تزال 8 سنوات، وامامك سنين طويلة لتكبر وتصبح طبيباً مثل خالك.

مريم : صدقني يا رعودي، السنين ستركض بنا ونحن لا نعي ماذا يجري. فكأنها البارحة عندما وارينا ابي الثرى وذلك كان عام 2005. وها قد مر ما يقرب من 20 سنة على رحيله. وبعد وفاة والدي تزوجتك ولم ننجب لفترة طويلة حتى رتب لنا اخي موعداً مع زميلته الدكتورة تماضر جلسات علاج الـ IVF فتمكنت من انجأب حبيبي يوسف.

محمود : وانت يا سارة، الم يحن الوقت كي تغيري رأيك من عزوفك عن الزواج وتتزوجين من سرمد. فالمسكين لا زال يلح علىّ كثيراً وهو انسان متعلم مثقف وقال لي بكل صدق انه لا يهتم بما وقع لكِ في السابق وانه يتمنى ان توافقي على الاقتران به.

سارة : ارجوك مودي، اتركني بحالي فانا لا اريد الزواج باي رجل. ففي اول شجار يقع بيننا بعد الزواج سيعيّرني بما مضى. انا اعرف الرجال جميعهم وكيف يفكرون. أنسيت انني طبيبة نفسية؟

محمود : اسمعي مني جيداً يا سارة، خلال السنين الطويلة الماضية حاولنا العثور على ذلك المجرم الذي اعتدى عليك وانا بدوري جندت الكثير من رجال الشرطة والمحققين هنا في بغداد كي يعثروا عليه لكنهم اجمعوا انه لم يعد موجوداً بسجلاتهم لا من قريب ولا من بعيد. يجب علينا ان نكون متيقنين من موته واختفائه عن الصورة الى الابد. ولهذا يجب ان تواصلي حياتك كما يجب وان لا تجعلي تلك الحادثة عقبة في السير قدماً بحياتك.

أمالت سارة رأسها وحركت كتفها للاعلى وكأنها تقول بانها لا تريد الزواج ابداً. هنا علق يوسف على ما قال خاله،

يوسف : انتَ يا خالي، تنصح خالتي بالزواج وانت ما زلت اعزباً. متى سأرى ابن خالي يلعب معي؟

رعد : يوسف لديه الحق يا نسيبي، متى سنفرح بك؟ الم يأتي اليوم الذي نخلص من همك ونأكل الدولمة وحدنا؟

محمود : إذاً لقد دفعتموني على ان افتح الموضوع وازف لكم الخبر السعيد قبل اوانه. فاخيراً قررت ان ارتبط ببنت الحلال. انها الدكتورة تماضر التي تعرفونها جيداً. آن الاوان ان أرتبط بها بشكل رسمي.

بدأت اخته سارة تهلل باعلى صوتها وقالت،

سارة : يا له من خبر مفرح سعيد ومتى سنذهب لخطبتها من ذويها؟

محمود : كما تعلمون ان والدها متوفي رحمه الله لكن خالها سينوب عنه. ما رأيكم؟ هل نذهب يوم الخميس القادم لنطلب يدها رسمياً؟

يوسف : سوف يوافقون على اعطائك الدكتورة مباشرة ودون تردد يا خالي بعد ان يشاهدونني لانني وسيم جداً وهذا يعني انكم سترزقون بفتىً وسيماً مثلي.

ضحك الجميع على تلميحات يوسف فقال ابوه،

رعد : انت وسيم حقاً ولكن ما الفائدة؟ فاشل بالدراسة.

مريم : ما هذا الكلام يا ابو يوسف؟ لماذا تكسر بمعنوات الطفل. فقد كان الثالث على صفه هذا الشهر.

رعد : انا اردته ان يكون الاول. فماذا يعني الثالث؟ لا شيء.

مريم : على العموم سوف نكون جاهزين يوم الخميس لنخطب لك الدكتورة حبيبي مودي.

محمود : دعنا نشرب الشاي المختمر الآن فانا لا استطيع ان اتنفس بعد تلك الوجبة الدسمة. اشعر ان بطني ستنفجر.

في الايام التي تلت كان جميع افراد العائلة يستعدون للذهاب الى منزل خال الدكتورة تماضر لغرض خطبتها على الدكتور محمود. وبنفس الوقت كانت عائلة تماضر يعدون العدة لاستقبال زوارهم الذين سيأتون اليهم في يوم الخميس مع الساعة السابعة ليلاً ليطلبوا يد ابنتهم. فلقد قامت زوجة خال تماضر بانزال جميع ستائر البيت وقامت بغسلها وكويها وتعليقها مجدداً. بينما اوصى خالها احدى شركات التموين باعداد وجبات جاهزة تكفي لخمسين شخصاً. اما خادمتهم فقد قامت بتنظيف الدار بشكل كبير لا يخضع له الا بايام الاعياد والعطلات الرسمية.

وفي الخميس باليوم المنتظر، اخبر محمود المستشفى التي يعمل بها انه سيغيب بعد الظهر لانه سيكون منشغلاً بخطبته. لذا قام زملائه وزميلاته من الاطباء والممرضات باعداد حفل صغير يعربون له عن فرحتهم الشديدة بقدومه على خطبة زميلتهم الدكتورة تماضر. وفور انتهاء الاحتفال المصغر، خرج محمود من المستشفى وتوجه الى الحلاق كي يحلق رأسه وذقنه بشكل احترافي حتى يصبح منظره لائقاً بالمساء.

وفي منزل مريم اجتمع افراد العائلة جميعاً وصاروا يتفقدون الهدايا التي اشتراها محمود لخطيبته والتي ساعدته اخته الكبرى سارة بانتقائها ثم تفقدوا الكيكة الكبيرة وباقة الورد المبالغ في حجمها وركبوا بثلاثة سيارات لينطلقوا بها الى منطقة المنصور حيث يقع منزل خال الدكتورة تماضر. وفور وصول الركب، اصطفت السيارات وراء بعضها البعض في تمام الساعة السابعة والربع فخرجت جميع عائلة الدكتورة، كباراً وصغاراً ليستقبلوا افراد عائلة محمود. وقف الجميع امام المنزل الكبير يصافحون بعضهم البعض ثم دخل الجميع الدار وسط زغاريد النساء وضحكات الرجال الصارخة معربين عن سعادتهم بهذا اليوم المشهود.

وبعد ان قُدّمَتْ العصائر والمأكولات الخفيفة على الجميع. بدأ رعد الحديث حين قال، "سيداتي سادتي، اليوم جئناكم بمهمة كبرى وصعبة للغاية وهي طلب يد ابنتكم الدكتورة تماضر على نسيبي الدكتور محمود آملين منكم ان لا ترجعونا خائبين لاننا لم نصدق انفسنا عندما علمنا اننا سنتخلص اخيراً من محمود بعد كل تلك السنين التي عانيناها منه". عم الضحك بين الجميع وعلموا انه كان يقصد الدعابة فقط. بعدها اردف قائلاً، "نريد ان نسمع رأيكم بالموضوع وما هي شروطكم فنحن مستعدون لكل ما تطلبون".

وقف خال الدكتورة وقال، "بصفتي خال تماضر الجميلة التي هي قطعة من روحي، اعلن لزوارنا الكرام اننا راضون تماماً على طلبكم وان لدينا علم مسبق برغبة الخطيبين بالارتباط بينهما بالنظر الى السنين الطويلة التي عملا من خالالها بزمالة العمل في المستشفى. لذلك نحن نرحب بالخطبة ونأمل من الباري عز وجل ان يبارك بتلك الزيجة التي ستتكلل بربط عائلتينا مع بعضها البعض، نحن موافقون بالتأكيد. اما بخصوص المطالب، فنحن لا نطلب سوى كتاب الله مقدماً و5 مليون دينار مؤخراً".

بدأت الزغاريد تأتي من كل حدب وصوب وصارت النساء تنثرن قطع الحلوى بالهواء تعبيراً عن سعادتهم بذلك اليوم المشهود. وقفت سارة وقالت، "بصفتي الاخت الكبرى لأخي وحبيبي مود... اقصد محمود اود ان ادعو الخطيبين لتلبيس الحلقات. تفضلا معي رجاءاً".

وقف محمود وتماضر وسارة واتجها الى وسط غرفة الاستقبال. عم الهدوء على الجميع وصاروا ينظرون الى الخطيبين. وقفت معهم سارة حاملة علبة تحوي المجوهرات بينما وقفت سعاد زوجة خال تماضر ومعها علبة خواتم حمراء صغيرة. اخرجت سارة خاتماً من العلبة واعطته لاخوها محمود واعطت سعاد خاتماً لتماضر. ألبس محمود خطيبته خاتمها فاستجابت تماضر بالباس خطيبها محمود خاتمه فقبلها من وجنتها ورفعا يديهما اليمنى بالهواء ليبدأ وابل من الزغاريد والتصفيق والضجيج الذي يصم الآذان. وبعد ان هدأت الزغاريد قام محمود بتقديم عُقْدٍ ثمين مصنوع من العقيق والزمرد فحاولت تماضر ارتدائه بنفسها على رقبتها لكنها فشلت في ربط السلسلة كما كانت تريد فساعدها خطيبها بربط العقد بعد ان رفعت شعرها للاعلى. التفتت تماضر اليه وصارت وجهاً لوجه مع خطيبها فقبلها من وجنتها ثانية وهنا بدأت موجة جنونية من الزغاريد تصم الآذان لتملأ ارجاء المنزل. استمروا بالزغاريد لوقت طويل ثم هدأت زغاريد النساء ليبقى صدى الزغاريد يجول بالبيت. استغرب الجميع على ذلك الصدى الغريب وتلك الضاهرة الغير مسبوقة. فكيف يبقى صدى الزغاريد يدور بالغرفة بعد ان اغلقت النساء افواهها؟ ما هذه الحالة الغريبة التي لم تقع لاي واحد منهم بمثل تلك المناسبات؟ بقي الصدى يسمع بالغرفة لفترة طويلة حتى تبين للجميع انه بالحقيقة والواقع ليس صدى زغاريد بل هو صوت صافرة سيارة اسعاف تأتي من الشارع من خارج المنزل. امر خال تماضر احد اولاده الصغار كي يخرج ويستقصي الامر. فانطلق ثلاثة اولاد وبينهم يوسف ليقفوا على سبب استدعاء سيارة الاسعاف. بقي الحضور هادئين يتهامسون فيما بينهم ويتأملون خيراً. حتى عاد يوسف مسرعاً وقال باعلى صوته واعلن للجميع، "وقع حادث دهس لطفلة عمرها 10 سنوات بهذا الشارع على بعد خمسة منازل من هنا وطلبوا لها سيارة اسعاف".

وقف محمود بشكل لا ارادي وركض نحو الباب فامسكت به اخته مريم وقالت،

مريم : الى اين انت ذاهب يا مودي؟ هذا امر لا يعنيك لا من قريب ولا من بعيد. انت هنا ضيف ولست بالمستشفى.

محمود : اتركيني يا مريومة، سالقي نظرة واحدة وحسب.

وقفت خطيبته تماضر وركضت وراء خطيبها فامسك بها خالها وسألها،

الخال : الى اين يا تماضر؟ ابقي جالسة فالجميع ينظر اليك. لا تخجلينا ارجوكِ.

تماضر : ساعود، ساعود حالاً. لا تقلق يا خالي.

خرج محمود وتماضر من منزل خالها وخرج ورائهم بعض الفضوليين من غرفة الاستقبال. ركضا بالشارع حتى وصلا الى موقع الحادث فرؤوا المسعفين يحاولون تدليك قلب المصابة واعطائها اوكسجين من خلال كمامة ثبتت على وجهها. لكن المصابة توقفت عن التنفس فصرخت الدكتورة تماضر وقالت،

تماضر : يا الهي، انظر يا مودي انهم يخنقون الفتاة وسوف يقتلوها.

محمود : اجل انها لا تتنفس. من الواضح ان لديها حالة Tension pneumpthorax ورئتها لا تتلقى الاوكسجين. يجب ان يقوموا بعملية ثقب الصدر كي يزيلوا التوتر باستعمال Thoracostomy . نظر الى المسعفين وسألهم إن كانوا يعرفون ذلك الاجراء. فاجاب أحدهم وقال بانه رأى طبيباً يجريها من قبل لكنه لا يعرف كيفية تطبيقها بشكل عملي وانه يخاف ان يعملها مخافة ان يقتل المصابة. فاخبره محمود بانه طبيب جراح بالمستشفى ويمكنه ان يقوم بها بنفسه ففسحوا له المجال وتراجعوا للخلف. اقتربت منه خطيبته تماضر وقالت،

تماضر : هيا حبيبي قم بالعملية. وانا ساساعدك.

محمود : إذاً مزقي ملابس الطفلة وعري صدرها بسرعة.

تماضر : لحظة واحدة حبيبي. ها قد فعلت، تفضل.

نظر محمود الى المسعف وسأله،

محمود : الديكم مشرط طبي؟

المسعف : اجل يا دكتور تفضل. انه مغلف وجديد.

امسك محمود بالمشرط وبقي يلامس صدر الطفلة باصابعه حتى عثر على الموقع الملائم فطعنها بالمشرط ليدخله في صدرها. بتلك اللحظة الحرجة لاحظ الجميع انها عادت تتنفس. قال،

محمود : دعونا ننقلها الى المستشفى فوراً.

المسعف : اي مستشفى تريد يا دكتور؟

تماضر : خذنا الى مستشفى الشفاء القريب منا. وانا ساذهب معكم.

المسعف : حاضر يا دكتورة.

ركبت تماضر وخطيبها محمود بسيارة الاسعاف وانطلقوا باتجاه مشفاهم. بقي باقي الضيوف يضربون الاخماس بالاسداس متعجبين من مراسيم خطوبة طبيب على طبيبة وكيف انتهى بهم الامر ان رحلوا بسيارة اسعاف تاركين المدعوين وحدهم. وفور وصول سيارة الاسعاف الى المستشفى كان طاقمٌ طبيٌ كامل ينتظرهم على اثر الاتصال الهاتفي الذي اجراه الدكتور محمود معهم عندما كان بالطريق بداخل سيارة الاسعاف. أُنزلت الطفلة المصابة وركض الى جانبها محمود وتماضر ليدخلاها غرفة العمليات. ارتدى الطبيبان صدرياتهم الخضر وعقموا ايديهم ثم دخلوا ليعملوا كل ما في وسعهما لانقاذ حياة الطفلة. وبعد فترة لم تدم اكثر من ساعة خرجت الدكتورة تماضر لتقابل والد الطفلة الذي كان بحالة يرثى لها وطمأنته على حالة ابنته لتخبره ان كل شيء اصبح على ما يرام وقالت ان ابنته ستنقل بعد قليل الى وحدة العناية المركزة.

مرت نصف ساعة اخرى حتى خرج محمود من غرفة العمليات مرتدياً بدلته الانيقة قال،

محمود : ستبقى في الـ ICU ليومين اخريين ثم ستعود للبيت. سنلقي عليها نظرة انا والدكتورة تماضر هناك. لا يمكن لاهلها زيارتها حتى آذن لكم بذلك. هيا تعالي معي يا تماضر.

أُخرجت الطفلة على نقالة من غرفة العمليات وأخذت الى وحدة العناية المركزة فتبعهم الخطيبان ودخلوا معها. رقدت الطفلة على سرير خاص وربطوا بجسمها مجسات ثلاثة تحيط بمنطقة القلب ثم وضعوا كمامة اوكسجين على وجهها والبسوا اصبعها بمشبكٍ يتابع النبض ونسبة الاوكسجين في دمها. نظر محمود الى حالتها وقال،

محمود : الآن انا راضٍ تماماً عن حالتها. دعينا نخرج لنطمئن ذويها لانهم بلا شك قد اصيبوا بالقلق اثر...

قاطع كلام الدكتور صوت رجل يسعل بشدة وكأنه يحتضر من حدة السعال. الصوت كان يأتيه من السرير المجاور بداخل وحدة العناية المركزة. اصيب محمود بالفضول وقرر ان يحاول مساعدة ذلك المريض الذي كان يسعل بعنف شديد فوجده رجلاً في اواخر الاربعينات من العمر وحيداً ولا يساعده احد من الممرضين او الممرضات. اقترب منه ورفع كمامة الاوكسجين عن وجهه ليتبين الامر ففتح المريض عيناه لينظر الى محمود فاصيب محمود بالذهول. كان ينظر الى الرجل وكأنه قد رأى فرداً من الجن. بقي محدقاً به فجاء الى مسمعه كلام الدكتورة تماضر من خلفه حين سألته،

تماضر : ما هي المشكلة حبيبي؟ لماذا تنظر الى هذا المريض بهذه الشكل؟ هل تعرفه؟

لكن محمود بقي صامتاً مشدوهاً ينظر الى عيني الرجل ذات اللونين اليمنى زرقاء واليسرى سوداء. بدأت تتهافت على رأسه ذكريات اليمة عمرها يقرب من ربع قرن وظل يسأل نفسه، "أيعقل ان يكون هذا الرجل الذي اغتصب اختي بدمشق؟ انا متاكد من انه هو نفسه ذلك الرجل الراقد امامي؟ ماذا كان اسمه يا ترى؟ كان يبدأ بحرف الميم مهند، منذر، مفيد، لا، لا، دعني اسأله لاتأكد فانا لا اريد ان اظلم احداً"

محمود : ما اسمك يا حاج؟

الرجل : اسمي ميثم يا دكتور.

قالها وعاد يسعل من جديد سعالاً يثير القلق.

محمود : الآن عرفتك يا حاج. انت اسمك ميثم عبد السلام، انت احد مرضاي اليس كذلك؟

الرجل : كلا يا دكتور انا اسمي ميثم سامر العتبي.

بتلك اللحظة الحاسمة تأكد محمود انه امام نفس الوحش الكاسر الذي دمر حياة اخته الى الابد وقتل قريبه سامي وقام بتشتيت العائلة برمتها في دمشق. حقاً ان الله يمهل ولا يهمل. علم ان المجرم عاد وسقط بين يديه كي ينتقم منه ويغلق الملف مرة واحدة وإلى الأبد، فلطالما تسائل مع نفسه ليقول، "يا ترى هل لا يزال المجرم على قيد الحياة؟ هل عاد الى العراق ام بقي في سوريا؟ هل سيتسنى لي يوماً ان اراه وانتقم منه واقطع لحمه بانيابي بل باظافري؟. هذه ليست صدفة لا لا لا انها لم تكن صدفة ابداً. انها هدية، هدية من السماء بعثها الله ربي من الاعلى ليبارك ارتباطي بالدكتورة تماضر. انه يوم السعد يوم الحظ يوم الانتقام. آآآآآه سانتقم منك يا كلب". هنا سأل نفسه كيف سيتصرف؟ فهو طبيب وعليه ان يعالج. اجل يعالج وما معنى كلمة يعالج؟ هل يعالج الوحوش ام يعالج البشر؟ هذا الوحش الآن تحت رحمته وبين يديه. بامكانه ان يقوم بقتله دون ان يعلم به اي انسان. وهل سيلومه احد إن علموا بما فعل هذا السافل بعائلته وباخته بالتحديد؟ يجب ان يقوم بشيئ. ولكن ماذا؟ ماذا؟ ماذا؟

فتح صمام الاوكسجين للمريض وعدل من مجلسه واعطاه كوب ماء ليشرب ثم قال له،

محمود : ستتحسن حالتك يا حاج ميثم.

وسط المزيد من السعال المتواصل اجاب ميثم قائلاً،

ميثم : انا لست حاجاً. ولا يشرفني ان اكون حاجاً. فانا ولدت ملحداً وساموت ملحداً. دع الساذجين الاغبياء يؤمنون بما يحلوا لهم.

محمود : لا تقل هذا يا رجل. على العموم انت الآن بحالة احسن وبامكاني ان انقلك الى غرفة خاصة لترتاح بها وحدك.

ميثم : شكراً لك يا دكتور. اخيراً وجدت من يهتم بحالتي فانا مرمي بهذا القاووش كالكلب منذ الامس.

نظر محمود الى خطيبته وقال لها،

محمود : هيا، دعينا نخرج يا دكتورة.

خرج الطبيبان من قاعة العناية المركزة ومشيا خارج الردهة فرأوا والد الطفلة ووالدتها وهم يبكون بحرقة وبقلق شديد. فور رؤيتهم للطبيبين يهمان بالخروج من الباب. ركضوا اليهما وسألوهما عن حالتها فقال محمود،

محمود : ابنتكم سندس بخير حالتها مستقرة الآن وستكون على احسن ما يرام. لا تقلقوا ارجوكم. اجرينا لها عملية بسيطة وستتحسن بعد ايام.

والدها : هل يمكننا رؤيتها؟

محمود : امنحوها ساعة فقط ثم ساسمح لواحد منكما الدخول اليها بوحدة العناية المركزة ولكن فقط لمدة 5 دقائق مفهوم؟

والدها : مفهوم يا دكتور. دعني اقبل يديك فانت انقذت حياة ابنتي.

محمود : استغفر الله، هذا واجبي يا اخي لا تقل ذلك.

مشى محمود بالممر مع خطيبته تماضر فنظر اليها وقال،

سامحيني حبيبتي ان اطلب منك هذا الطلب. لكنني اشعر برغبة ملحة لشرب القهوة بعد كل ذلك التوتر الذي مررنا به الليلة. الا جئت لي ولنفسك بفنجاني قهوة من الآلة بالمدخل الرئيسي للمستشفى؟

تماضر : بالتأكيد حبيبي. ولكن، الى اين انت ذاهب؟

محمود : سادخل الحمام لاقضي حاجتي ثم سالقاك في الطابق الرابع.

تماضر : الرابع؟ ولماذا الطابق الرابع؟ ماذا لديك هناك؟ ماذا ستفعل بالرابع؟

محمود : ستعرفين لاحقاً يا عمري. لا تنسي القهوة فنسبة الكافايين بدمي قد هبطت وانا بحالة مزرية.

تماضر : اكيد يا احلى واوسم خطيب بالعالم. من سيجلب لك القهوة غيري يا روحي؟

ذهبت الدكتورة تماضر وتوارت عن الانظار لتجلب القهوة لخطيبها فنادى الدكتور محمود احدى الممرضات وامرها بنقل المريض ميثم سامر العتبي من قاعة العناية المركزة الى غرفة رقم 423 في الطابق الرابع فوراً. اتجه محمود الى المراحيض ليمكث هناك اكثر من نصف ساعة كاملة ثم خرج منها وركب المصعد متجهاً الى الطابق الرابع. دخل غرفة رقم 423 فوجدهم قد احضروا المريض ميثم فعلاً وثبتوا قناع الاوكسجين على انفه وباقي الاسلاك ثبتوها على اصبعه وصدره. كذلك ادخلوا قنية في ذراعه لحقن الدواء من خلالها. طلب الدكتور من الممرضتين الخروج ليبقى وحده بالغرفة مع المريض فخرجتا وبقي الدكتور وحده. اقترب من سرير المريض ميثم وقال له،

محمود : كيف تشعر الآن يا ميثم؟

ميثم : انا ما زلت على قيد الحياة.

اخرج الدكتور محمود من جيبه ابرة تحتوي على سائل ابيض وحقنها بالقنية فسأله المريض،

ميثم : ما الامر؟ بماذا حقنتني الآن يا دكتور؟

محمود : لا تقلق يا ميثم انها ابرة ستريحك كثيراً. انها مادة تسمى Triglycine sulfate. ولكن دعني اسألك، هل سبق لك وان عشت في دمشق؟

بقي ميثم مشدوهاً يحدق بريبة كبيرة في وجه محمود فسأله بتردد،

ميثم : وانت لماذا... اقصد ما السبب الذي دفعك كي تسأل هذا السؤال يا دكتور؟ وما علاقة دمشق بمرضي؟

محمود : لا لسبب ابداً، فقط لانني اعتقد ان وجهك مألوف لدي. ربما رأيتك من قبل هناك.

ميثم : كلا انا لم اذهب الى دمشق في حياتي. بالحقيقة انا لم اغادر العراق منذ ان ولدت. ولا احب مغادرة العراق. لانني رجل وطني جداً واحب بلدي.

محمود : والآن اخبرني يا ميثم، كيف تشعر؟ هل هناك تحسن؟

ميثم : لا اعرف يا دكتور لا اعرف ماذا حل بي لكنني اشعر ان لدي احساس غريب بجسدي وان لساننننني صار ثقيلاً ولا اقققققققدر ان اتحدث بسسسهوولة.

محمود : لا تقلق يا ميثم هذا فقط تأثير السم الذي حقنتك به قبل قليل. انه الـ TGS.

ميثم : سسسسم؟ هل قلت سم؟ اي سم هذا؟ لماذا حقنتني بسسسسم؟

محمود : اجل سم، لا تقلق كثيراً انه سم من نوع خاص مميت وسوف يريحك راحة ابدية بعد تقريباً... بعد تقريباً...

نظر الى ساعته وقال،

محمود : بعد ساعة فقط من الآن. لانك ستنام نومة ابدية مريحة.

ميثم : ماذذذذذا تقصد ابدية؟ ماذا سيحل بي؟

محمود : يعني ستموت والله لا يرحمك ولا يرضى عليك، سنواري جسدك بالغائط بدلاً من التراب عندما تنفق.

ميثم : لماذا يايايا دكـ دكـ دكـ تور؟ ماذا فعلتُ لك؟ انت طبطبطبـ طبيب ولست مجرم. كيف تسقيني السم؟

محمود : الم تسقيني انا وعائلتي السم في دمشق؟ الم تغتصب اختي سارة وهي في سن السابعة عشر فقمت بتدمير حياتها وحياة العائلة برمتها؟ الم تقتل ابن عمنا سامي يا مجرم.

هنا حاول ميثم ان يصرخ ليستنجد بالممرضين والاطباء لكن طاقته لم تسعفه. كان يشعر بوهن كبير وصوته كلما حاول الصراخ كان يخبو. فسكت قليلاً ثم قال،

ميثم : أنت ذلك الولد الصغير ابن يوسف اليس كذلك؟

محمود : اجل انا محمود يا ميثم. انا الطفل مودي الذي رأيته ببيت المرحوم سامي بعد ان قتلته بدم بارد ودفنته على الحدود بداخل قبر سطحي. انا الطفل الذي دمرت حياته وحياة عائلته برمتها في تلك الليلة المشؤومة لتجري وراء نزواتك وشهواتك الجنونية.

ميثم : انت فاهم الققققـضية بشكل خاطططططئ يا ولد. انا لم... لم... اغتصب اختك. هي التي ارادت ان اجامعها فجامعتها لانني كنت شاباً مليئاً بالحيوية وكانت هي جامحة في رغبتها الجنسية. كانت تتودد إليّ قبل ان نعمل ما عملنا سوية. كانت تبعث لي بالغمزات والقبل الهوائية عندما كنتم غير مدركين لما يجري بيننا.

محمود : يا لك من كذاب سافل. سابعثك الى القبر كي تنال عقابك لمن لا تضيع عنده الحقوق. عند الملك القدوس الذي لا تخافه ولا تؤمن به يا كافر.

ميثم : انتظظظظر يا رجل ارجوك ماذا يسعني ان اعمل كي تنقذني؟ اتوسل اليك.

هنا اخرج محمود ابرة ثانية تحتوي على دواء ابيض شفاف من جيبه وقال له،

محمود : لدي الترياق لهذا السم الذي حقنتك به. اذا قمت بحقنك الترياق فسوف يقاوم السم وستنجو يا مجرم.

ميثم : إذاً احقـ... احقني به. ما ما ماذا تنتظر؟ هيا قم بحقني فانا لا اريد ان اموت. ارجوك محمود.

محمود : فقط اريد منك الحقيقة كي يرتاح ضميري ويهدأ بالي. قل الحق وسوف احقنك بالترياق لتعيش.

ميثم : لققققد قلت لك الحقيقة وليس عندي غيـ غيرها. اختك هي التي دفعتني لمضاجعتها. كانت شغوفة وتحب الجنس بشكل كبير.

محمود : إذاً ساتركك تموت بسلام. لاحظ ان لديك من الوقت المتبقي 51 دقيقة فقط.

قالها وهم بالخروج من الغرفة فناداه ميثم قائلاً،

ميثم : انـ انـ انتظر يا محمووود. اختك هي عاهر ساقطة اغوتني وارادت ان تمارس الجنس معي. انا فقط لبيت طلبها.

محمود : يا لك من سافل. لا تزال تصر على الكذب. ستموت وتدفن بوسط المزابل.

ميثم : لا ارجوك لا تفعلها. ماذا سسسـسيجري بي الآن؟

محمود : حسناً، بما انك تودع هذه الدنيا فاعتقد ان من حقك ان تعرف كيف ستسير الامور ببدنك. دعني اضعك بالصورة:

اولاً : سيبدأ قلبك بعد قليل بالخفقان ثلاثة اضعاف سرعته المعتادة.

ميثم : الخفقان بدأ فعلاً. اشعر ان قلبي يكاد يخرج من صدري من شدة الضر ضر ضرب.

ثانياً، زيادة التورم حول مكان حقن الابرة. وهذا ما اراه يحصل الآن. ثالثاً، ستشعر بتيبس أو محدودية الحركة في المنطقة المحيطة للقنية. عظيم، عظيم، هذا بدأ يحدث كذلك. رابعاً، ضعف، تدلي الجفون، صعوبة في الكلام والتنفس. وهذا ايضاً بدأ يحصل معك يا ميثم مبروك. خامساً، مشاكل نزيف، غثيان، دوار. بالحقيقة النزيف لم يقع لك بعد لكن الشعور بالغثيان يراودك منذ دقائق اليس كذلك؟

اومأ ميثم برأسه يؤيد الاحساس بالغثيان.

محمود : سادساً، صعوبة التنفس والشعور بالاعياء. اجل، اجل، نحن في صدد الاقتراب منه كثيراً.

رفع محمود يده اليسرى ليتفحص الوقت على ساعته اليدوية قال،

محمود : 28 دقيقة. ليس امراً سيئاً. دعني اواصل حديثي.

ميثم : ار ار ارجوك انقذني. لا اريد ان اموت. ارجوك توقف عن قتلي.

محمود : تريدني ان اتوقف؟ ما هذا يا رجل؟ لقد بدأت اللعبة للتو. دعني اكمل حديثي، ستشعر بتورم في لسانك ويبقى ينتفخ حتى يغلق فمك فيصبح الكلام مستحيلاً. هذه الضاهرة ستقع لك بعد 5 دقائق إن شاء الله.

ميثم : تتتتتتتـ توقف، توقف، توقف، انا ساعترف لك بكل شيء. ولكن احقني بالترياق اولاً.

محمود : لا، لا ترياق قبل الاعتراف، انا آسف.

ميثم : سأ، سأ، سأتكلم.

محمود : هيا تكلم فانا مشغول وعلي ان ارجع الى بيت خطيبتي. اليوم لدينا خطوبة (يوم الالك).

ميثم : انا فعلاً اغتصبت اختك رغم عن انفها. لكنها قاومتني ونطحتني برأسها. انا لازلت احمل ندبة على جبيني اثر تلك النطحة الشديدة انظر الى الندبة. اختك العاهر السافلة نطحتني كالمعزة.

محمود : دخلنا بيتك وتوقعنا منك ان تستضيفنا. فهل هذه شيمة المضيف؟

ميثم : البيت لم يكن بيتي بل هو بيت سامي. لذلك كنت انام فيه بضعة ايام فقط حتى اجد لي بديلاً. لكنكم دخلتم علي فجأة فتضاهرت باني استضيفكم.

محمود : وماذا عن سامي؟

ميثم : قريبكم سامي كان رجلاً طمـ طمـ طماعاً جداً. كنا نعمل سوية بتهريب البضائع من والى لبنان. وفي احدى العمليات انكر علي مبلغاً كبيراً فتخلصت منه.

محمود : كم كان المبلغ؟

ميثم : الف دولار. ***

محمود : قتلته من اجل الف دولار يا سافل؟ والآن اخبرني ماذا قصدتَ بـ (تخلصت منه)؟ تكلم بوضوح الوقت يداهمك وستموت بعد 4 دقائق.

ميثم : قتلته وواريت جسده التراب. هل انت سعيد؟ هيا احقني بالترياق هيا.

محمود : كيف قتلته أوضح كلامك؟ باقي من الوقت دقيقتان.

ميثم : خنقته بيدي وغرزت اصابعي برقبته العفنة. ذلك الخائن السارق الحقير. وانا لا اندم على ما فعلت به ابداً.

محمود : وماذا كان اسمه الكامل؟ هل تتذكر اسمه الكامل يا ميثم؟

ميثم : اس اس اسمه سامي العبدالله. هيا لقد قلت لك كل شيء. اتوسل اليك احقني بالترياق. فالوقت يداهمنا.

هنا وبصوت عال صاح الدكتور محمود، "هل سمعت الاعتراف يا عميد سمير؟". انفتح باب الغرفة ودخل عميد الشرطة سمير ومعه رجلين من رجال الامن المسلحين قال،

عميد سمير : اجل لقد سمعت كل شيء. عفاك يا دكتور.

محمود : ولزيادة الاحتياط، قمت بتسجيل هذا الاعتراف على هاتفي المحمول كي لا يتمكن من التملص من العقوبة التي تنتظره.

ميثم : هل كا... كا... كانت كلها لعبة تلعبها عليّ؟

محمود : اجل كان فخاً مهيئاُ بتنسيق رائع بيني وبين سيادة العميد. بامكانك ان تسميها دعابة بسيطة اردت ان ارفه فيها عنك. فما حقنتك به هو ليس سم كما اخبرتك بل مادة مخدرة خفيفة مستخلصة من الاوپيويد. انه ليس سماً ابداً. كنت امازحك وحسب يا رجل الا تحب المزاح؟ لكن عقلك المريض اقنعك بانك محقون بسم قاتل حتى استطيع ان اسحب منك اعترافاتك الكاملة يا ناقص.

ميثم : لكنك قلت ان السم اسمه TGS.

محمود : لا تبقي في بالك يا عزيزي. كانت تلك مزحة فقط.

ميثم : لعنك الله يا حقير.

محمود : لكنك قلت انك لا تؤمن بالله. فلماذا لا تقول (لعنتك الآلهة او لعنتك هبل) هاهاهاها.

ميثم : صدقني ساخرج من الحبس يوماً وساغتصب جميع من تحب واولهم خطيبتك الدكتورة. ثم ساقتلك شر قتلة.

التفت يوسف الى العميد سمير وقال، اضف الى الاعترافات التهديد بالقتل.

بهذه الاثناء دخلت الدكتورة تماضر الى الغرفة وقد عرفت بكل تفاصيل الكمين الذي اعده خطيبها بعد ان اخبروها رجال الشرطة خارج الغرفة قالت،

تماضر : انت حقاً عبقري حبيبي مودي. كيف تمكنت من ترتيب تلك الخطة المحكمة بسرعة البرق وبالوقت المناسب؟ هيا اخبرني.

محمود : عندما اخرجت المريض من وحدة العناية المركزة وطلبت من الممرضة كي تأخذه الى غرفة رقم 423 في الطابق الرابع وخياري لها كان بسبب كونها غرفة معزولة وبآخر الممر ولا يُسْمَعْ ما يدور بداخلها. دخلت المراحيض واغلقت على نفسي الباب ثم تحدثت بهاتفي النقال مطولاً وبصوت خافت مع سيادة العميد سمير. اخبرته بتفاصيل الجريمة التي وقعت في دمشق قبل عقدين من الزمان. قال بان افضل طريقة للايقاع بالمجرم هي ان نطلب من شرطة سوريا ارسال صورة من بصماته ثم نقارنها بتلك البصمات. فاخبرته ان الحادث وقع قبل عقدين من الزمان وان البصمات قد تكون تغيرت فقال سيادة العميد سمير تبقى بصمات الأصابع ثابتة طوال حياة الفرد، حيث يبقى النمط الأساسي كما هو من الطفولة إلى البلوغ. ومع ذلك، يتغير حجم بصمات الأصابع وجودتها مع نمو الشخص.

- الطفولة (من 0 إلى 12 سنة): تتحسن جودة بصمات الأصابع بسرعة بين 0 و12 سنة، ثم تستقر بين 12 و17 سنة، لتصبح مماثلة لجودة بصمات البالغين.

- البلوغ (من 18 إلى 45 سنة): تبقى جودة بصمات الأصابع ثابتة، مع تغيرات طفيفة.

- التقدم في السن (من 40 إلى 45 سنة فأكثر): تبدأ جودة بصمات الأصابع بالتدهور تدريجيًا، مع انخفاض مرونة الجلد وتلاشي وضوح الخطوط.

تشمل العوامل المؤثرة على مظهر بصمات الأصابع ما يلي:

- النمو: يزداد حجم بصمات الأصابع، لكن يبقى النمط كما هو.

- حالة الجلد: يمكن أن يؤدي التقدم في السن والجفاف والتلف إلى تغيير مظهر بصمات الأصابع.

- الإصابات: يمكن أن تؤدي الجروح العميقة أو الندوب إلى تغيير بصمات الأصابع بشكل دائم.

هنا قلت له، سيادة العميد، انت تعلم جيداً ان سوريا مرت بانقلاب كبير غير سدة الحكم وان احتمالية العثور على بصمات هذا المجرم داخل ارسيفهم الجنائي قد يكون ضاع او اصيب بالتلف. والفترة الزمنية التي مرت على الجريمة قد تكون غيرت الكثير من منتسبي الشرطة ما بين ذلك الوقت والآن. الا يكون الاعتراف اهم من بصمة الاصابع؟ فاجاب نعم بالتأكيد ولكن كيف يمكننا ان ندفعه نحو الاعتراف. فعلى ما يبدو انه رجل مخادع وذكي بحيث تمكن من الافلات من العدالة كل تلك السنين. هنا طرحت عليه فكرة الكمين فاعجب وقال ان الاعتراف سيد الادلة وانه سوف يبقى خارج باب الغرفة 423 ليستمع الى اعترافات هذا المجرم بنفسه.

لم يتحمل ميثم تفاصيل تلك المؤامرة المحبوكة التي دبرت له قال،

ميثم : يا لك من كلب حقير. اقسم باني ساقتلك عندما اخرج من السجن. انا متاكد من ان ما عملتموه غير قانوني وسيفرج عني بسرعة لانتقم منكم.

عميد سمير : اطمئن يا سيد ميثم لأن بقائك معنا سيطول كثيراً وسترحل بعدها الى مكان لا تضيع فيه الحقوق.

نظر الى رجاله وقال، ثبتوا الاصفاد على يد المتهم بينما يرقد في سريره وستظلون تحرسوه على مدار الساعة بداخل الغرفة حتى يحين موعد نقله الى التوقيف ثم النيابة العامة.

محمود : والله سيادة العميد لا اعرف كيف اشكرك على تعاونك معي وثقتك بحكمي.

عميد سمير : انت اثبت انك تؤمن بالجريمة والعُقَابْ.

محمود : ربما تقصد الجريمة والعِقاب بكسر العين يا سيادة العميد!

عميد سمير : كلا، بل اقصد بضم العين لانك اجهزت عليه كالعُقابْ عندما هيأت له كميناً محكماً ليعترف لك. فميثم ارتكب الجريمة. وانت يا دكتور اثبت انك العُقَابْ الذي انقض عليه وامسك به بمخالب فولاذية فتاكة دون ان ترتكب اي جريمة يعاقب عليها القانون.

محمود : شكراً لك سيادة العميد على ثقتك بي وعلى تعاونك معي.

عميد سمير : لا داعي للشكر فانا لم اعمل سوى واجبي. وها انت تركت حفلة خطوبتك على الدكتورة وجئت لتنقذ حياة طفلة بريئة مؤدياً بذلك واجبك الانساني النبيل تجاهها. فكافأك الله بان وضع امامك المجرم والهمك بخطتك الذكية.

محمود : على ذكر الخطوبة فانا اتمنى ان تتمكن الحضور الى حفل زفافنا في الشهر القادم.

استدار ونظر محمود الى ميثم وقال،

محمود : كنت اتمنى ان ادعوك انت ايضاً يا ميثم لكنني اعلم علم اليقين بانك ستكون لديك التزامات اخرى وستكون منشغلاً بجلسات المحكمة، (ميخالف، خيرها بغيرها).

ادار ميثم وجهه بعيداً وهو يلعن ويشتم بابشع الكلمات النابية لم يبقي فيها شيئاً ولم يذر.

تماضر : اعتقد اننا سنعيش بسلام بعد ان تخلصنا من هذا الكابوس العفن الذي جثم على صدور الجميع وظل يلوث ذاكرة العائلة لفترة طويلة.

محمود : كنت اتمنى لو ان ابي رحمه الله كان شاهداً على هذه اللحظة الذهبية الرائعة. يوم رمينا بذلك الوغد في التهلكة وورطناه بشر اعماله.

تماضر : دعنا نخرج الآن الى بيت خالي فبعض المدعوين لازالوا مرابطين هناك ينتظرون عودتنا. كادوا يكملون اكل الكيك برمته.

همس باذنها وقال،

محمود : سنعود اليهم لكني اتحرق شوقاً لشيء مهم جداً.

فهمست باذنه هي الاخرى وقالت،

تماضر : انت لا تشبع من القبل يا مجنون. تعال في تلك الغرفة الخالية وسامنحك ما تريد ولكن دون لمس مفهوم؟

محمود : كما تشائين دون لمس فقط اسرعي.

<<< بعد مرور شهر واحد من القاء القبض على ميثم <<<

دخل الدكتور محمود مركز شرطة المنصور فرأى العميد سمير منهمكاً بكتابة تقرير ما، قال،

محمود : صباح الخير سيادة العميد. هل جئتك بوقت غير مناسب؟

عميد سمير : بالعكس دكتورنا العزيز، تفضل اجلس. لقد وقعت للتو على ملف المتهم ميثم سامر العتبي بعد ان استجوبته بكثافة وبعثته للنيابة. والآن هو بالحفظ والصون وسيرحل الى ابو غريب عن قريب منتظراً المحاكمة التي يستحقها لتؤدي به الى عشماوي بطل الابطال.

محمود : كم يثلج صدري هذا الكلام. واخيراً ستنتقم العائلة وستلتأم الجراح. اما اليوم، فقد اردت ان اتي شخصياً واسلمك بطاقة الدعوة لحفل زفافنا انا والدكتورة تماضر يوم الخميس القادم.

عميد سمير : هذا خبر مفرح جداً. بالتأكيد ستجدني حاضراً بكل طاقمي من رجال الشرطة. هاهاها.

محمود : يكفينا حظورك الكريم يا عميد انت وعائلتك الكريمة. اما الشرطة فدعهم يظلون في خدمة الشعب.

<<< في يوم الخميس وبداخل قاعة المنصور للافراح والاعراس <<<

جلست الدكتورة تماضر مرتدية بدلة عرس بيضاء جميلة صممت خصيصاً لاجلها. جلس الى جانبها خطيبها الدكتور محمود وجلست الى يمينه اخته سارة والى جانبها جلس رعد زوج اختها. همست سارة باذن اخوها محمود قائلة،

** عرس تماضر ومحمود

سارة : حبيبي مودي، اريد ان اتحدث معك بامر مهم جداً لانه صار يفوق الاحتمال. فهذا صاحبك سرمد بدأ يوترني كثيراً.

محمود : لماذا؟ ما الامر يا سراوي؟ ماذا فعل هذه المرة؟ هل ازعجك بشيئ؟

سارة : اتصل بي عدة مرات وصار يتوسل. يريد الاقتران بي من جديد.

محمود : وماذا قلت له؟

سارة : اجبته بشكل مهذب لاخبره باني لا افكر بالزواج. كم من مرة يجب ان اقول باني لا اريد ان اتزوجه؟

محمود : وما الذي تنتظرينه يا اختي؟ الرجل مغرم بك وهو غير مهتمٌ بما وقع لك قبل ربع قرن. انه رجل مقتدر وعمره لا يزيد عن عمرك سوى باربع سنوات، فما الضير في ذلك؟ لاحظي ان اختنا مريم تزوجت من رعد وكونت لنفسها عائلة جميلة لتنجب يوسف البطل. انا اليوم اتزوج من تماضر وسوف اكوّن معها عائلة إن شاء الله. وستبقين انت وحدك بهذا الشكل؟ لماذا يا اختي؟

سارة : وهل تقترح علي ان اقبل بعرضه إذاً؟

محمود : ولمَ لا يا عمري؟ الحياة لا تتوقف لدى اول انتكاسة. انت لم يكن لديك يد بما وقع لك من اعتداء. والجاني قد نال نصيبه وسوف يحكم بالاعدام قريباً. فما الذي تنتظرينه؟

سارة : إذاً، كلمه انت وقل له بانني موافقة ولكن بشروطي.

محمود : بامكانك ان تشرطي عليه بأي شيء كما يحلو لك، لانه سيرضى بما تشترطين. انت طبيبة نفسية وتتحدثين افضل مني. اتصلي به غداً وبكل لباقة اعلني له موافقتك ودعنا نتخلص منك باقرب وقت ممكن. هيا يا روحي اريد منك زغاريد مدوية تهز القاعة. اين تركت حنجرتك؟

اطلقت سارة زغرودة طويلة قوية ومدوية كادت تحطم جميع الزجاج في القاعة.

*** تمت ***

فيديوات أيام زمان

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

961 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع