
المحارب
قحطان حسن التميمي
رئيس جمعية المحاربين القدماء العراقية
المهمة الامريكية المستحيلة في فنزويلا ماذا بعد
1. لن أخوض في الطريقة الدراماتيكية التي ادت الى قصف عاصمة فنزويلا (كاراكاس) واعتقال الرئيس (نيكولاس مادورا) لأن الاعلام الدولي الامريكي أشبعها تفصيلاً بقدرما تريد بثه الماكنة الاعلامية الامريكية. واصبح مادورا داخل السجون الامريكية ينتظر المحاكمة. وقامت الجمعية الوطنية الفنزويلية بنقل صلاحيات الرئيس الغائب حسب الدستور الى نائبه الرئيس.
2. ان المبررات الامريكية للتدخل في فنزويلا ان هذه الدولة ورئيسها يعملان على تصدير المخدرات الى الولايات المتحدة الامريكية مما سبب لا يقل عن (300) الف ضحية امريكية جراء ذلك العمل. لذا استوجب التدخل. لكن هناك قانونين يتعارضان مع هذه العملية. الاول: القانون الدولي الذي يرفض هذا الاسلوب والثاني : ان ترامب خالف قانون التفويض الامريكي خلاف صلاحية الكونكرس الامريكي الذي يرفض التدخل الخارجي الا بتفويض منه. ماذا سيحدث لاحقاً؟
3. على مستوى تفعيل القانون الدولي والقانون الامريكي (التفويض) والمنظمات الدولية المعنية بهذا الشأن لن يتم وستصم الاذان وتسكت الافواه وتعطل العدالة وتطوى هذه الصفحة ويكون مادورا داخل قضبان السجن الامريكي. وستقوم امريكا لاحقاً بأدامة الضغط على فنزويلا سواء كان بالحصار او العقوبات وعليه نحن ننتظر موقف الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ربما انها ستعطي اشارات الى امريكا بأن حكومتها ليست عدوة لأمريكا لذا يتطلب الوصول الى محادثات سياسية بين البلدين لأنه لا خيار لفنزويلا غير هذا الموقف ومن غير المجدى استمرار التصادم معها وعلى الاقل حتى نهاية ولاية ترامب. وان هذا الخيار ليس جبناً لان واقع الحال السياسي الاقليمي دولي أظهر انه لا سند لفنزويلا لمجابهة امريكا الا قرار حكومتها الجريء الذي يقلل خسائر بلدها لأن واقع الحال بعد العملية الامريكية ان اهم قوتين بعد امريكا (الصين وروسيا) كان موقفهما باهتاً وضعيفاً. وان من المدهش ان موقف اوربا (حليف امريكا) السياسي كان اقوى بكثير من موقف هاتين القوتين اما على صعيد امريكا اللاتينية فأن مواقفها خطابية لا تأثير لها على الموقف الامريكي.
4. لنرى ماذا تفكر الرئيسة الفنزويلية حيث عليها تقوم هي وحكومتها بتقدير موقف استراتيجي يستند على المعطيات الآتية:
أ. ان اختطاف رئيس فنزويلا وجه ضربة قوية لصمود الشعب الفنزويلي.
ب. ان الضربة الامريكية المحدودة للبنى التحتية الفنزويلية كانت قاسية رغم محدوديتها وتغطيتها لعملية الاختطاف.
ج. ان موقف الاقتصادي لفنزويلا متردي لا يستطيع الصمود امام الحصار الامريكي.
د. ان تماسك الجبهة الداخلية تتسم بالضعف والاختراق.
ه. ان الموقف الدولي والمنظمات الدولية لا تتعدى الاستنكار والادانة.
و. ان الصفقات للدول الكبرى لتقاسم المصالح حاضرة في هكذا مواقف وان شعارات القرن العشرين في حق تقرير المصير للشعوب والنضال ضد الرجعية والامبريالية قد اصبح في حكم الماضي.
5. ان المعطيات الستة اعلاه يجب ان تفكر فيها بجدية الحكومة الفنزويلية لتقييم سياستها بعد مادورا لأن مادوار ادخل في المراحل الآتية من قبل القضاء الامريكي:
أ. يواجه مادورا اتهامات ثقيلة تفضي الى السجن مدى الحياة .
ب. ان تركيز القضاء سينصب على لائحة الاتهام وهي تتضمن تأمين الاول: التأمر لأرتكاب جرائم ارهاب المخدرات. والثاني: حيازة اسلحة تدميرية تهدد الامن القومي الامريكي.
ج. ان احالة التهم اعلاه كانت سريعة جداً لكن الجلسات ستطول (أجلت المحكمة الامريكية النظر في القضية الى شهر آذار القادم.
6. ان الحكومة الفنزويلية اقتنعت ان مادورا لن يعود الى فنزويلا وان الرئيسة الحالية ليست لها قاعدة شعبية مساندة لها فيما اذا تصادمت مع امريكا. مما ينتج ان المعارضة الفنزويلية ستكون قوية ونشطة وعليه ستكون الرئيسة بالوكالة امام خياران الاول: ان تجري انتخابات برلمانية لأختيار المساندة الشعبية فيما اذا كانت ايجابية ام سلبية. والثاني: ان تسلم السلطة بأنقلاب ابيض الى وزير الدفاع الفنزويلي فأما يقود البلاد الى التصادم مع امريكا او مهاونتها.
7. ان الهدف السياسي للعملية قد تحقق وستتحول امريكا لتحقيق الهدف الاقتصادي بالاجراءات الآتية:
أ. ستنتهي صفحة مادورا قضائياً واعلامياً مثل ما عملت في قضية الرئيس البمني (نوريغا).
ب. ستواصل حصارها البحري لفنزويلا.
ج. ستفرض عقوبات اقتصادية ومالية على البلاد و بعض زعماء فنزويلا.
د. ستقوم بزيادة الدعم السياسي واللوجستي للمعارضة الفنزويلية.
8. لنغادر فنزويلا ونتسائل ان هذه العملية بسياقها العام ستتكرر في اماكن اخرى من العالم مع لحاظ ان سلوك هذا التصرف لن يقتصر على امريكا بل ستقوم قوى اخرى كبيرة او صغيرة اذ لم تعالج هذه القضية وفق القانون الدولي او ان امريكا ستقوم بتكرارها في اماكن اخرى فلنستعرض من الدول مرشحة لتكرار هذه العملية.
أ. كوريا الشمالية: بالرغم من التقاطع الحاد والعداء الشديد بين امريكا وكوريا الشمالية وتوفر الاسباب الموجبة لتكرار العملية فيها في اختطاف رئيس كوريا الشمالية فأن اذا اقدمت امريكا على هذا العمل ضد كوريا الشمالية فيعد مجازفة خطيرة جداً ولا اعتقد انها ستقدم على تنفيذها. لماذا؟ لأن العقيدة الكورية تعتبر المساس بشخص رئيسها يعتبر تهديد لوجود كوريا الشمالية برمتها لذا ستقدم على ضرب الولايات المتحدة الامريكية بالاسلحة النووية او خيار غير ذلك حتى لو محو كوريا الشمالية من الوجود.
ب. ايران: ان قامت امريكا بتكرار العملية في ايران ستكون نتائجها خطيرة وغير مجدية. لماذا؟ لان
اولاً. ان المجال الحيوي الايراني واسع جداً يتحمل الضربات.
ثانياً. الجاهزية والاستعداد واللوجستي متوفر في ايران اكثر من اية دولة اخرى.
ثالثاً. ان القدرة العسكرية الايرانية في حالة تنفيذ هذه العملية ستوقع خسائر كبيرة في الجانب الامريكي (في وجودها في العالم).
رابعاً. القابلية المرنة والمناورة للمجتمع الايراني يعطي مواصلة الصمود حتى لو استهدف قائد الثورة الايرانية من خلال وجود بدائل جاهزة لمختلف المناصب ولاحظنا ذلك في حرب 12 يوم الايرانية الاسرائيلية.
خامساً. ان الطبيعة البشرية الايرانية من ناحية الموروث المذهبي والديني يتقبل الخسائر مهما كانت ثقيلة.
سادساً. ايران بالنسبة الى روسيا والصين ليس ضمن صفقة تبادل الادوار بين الكبار.
وعليه فأن امريكا لن تقدم على هذا العمل ضد ايران.
ج. كولومبيا وكوبا: لا تحتاج امريكا ان تقوم بعمليه مشابهة لعملية فنزويلا فيها لانهما لا تأثير سياسي او اقتصادي كبير على امريكا وبالامكان ان تقوم امريكا بتغيير نظام الحكم في كولومبيا بطريقة داخلية. اما كوبا فليس لها اهمية سياسية كبيرة لأن بريق النضال ضد الامبريالية ذهب مع تشي جيفارا وفيدل كاسترو ولوجود القاعدة الامريكية المؤسسة في كوبا لمدى الحياة (قاعدة على الساحل الكوبي تشكل قاعدة وثوب فعالة ضد نظام الحكم الكوبي لأسقاط النظام ولا حاجة لأختطاف رأس النظام.
د. المكسيك: انها مستبعدة من التدخل الامريكي لأنها غير متقاطعة مع امريكا سياسياً وتعلم الاخيرة جيداً ان تجارة المخدرات الداخلة اليها خارج سيطرة الحكومة المكسيكية وقد أعلمت الحكومة المكسيكية السلطات الامريكية بذلك ومن الممكن ان تتصرف امريكا بمنع دخولها الى اراضيها وان الحكومة المكسيكية جاهزة للتعاون مع الحكومة الامريكية في هذا المجال وابرمت اتفاقيات بين البلدين في اتخاذ اجراءات لمكافحة تجارة المخدرات وقامت امريكا ببناء جدار لمنع هذه التجارة والمهاجرين المكسيكيون من الوصول الى الاراضي الامريكية. اضافه الى ذلك ان الجالية المكسيكية كبيرة جداً في امريكا وخاصة في ولاية كاليفورنيا ومن ضمنها سان فرانسسكو التي كانت تابعة للمكسيك في الماضي القريب.
هـ. لاتوجد في الوقت الحاضر دولة مرشحة لتنفيذ العملية منها وربما في المستقبل تظهر الحاجة لذلك.
الخيارات المطروحة
9. حدثت العملية وتم اعتقال الرئيس الفنزويلي نيوكلاس مادورا من قبل امريكا. وكانت ردات الفعل العالمية والاقليمية والداخلية الامريكية سواء على مستوى الكونكرس والشارع الامريكي بالرفض لهذه العملية. وان الحجج التي استند عليها الرئيس ترامب ضعيفة وغير مقنعة بشكل إنسيابي. اضافة الى ذلك ان هذه العملية ستؤدي الى فوضى في العلاقات الدولية وربما ستستخدمها دول اخرى بصورة مماثلة.
10. لعل القارئ الكريم يتذكر العملية المنسوبة الى اوكرانيا عندما هوجم مقر الرئيس بوتين في موسكو وفشلت العملية فأنا اعتقد ان هذه العملية ليست اوكرانية انما هي عملية لدوله عظمى لها القابلية الاستخبارية والامنية والتسليحية والتدريبية واللوجستية للقيام بتلك العملية وربما غطاءها اوكراني الا ان صياغتها وادواتها وتنفيذها ليست اوكرانية بل جهه اعلى من مستوى اوكرانيا بكثير وربما ان المسؤول الاكبر في جهة التنفيذ سرب المعلومة الى الجهات الامنية الروسية وفشلت العمليه لكسب سكوت روسيا عن عملية اخرى تلوح في الافق.

11. لان دول العالم وخاصة الولايات المتحدة الامريكية وفنزويلا في ورطة يتطلب الخروج منها بأقل الخسائر فما هي السيناريوهات التي يتطلب تنفيذها للخلاص من هذه الورطة؟
أ. السيناريو الامريكي. له الخيارات الاتية:
اولاً. الخيار الاول الاستمرار في تنفيذ المراحل الاخرى لهذه العملية الى حد صدور امر قضائي امريكي ضد مادورا وايداعه السجن. وهذا الخيار له التداعيات الاتية:
(أ) سيفقد الشارع الامريكي بنزاهة القضاء الامريكي.
(ب) ستكون هناك مثلبة قانونية واعتبارية على القضاء الامريكي بأنه بقبول محاكمة مادورا سيخالف القوانين الامريكية والدولية.
(ج) ستكون سابقة تستخدم من قبل الاخرين وخاصة الدول الكبرى الاخرى.
ثانياً.الخيار الثاني الاتفاق مع مادورا لمحاكمته واصدار حكم قضائي براءته او الحكم عليه ومنحه عفو رئاسي خاص بشرط اقامة علاقات ترابطية وبأتفاقيات ملزمة للطرفين فيما يخص اعطاء الاولوية في تصدير النفط الى امريكا وادارة جزء من حقول النفط الفنزويلية من قبلها. وان تداعيات هذا الخيار ما يأتي:
(أ) سيفقد ما دورا مركزه الوطني في بلاده.
(ب) سيعطي هذه الموقف قوة كبيرة للمعارضة الفنزويلية.
(ج) سيؤدي هذا الخيار الى فوضى في تصدير واستيراد النفط عالمياً.
12. السيناريو الفنزويلي : وله الخيارات الاتية:
اولاً. الخيار الاول. تقديم شكوى الى مجلس الامن الدولي ومحكمة العدل الدولية ومحكمة الجنايات الدولية لأدانة الرئيس ترامب والزام الولايات المتحدة باطلاق سراح الرئيس مادورا. وفي هذه الحالة لن تنصاع امريكا لأي قرار من مجلس الامن او المحاكم الدولية.
ثانياً. الخيار الثاني. تستمر الرئيسة بالوكالة الحالية حسب الدستور بممارسة صلاحياتها الرئاسية وتسلك احد الطريقين:
(أ) تقوم بأجراء انتخابات عامة في البلاد ويكون الرئيس مادورا (ولو هو في السجن الامريكي) احد المرشحين للانتخابات الرئاسية فأذا فاز تستمر الرئيسة بقيادة البلاد لحين معرفة مصير مادورا واذا لم فأن الرئيس الجديد المنتخب يمارس صلاحياته ويقود الحياة الى طبيعتها.
ثالثاً. الخيار الثالث. منح البرلمان الفنزويلي صلاحيات الى رئيسة البلاد لعقد اتفاقيات سياسية واقتصادية وخاصة في مجال النفط والمعادن مع الولايات المتحدة الامريكية بشرط ان تقوم الاخيرة بأطلاق سراح الرئيس مادورا واعادته الى البلاد وكذلك اطفاء ديون فنزويلا المستحقة عليها عالمياً.
ج. سيناريو مجلس الامن. له الخيارات الاتية:
اولاً. اصدار قرار بأدانة العملية الامريكية بأعتقال الرئيس الفنزويلي.
ثانياً. اصدار قرار يلزم الولايات المتحدة الامريكية بأطلاق سراح مادورا وهذين القرارين سيصطدم بالفيتو (النقض) الامريكي.
ثالثاً. في حال عدم اصدار القرارين اعلاه من الممكن اصدار قرار بتحويل قضية الرئيس مادورا الى محكمة العدل الدولية او محكمة الجنايات الدولية على ان يرحل الى دولة حيادية تكتسب ثقة مجلس الامن الدولي مثل (سويسرا).
د. السيناريو الاممي. له خياران:
اولاً. تقوم مجموعة بريكس ومجموعة دول عم الانحياز ومن يحالفهما بعقد مؤتمر لوضع آلية للانسحاب من منظمة الامم المتحدة لأنها اصبحت غير فعالة وانشاء منظمة دولية جديدة بقوانين وانظمة تتلائم ومتطلبات القرن الحادي والعشرين وما بعده او الغاء حق النقض (الفيتو) او تغيير آلياته.
ثانيا الابقاء على منظمة الامم المتحدة وتعديل حق النقض وجعله اما:
(أ) توسيع العضوية الدائمة في مجلس الامن.
او
(ب) ان لا يحق للاعضاء الخمسة الدائمين في المجلس بأستخدام حق الفيتو اكثر من مرتين في السنة.
المحصلة النهائية لاهذا ولا ذاك سيتم السيطرة على فنزويلا من قبل امريكا وسيتم نسيان مادورا مثل ما تم نسيان الرئيس البنمي (نوربغا) وسينتظر العالم حدث اخر غير مطروق ويدخل ضمن صفقات تبادل الادوار بين الكبار.
عذرا انني افرطت في التوقع.

1030 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع