الدولة بوصفها حيادًا أخلاقيًا: في معنى العلمنة المدنية وإدارة التنوّع

ذو النورين ناصري زاده

الدولة بوصفها حيادًا أخلاقيًا: في معنى العلمنة المدنية وإدارة التنوّع

في الدول التعددية، لا يُقاس الاستقرار السياسي بعدد الشعارات المرفوعة ولا بكثافة الرموز المتداولة في الفضاء العام، بل بقدرة الدولة على أن تكون إطارًا جامعًا لا هويةً مغلقة، وضامنًا للاختلاف لا طرفًا فيه. فالدولة، في معناها الحديث، ليست امتدادًا لجماعة، ولا تعبيرًا عن عقيدة، بل صيغة قانونية لتنظيم العيش المشترك بين مواطنين متعددي الانتماءات؛ وهي، وفق فلسفة العقد الاجتماعي منذ جون لوك وجان جاك روسو، كيانٌ اعتباري ينشأ لضبط المصالح المتعارضة، لا لترجيح إحداها بوصفها حقيقةً مطلقة.

من هذا المنظور، لا يكون التنوّع تحدّيًا طارئًا على الدولة، بل شرطًا تأسيسيًا لشرعيتها.
فشرعية الدولة الحديثة لا تُستمد من وحدة العقيدة، بل من قدرتها على إدارة التعدّد بعدالة. وكلما فشلت الدولة في إدارة هذا التنوّع بحيادٍ عادل، تحوّلت من كيان جامع إلى سلطة رمزية منحازة، ومن ضامن للمواطنة إلى أداة لإعادة إنتاج الهيمنة، كما حذّر فلاسفة القانون الدستوري حين ربطوا بين الحياد والعدالة الإجرائية.
العراق، بتكوينه الاجتماعي، ليس مجتمعًا أحادي الهوية ولا ذا مرجعية دينية واحدة. إنّه تركيب معقّد من أديان ومذاهب وقوميات، تشكّل عبر قرون من التداخل والتجاور، لا عبر منطق الغلبة أو الإقصاء. ولذلك، فإنّ أي محاولة لصهر هذا التنوّع في قالبٍ رمزي واحد – مهما بدا “أغلب” أو “مهيمنًا” – ليست فعل توحيد، بل إلغاء للتعدد بوصفه حقيقة وجودية. ومن منظور فلسفة الدولة، فإنّ هذا الصهر لا ينتج وحدة سياسية، بل وحدة قسرية تُناقض فكرة الإرادة العامة نفسها.
من حيث المبدأ، لا خلاف على حق الجماعات الدينية والمذهبية في إحياء مناسباتها، وممارسة طقوسها، واستحضار ذاكرتها الرمزية بحرية كاملة. هذا الحق يندرج ضمن الحرية الدينية والثقافية التي يفترض أن تكفلها الدولة، بوصفها حقًا فرديًا وجماعيًا في آن واحد. غير أنّ الإشكال يبدأ حين تنتقل هذه الممارسات من المجال الأهلي الطوعي إلى المجال الرسمي الإلزامي، وحين تتحوّل من تعبير عن هوية جماعة، إلى تعريفٍ لهوية الدولة نفسها، وهو انتقال لطالما اعتبره فقهاء القانون العام تجاوزًا من المجال الخاص إلى المجال السيادي.
هنا، بالضبط، يظهر الفرق الجوهري بين الدين في المجتمع والدين في الدولة؛ وهو الفرق الذي تقوم عليه فكرة العلمنة المدنية منذ نشأتها بوصفها تنظيمًا للعلاقة بين المقدّس والسلطة، لا قطيعة مع الإيمان. فالعلمنة المدنية لا تعني نفي الدين، ولا معاداة الإيمان، ولا تجفيف الفضاء الروحي، بل تعني أمرًا أكثر دقة:
أن تمتنع الدولة عن تبنّي أي عقيدة بوصفها مرجعية رسمية شاملة، وأن تحافظ على حيادها إزاء النزاعات الرمزية بين الجماعات، لأنّ هذا الحياد هو شرط العدالة، لا نقيضها. فالعدالة، في الفلسفة الكانطية، لا تقوم على مضمون القيم، بل على حياد القاعدة التي تُطبَّق على الجميع.
الدولة ليست حسينية، ولا جامعًا، ولا كنيسة. وليست مؤسسة طقوسية ولا ذاكرة جمعية.
إنّها كيان قانوني يفترض أن يتعامل مع المواطنين بوصفهم متساوين أمام القانون، لا بوصفهم ممثلي عقائدهم أو أوصياء على رموزهم.
وعندما تُدرج مناسبات مذهبٍ بعينه ضمن التقويم الرسمي للدولة، وتُفرض كعطل عامة على مواطنين لا ينتمون إلى هذ المذهب، ولا يشتركون في رمزيته، فإنّنا نكون أمام شكلٍ من الإكراه الرمزي المؤسسي: إكراه لا يُمارَس بالعنف، بل عبر التنظيم، ولا يُبرَّر بالقوة، بل بالاعتياد. وهو إكراه ناقشته نظريات الهيمنة الناعمة بوصفه أخطر من القسر المباشر، لأنه يتخفّى في هيئة “الطبيعي” و”المسلّم به”.
هذا الإكراه لا يخلق اندماجًا، بل ينتج اغترابًا صامتًا، ويزرع في وعي الجماعات الأخرى شعورًا بأنّ الدولة لم تعد تعبّر عنها، بل تطلب منها التكيّف مع ذاكرة ليست ذاكرتها، ومع تقويم لا يعكس زمنها الروحي ولا سرديتها التاريخية. وهنا تتحوّل الدولة من وسيط محايد إلى طرفٍ، ومن ضامن للحقوق إلى مُعيد ترتيب للذاكرة العامة.

المسلم السني، والمسيحي، والصابئي، والإيزيدي، وغيرهم، ليسوا أقليات طارئة ولا هوامش اجتماعية، بل شركاء أصليون في تكوين المجال العام. لكلٍّ منهم ذاكرته المقدسة، ومناسباته، وسرده الخاص للمعنى. وأي دولة تدّعي العدالة لا تملك حق ترتيب هذه الذاكرات وفق ميزان العدد أو النفوذ، لأنّ العدالة، كما في فلسفة هابرماس، تقوم على الاعتراف المتكافئ لا على التفوق العددي.
من هنا، فإنّ الاعتراض على تعميم مناسبات مذهبٍ بعينه في التقويم الرسمي لا يُفهم بوصفه موقفًا ضد هذا المذهب، بل بوصفه دفاعًا عن مبدأ فلسفي–سياسي واضح:
الدولة لا تتحدث باسم الإيمان، بل باسم القانون، ولا تمثل الذاكرة، بل تنظّم التعايش بين ذواكر متعدّدة.
الدولة العادلة لا تختار عقيدة، ولا تمارس الطقوس، ولا تُقنّن المقدّس. وظيفتها أن تحمي حرية الجميع في الإيمان والاحتفال والاختلاف، دون أن تحوّل أيًّا من هذه الممارسات إلى التزام عام مفروض على الآخرين. فهي، في جوهرها، حَكَمٌ لا شاهد إيمان.
فالاحترام المتبادل لا يتحقّق بتكثيف الرموز، بل بالاعتراف بالحدود:
حدود الهوية حين تدخل المجال العام، وحدود الرمز حين يتحوّل إلى سياسة، وحدود السلطة حين تلامس المقدّس.
من حقكم الاحتفال، ومن حق غيركم ألّا يُدرج في احتفالكم،
ومن حق الدولة – وواجبها – أن تبقى إطارًا محايدًا للجميع، لا مرآةً لهويةٍ واحدة مهما اتّسعت.
فالدولة التي تفشل في ضبط علاقتها بالرمز، تفشل – في النهاية – في أن تكون دولة.

فيديوات أيام زمان

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

853 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع