بين يديّ الأم

د.سعد العبيدي

 بين يديّ الأم

تقف أمّ حيدر أمام الوكيل الأوّل لوزارة الصحّة. امرأةٌ نحيلة، كأنّ الطريق من ميسان إلى بغداد، لعشر سنوات، أضاف لها عمرًا إضافيًا وانحناءةً دائمة فوق كتفيها. تضع طلبها على المكتب بيدٍ ترتجف. ورقةٌ واحدة، محتواها أثقل من الملفات المكدّسة حولها.
يتأمّل الوكيل الطلب، يرفعه قليلًا، ثم يعيد النظر إليها. يستغرب، فيسألها أن توضّح.
ترفع رأسها ببطء، كأنها تجمع ما تبقّى من الطريق في صدرها، وتقول بإصرارٍ هادئ لا يعرف المساومة:
أريد دخول مستشفى الشماعية.
يصمت لحظة. يحدّق في وجهٍ أنهكه الزمن، ويسأل: لماذا؟ ألا ترين طلبك غريبًا؟
تتنفّس بعمق، فتعود الى مخيلتها رحلات الزيارة كلّها دفعةً واحدة. حافلات الليل الباردة، المقاعد التي لا ترحم، النوافذ التي تعكس وجهها شاحبًا، انتظار الصباح أمام بوابة المستشفى، ثم ساعات اللقاء القصيرة، بعدها العودة. عودةٌ تتركها وحيدة مع أسئلة لا تجيب. كلّ تعبٍ في جسدها يبدو تقصيرًا، وكلّ اشتياقٍ في قلبها يبدو زيادةً لا مسوّغ لها. تختم قولها، بصوتٍ لا ينكسر:
أريد أن أراه وقتًا أطول. لم تعد الساعات تكفيني. أريد أن أخدمه بنفسي، فقد صار وجودي إلى جانبه هو الطمأنينة الوحيدة التي أفهمها. لا تقول إن السفر أرهقها، ولا إن جسدها لم يعد يحتمل الطرق.
ولا تقول إنها تخاف أن تموت في طريق العودة، بعيدًا عنه. كل ما أرادت قوله أن الأمومة، حين يتأخّر الشفاء تتحوّل إلى إقامةٍ دائمة.
تحصل الموافقة دون ضجيج. يُخصص لها سرير في قسم النساء، سرير لا تنام عليه بقدر ما تحرسه. لا تشعر أنها دخلت المستشفى، وإنما اقتربت أخيرًا من المسافة الصحيحة بينها وبين وحيدها. هنا، لا طريق طويل، لا حافلات ليلية، لا عودة موجعة... هنا، الغياب مؤجَّل.
في الصباح، تخرج إلى حديقة المستشفى. تمشي ببطءٍ محسوب، كأنها تخشى أن تسبق الوقت أو أن يسبقها قلبها. تجلس على الأريكة، تنتظر، وكأن الانتظار صار مهنتها الوحيدة، وسبب بقائها.
يأتي حيدر من قسم الرجال في أوقاتٍ متفاوتة، فالوقت عنده فكرة رخوة لا تُمسك. أحيانًا يصل باكرًا، وأحيانًا يتأخّر، وأحيانًا ينسى الطريق ثم يتذكّره فجأة. حين يراها، يلتصق بها، يبقى ينظر إليها طفلًا فقد العالم كلّه، ولم يبقَ له سوى هذا الوجه الذي يتأكّد به أنه ما زال حيًّا.
تبتسم له، ابتسامةً حنونة ، كأنها تخشى أن تفزع زمنه إن تغيّرت ملامحها. تدع اللحظة تقودهما، بلا أسئلة، بلا تصحيح، بلا استعجال. تجلس إلى جانبه ساعاتٍ طويلة. تراقب حركاته الصغيرة، التكرار الذي يطمئنه، وراحته حين تعود الكلمات ذاتها إلى فمها، مرتّبة، مألوفة، كما لو كانت دواءً يُؤخذ بجرعات ثابتة. تعرف أن عقله يقيم في زمنٍ واحد، زمن لا يتقدّم ولا يعود، لذلك تحاول أن تثبّت نفسها داخله. تكرّر حضورها، اليوم بعد اليوم، خوفًا من أن يسقط وجهها من ذاكرته الهشّة إن غابت مرّة واحدة. وحين يحين العصر، لا يريد فراقها. يتشبّث بيدها، يتردّد، يضطرب، كأن فكرة العودة إلى القسم عقوبة لم يفهم سببها. يأتي الممرض، يلزمه بالعودة كما لو أن الفصل بينهما إجراءٌ إداري، أو وهمٌ مؤقّت. تترك يده على مضض، تراقب خطواته وهو يبتعد، خطوةً خطوة، حتى يذوب في الممرّ.
تبقى هي جالسة لحظة أطول، تحدّق في الفراغ الذي خلّفه، فراغ تعرفه جيّدًا. ثم تنهض، وتعود إلى قسم النساء. لم تعد تسأل عن الشفاء. صار سؤالها الوحيد، كل مساء، بصوتٍ لا يسمعه أحد: هل رآني اليوم؟
بعد عامٍ كامل من الإقامة، صارت الأريكة تعرف جسدها أكثر مما يعرفه السرير. في صباحٍ عادي، تخرج إلى الحديقة كعادتها. تمشي ببطءٍ أشد، كأن الزمن صار أثقل من قدرتها على حمله. تجلس على الأريكة ذاتها، تُعدّل طرف عباءتها، وتضع يديها في حضنها. لا تقول شيئًا. تكتفي بأن تنظر إليه حين يصل، نظرةً طويلة، كأنها تحفظ وجهه مرّةً أخيرة. يجلس إلى جانبها. يضع يده في يدها. تميل قليلًا نحوه، كأنها تعبت فجأة من الجلوس مستقيمة. تتنفّس بعمق، نفسًا واحدًا أطول من المعتاد، ثم يهدأ جسدها ببطءٍ لا يُفزع في لحظته.
يهزّ يدها. تسقط بلا مقاومة. في تلك اللحظة، يتشقق الزمن الذي يقيم فيه. يتراجع خطوة، ثم يعود. يحدّق في وجهها طويلًا، طويلًا أكثر من اللازم. يصرخ. صرخةٌ أولى غير مفهومة، كأنها خرجت من مكانٍ لم يُستعمل منذ سنوات. ينهار بعدها، ثم يقف فجأة، بعنفٍ لا يشبهه. يصرخ مرةً أخرى، بصوتٍ أوضح، أقرب إلى اللغة.
يحاول إيقاظها كما يوقظ الأشياء التي تخذله. يضغط على كتفيها، يناديها، يكرّر الاسم، يعلو صوته، ثم يتكسّر. يبكي. ثم يغضب، ثم يضحك لحظةً قصيرة، ضحكة خاطئة، كأن عقله يحاول الهرب.
يمسك رأسه بكلتا يديه، يدور حول الاريكة، يعود إليها. يصرخ في وجوه الممرضين حين يقتربون. يدفعهم، يتراجع، يفقد السيطرة، ثم يستعيدها للحظةٍ حادّة، خاطفة، يرى فيها ما حدث بوضوحٍ موجع.
في تلك اللحظة القصيرة، يدرك أنها لن تجلس هنا غدًا، يدرك أن الوجه الذي كان يثبّت الزمن اختفى. ثم ينكسر الإدراك ثانية. يصرخ، ينهار، يُسحب بعيدًا.
أما هي، فتبقى على الأريكة كما كانت جالسةً في وضع الانتظار، كأنها في موتها، اختارت أن تكون بين يديه، وفي المكان الوحيد الذي لم تتركه فيه وحيدًا، وكأن في هذه الحديقة، وللمرة الأولى منذ سنة،
يمرّ الوقت…ولا أحد ينتظر.
***

فيديوات أيام زمان

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

822 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع