د.أسامه شكر محمد أمين*
مجزرة الكفاءات في محراب الدولة العراقية:
بالعدد ١٥٤٩، أصدر مجلس قيادة الثورة، واستنادا الى دستوره المؤقت، يوم الاربعاء ٢١ نوفمبر ١٩٧٩، قرارا بإحالة ٤٨ موظفا على التقاعد (الاجباري والمبكر). جاء القرار مقتضبا، دون ذكر الاسباب، مبتدأ بالبسملة، ولأن قراراته ملزمه ولا يؤخذ بأي قانون يتعارض مع قراراته، فعلى الوزراء المختصين تنفيذه بسرعة. اختتم القرار بعبارة "صدام حسين، رئيس مجلس قيادة الثورة".
يلاحظ عند قراءة القرار أن:
• النسخة التي بحوزتي تحمل علامة خط أفقي بالقلم على الرقم ٤٣، مما يشير إلى أنها النسخة المُسلّمة للدكتور محمود عبد الهادي البحراني (اختصاص اطفال، حاصل على شهادة البورد أمريكي).
• بدأت القائمة بالرقم ١ (فرحان باقر - كلية الطب جامعة بغداد) وانتهت بالرقم ٤٨ (منقذ الجيبه چي - مستشفى اليرموك).
• الغالبية العظمى أكملوا دراساتهم العليا في العالم الغربي.
• تسلسل الاسماء في القرار لم يكن مرتبطًا بترتيب الحروف الأبجدية، او العمر، او القدم الوظيفي، او اللقب العلمي والاداري، او مكان العمل.
• تضمنت الاسماء ذكورا واناثا (٤ طبيبات فقط)، من اختصاصات طبية متعددة، ومن طوائف وقوميات مختلفة.
• البعض كان لهم انتماءات سياسية سابقا وترك العمل الحزبي والسياسي (كالأستاذ الدكتور مهدي مرتضى رحمه الله، يساري)، والبعض كانوا قريبين من السلطة، ولكن اغلب الاسماء كانت مستقلة وليس لها اي هواء حزبي. أحدهم ربما كان له ميول إسلامية.
• نصف العدد تقريبا كانوا على ملاك كلية الطب، جامعة بغداد (أعضاء في هيئة التدريس)، اثنان كانوا على ملاك كلية طب الموصل في محافظة نينوى، أما البقية فكانوا على ملاك وزارة الصحة العراقية.
• جميع الأسماء (ما عدا اثنان في نينوى) كانوا من سكنة مدينة بغداد.
• لم يشمل القرار أي طبيب من محافظات العراق الاخرى ولم يشمل أيا من الهيئة التدريسية في كلية طب البصرة وكلية طب المستنصرية (في العام ١٩٧٩، كان في العراق أربع كليات للطب البشري فقط).
• تضمنت القائمة، حسب القرار، أربعة وعشرين اسمًا من أعضاء هيئة التدريس في كلية الطب بجامعة بغداد (توضيح في الاسفل).
• ترأست كلية الطب، جامعة بغداد القائمة ابتداء بالتسلسل ١ الى ٢٢، عدا اثنين تكرر ظهورها غير متسق بالتسلسلين ٢٦ و٤٧ (هل تمت إضافة هذين الاسمين المتأخرين لاحقًا؟).
• التسلسل ٤٧ في القائمة يعود لعميد كلية طب الأسنان بجامعة بغداد (السابق، من ١٩٦٣ لغاية ١٩٦٩)، وهو أستاذ وطبيب أسنان، لكنه لم يكن ضمن ملاك كلية الطب البشري. هل عكس هذا الخطأ سهوا عند إعداد القائمة أو كتابة القرار أم جهلا من معده؟ كان د. فاضل القدسي طبيب الاسنان الوحيد في القائمة. نلاحظ عدم وجود اسمه في الامر الإداري (براءة الذمة) الصادر عن عمادة كلية طب بغداد والمتضمن ٢٢ اسما.
• شملت قائمة الهيئة التدريسية في طب بغداد الفروع الآتية: الباطنية (٦)، الجراحة (٩)، الأطفال (١)، النسائية والتوليد (١)، طب المجتمع (١)، التشريح (١)، الفسلجة (١)، الاحياء المجهرية (١)، علم الادوية (١)، والباثولوجي (١). ٨ منهم حمل لقب أستاذ (بروفيسور)، ٣ بلقب أستاذ مشارك، عدد ٩ أستاذ مساعد، ومدرسين اثنين.
• الدكتورة لمعان أمين زكي (أخصائية طب الأطفال) كانت زوجة الدكتور سالم فاروق الدملوجي (أخصائي الأمراض الباطنية والصدرية)، الدكتورة فائدة كابان (أخصائية النسائية والتوليد) كانت زوجة الدكتور زهير رؤوف البحراني (جراح)، رحمهم الله جميعا.
• التسلسل ١٧ كتب خطأ باسم غازي السامرائي والصواب هو غازي ]محمد[ الحاجم، أستاذ علم الادوية. يبدو ان السهو نتج بسبب الاسم التالي وهو حاجم ]محمد الحاجم[ السامرائي.
• ذكر القرار (تسلسل ٢١) الدكتورة نهلة الشابندر من كلية طب بغداد (زوجة الاستاذ المساعد د. محمد صالح العاني، جراح الصدر والأوعية الدموية) رحمها الله، والحاصلة على ماجستير في علوم الباثولوجي. لم أجد اسمها في الامر الإداري (براءة الذمة) الصادر عن عمادة كلية طب بغداد والمتضمن ٢٢ اسما.
• نلاحظ وجود ٣ اطباء ذكور مع زوجاتهم الطبيبات في قائمة القرار، وجميع هؤلاء الازواج الثلاثة يعملون في كلية طب بغداد، مما يعني ان السلطة قد أسبغت على العائلة صفة الخيانة او عدم الولاء، فالعقاب الجماعي كانت إحدى سياسات النظام السابق مع تبعات سلبية قد تصل في بعض الاحيان الى الاقارب من الدرجة الثالثة وحتى الرابعة.
• شملت القائمة أربعة أسماء من العاملين في مستشفى الطوارئ بالكرخ.
• ضمت القائمة ثلاثة أسماء من مستشفى حماية الأطفال، وثلاثة من مستشفى الكرامة، وثلاثة من مختبر الصحة العامة المركزي.
• تضمنت القائمة اسمين من مستشفى الثورة الجمهوري، واسمين من كلية الطب بجامعة الموصل.
• تواجد اسمين من مؤسسة (لاحقا دائرة) مدينة الطب، وهما د. حسين طالب محمد علي (طبيب اختصاص جراحة المجاري البولية) و د. صاحب زيني (طبيب اختصاص اشعة) رحمهم الله، اذ كانا الوحيدين في القائمة ممن كانوا ملاك وزارة الصحة العراقية في مدينة الطب.
• أسماء منفردة في مؤسسات صحية متنوعة: شملت القائمة اسمًا واحدًا من كل من معهد الإشعاع والطب الذري، ومؤسسة التدريب والتعليم الصحي، ومفتشية الصحة العامة، ومستشفى الكاظمية، ومستشفى اليرموك.
• يُلاحَظ أن بعض الأسماء ذُكِرَت بصيغة "الاسم الأول مع الأب" أو "الاسم الأول مع اللقب"، مما يشير إلى أن مَن قام بكتابة الأسماء أو إمداد القيادة بها اعتمد على ذاكرته (أو ذاكرة مَن عاونه)، حيث دوَّن الاسم المتداول بين الناس أو المشهور به الشخص بين زملاء العمل، دون الرجوع إلى المراجع الإدارية الرسمية للحصول على الاسم الكامل.
• تم إضافة عبارة " مفصول من الخدمة لمدة سنة" بعد جهة العمل للتسلسلين ٣٥ (اختصاص جراحة الصدر) و٣٦ (اختصاص جراحة العظام والكسور) وكلاهما يعمل في نفس المستشفى. هل تعتبر احالتهم على التقاعد رحمة من القيادة لمنحهم حقوقا تقاعدية بدلا من الفصل الوظيفي؟
• تضمن القرار، في صفحته الثالثة، اجراء اداريا روتينيا بإرسال نسخة (صورة) من القرار الى مديرية الخزينة المركزية ومديرية خزينة بغداد بالإضافة الى اماكن عمل المومأ إليهم (وجميعها تابعة اداريا لوزارة الصحة) ولكن نجد عدم ذكر كلية الطب جامعة بغداد وكلية طب الموصل (التابعتين لوزارة التعليم العالي) مع غياب ذكر مؤسسة مدينة الطب المجاورة لكلية طب بغداد في باب المعظم والتابعة لوزارة الصحة.
• نجد ان صاحب القرار أمر أمكان عمل المومأ إليهم بإبلاغهم بالأمر (القرار) وإجراء معاملة التقاعد لهم استنادا الى كتاب قيادة المجلس المرقم ٢٨٨٣٤ في ١١ اكتوبر (السنة غير واضحة، لم أستطع العثور على هذا الكتاب) مع اعلام المجلس بتاريخ انفكاك المحالين على التقاعد، أي ان المشرع حدد سرعة وكيفية انهاء المسألة اداريا مما يدل على اهتمامه الشديد بالموضوع ومتابعته.
• نلاحظ ورود اسم "وداد" في نهاية الصفحة الثالثة، التي، وحسب اداريات الدولة العراقية، تعني انها من كتب القرار بالطابعة. أين يمكن العثور على وداد؟
الانفكاك:
الأمر الاداري الصادر من عمادة كلية طب، جامعة بغداد، المرقم ذ/١٠٩٥٥ في ٣ ديسمبر ١٩٧٩، مؤيدا براءة ذمة المحالين على التقاعد (حسب قرار مجلس قيادة الثورة اعلاه) من كادرها التدريسي (عدد ٢٢)
• بتوقيع عميد كلية طب بغداد (وكالة)، الأستاذ الدكتور زهير عبد الله قصير (رحمه الله)، وبعد ذكر البسملة مع احدى المقولات من أدبيات حزب البعث العربي الاشتراكي، "محو الأمية ضمان لزيادة الانتاج"، صدر امر اداري من عمادة كلية طب بغداد بالعدد ذ/١٠٩٥٥ في ٣ ديسمبر ١٩٧٩، مؤيدا براءة ذمة ٢٢ طبيبا (من كادر الهيئة التدريسية في الكلية المحالين على التقاعد حسب قرار مجلس قيادة الثورة) من أموال الدولة العراقية.
• صدر هذا الامر الاداري الحاقا بأمر اداري سبقه بعشره أيام، بالعدد ١٠٥١٠، مؤرخا في ٢٤ نوفمبر ١٩٧٩ (أي ٣ ايام بعد صدور قرار مجلس قيادة الثورة وربما انه يشير الى الامر الاداري الصادر من الكلية بإحالتهم على التقاعد استنادا لقرار مجلس قيادة الثورة). من المفترض وجود سلسلة ادارية للمخاطبات، وعليه نفترض ان قرار مجلس قيادة الثورة (في ٢١ نوفمبر) قد تم ارساله لوزير التعليم العالي، الذي بدوره خاطب رئاسة جامعة بغداد، حيث قامت الاخيرة بإرسال القرار الى كلية طبها.
• لأن مجلس قيادة الثورة أمر الجهات المعنية بإعلامه بتاريخ الانفكاك للمشمولين بقراره، وحسب الاعراف الادرية العراقية في هكذا حالات، يجب ان يكون الامر الاداري المعني بالموضوع جماعيا للانفكاك (وليس انفراديا لكل شخص).
• ابتدأت القائمة بتسلسل رقم ١ (الاستاذ الدكتور خالد ناجي داود) وانتهت بالتسلسل ٢٢ (الاستاذ المشارك الدكتور) عز الدين شكارة، رحمهم الله.
• يبدو ان ترتيب وتسلسل الاسماء في القائمة اتبع عرف اللقب العلمي. ابتدأت بالأستاذ ثم الاستاذ المشارك وبعدها الاستاذ المساعد ومن ثم بالمدرس. جاء د. شكارة (استاذ مشارك) اخيرا (وليس اخرا) في التسلسل (نفترض وجود أسباب ادارية وضعته في النهاية او ان اسمه سقط اسمه سهوا عند كتابة الامر الاداري ووضع أخيرا عند التصحيح).
• ذُكرت الاسماء بصورة مختلفة عن مثيلاتها الموجودة في قرار مجلس قيادة الثورة، ولكن لم يتم الالتزام مع الجميع بذكر الاسم الثلاثي مع اللقب او الاسم الرباعي بدون اللقب العائلي او المناطقي او العشائري. يستثنى التسلسل ١٧ (هاشم عبد الرحمن) و٢٢ (عز الدين شكاره) حيث كتب اسم الطبيب مع ابيه أو اللقب فقط. ابتدأت جميع الاسماء بألقابهم العلمية متبوعة بكلمة الدكتور او الدكتورة.
• غير معلوم ان كان ترتيب الاسماء ضمن كل مجموعة (حسب لقبها العلمي) وضعت حسب اسبقية اكمال براءة الذمة ام لا. من الواضح ان الترتيب لم يراع القدم الوظيفي او تسلسل الأبجدية.
• اكمال "براءة الذمة" يعني الانفكاك مباشرة بعدها من الوظيفة من خلال أمر اداري اخر ينهي اي ارتباط للموظف الحكومي مع دولته ويكون عادة بعد الظهر من تأريخه.
• النسخة المصورة على الاغلب تعود الى د. الدملوجي لوجود إشارة على تسلسله (الرقم ٣) بقلم الرصاص.
التبعات:
ترك القرار فراغا علميا وأكاديميا وطبيا واداريا مفاجئا. على سبيل المثال، التسلسل ١ و٢ كانا الاستاذين الوحيدين في طب بغداد لتدريس الامراض الصدرية والتنفسية، والتسلسل رقم ٩ كان عميدا لكلية طب بغداد، والتسلسل رقم ١٩ كان رئيسا (سابقا) لمؤسسة مدينة الطب ومديرا لمستشفى بغداد التعليمي حينها...الخ، اذ ان السنة الدراسية كانت في بدايتها وهناك جداول موضوعة سلفا للمحاضرات وللتدريب العملي للطلبة مع وجود واجبات طبية لرعاية المرضى للأطباء في مستشفياتهم. قال د. باقر، انه وبالاتفاق مع زملائه المشمولين بالقرار (د. مهدي مرتضى و د. حامد المنذري)، العاملين في الوحدة الخامسة الباطنية في مستشفى بغداد التعليمي في مدينة الطب، بقوا في وحدتهم (الردهة الطبية) حتى الدقيقة الاخيرة بعد ظهر الدوام الرسمي في اليوم الذي تركوا فيه المستشفى الى الأبد.
داخليا، تجنب الخوض في الموضوع من قبل أي جهة كان متوقعا. لم تصدر الصحافة العربية أي بيان او مقال يشير الى ما حدث، في حين ذكرت احدى الصحف البريطانية قرار التقاعد الاجباري وأخلاء مدينة الطب من خيرة الأطباء في مقال عنوانه "مذبحة مدينة الطب". في ٤ سبتمبر ١٩٨٠ (أي بعد أقل من سنة)، نشرت "المجلة البريطانية لطب المستشفيات" مقالة قصيرة (على شكل رسالة) في اربعة اعمدة محتلة نصف صفحة، بعنوان "العراق: ثمن الحرية"، تعليقا على تقرير لاحد الاطباء البريطانيين الذي عرض فكرة التوجه للشرق الاوسط للحصول على الخبرة. كاتب الرسالة تكلم بالنيابة عن الأطباء العرب في المملكة المتحدة للفت نظر الاطباء البريطانيين لخطورة التوجه للعمل او التدريس او الدراسة في العراق. ذكر بعضا مما يحدث في العراق من التنكيل بالأطباء واستثناءات القبول للبعض في كليات الطب. ذكرت الرسالة ما حدث من تقاعد اجباري لأستاذة كلية طب بغداد وذكر بعضا منهم. صاحب الرسالة قص واقعة غير معروفة او مهملة الذكر وهي اعدام الطبيب د. باسم (أو بسام) محمد علي، المحاضر (المدرس) في كلية طب بغداد والذي أعدم في ٢٨ اكتوبر ١٩٧٩، أي قبل القرار بثلاثة اسابيع تقريبا (نسأل: هل الموضوع كان صدفة بحته أم له ارتباطات بخفايا قرار التقاعد؟).
قال الاستاذ الدكتور فرحان باقر رحمه الله ان الجميع لم يتظلموا للسلطة ولم يقدم أحد منهم طلبا لإعادة التعيين، ولم يستلم أي منهم كتاب شكر ولم تقام حفلة توديع متواضعة من كليتهم او دوائرهم لخدماتهم الجليلة للبلد على مدى عقود. بمساعدة وزير الصحة د. رياض العاني رحمه الله (أعدم في ١٩٨٢)، سمح لهؤلاء بفتح عيادات خاصة والسفر خارج العراق (حسب القوانين السارية حينها، كانوا ممنوعين من العمل في القطاع الخاص أو السفر للخارج). ترك البعض منهم العراق وعاش وتوفي في الغربة والبعض بقي في العراق ومارس الطب في العيادات والمستشفيات الخاصة.
بعد التقاعد، لاحظ البعض ان هواتفهم الارضية كانت كثيرة العطل وكانت هناك شكوكا بأنها قد تكون مراقبة من قبل الاجهزة الامنية. قال د. باقر انه لاحظ وجود سيارة بها اشخاص وبانتظام ولمدة ليست بالقصيرة بالقرب من داره وأنه لم يحتك بهم (ولم يحتكوا به أبدا) وانه غادر العراق في أغسطس ١٩٨١. نفس التبعات ذكرتها (بصورة عابرة خلال لقاء تلفزيوني) النائبة السابقة عن القائمة العراقية (لأياد علاوي) ميسون ابنة الاستاذ الدكتور سالم الدملوجي (تسلسل ٢ في القائمة) بأن والديها تركوا العراق في بداية الثمانينات بسبب مضايقات ومراقبة من قبل الاجهزة الامنية.
في نهاية التسعينات، تذكرتهم السلطة الحاكمة وأعادتهم على شكل هيئات مشرفة على الكليات الطبية العراقية (لتطويرها علميا) التي كانت تعاني من عقوبات دولية وحصار خانق بعد غزو العراق للكويت منذ العام ١٩٩٠. الوحيد الذي اعتذر عن الالتحاق بهذا الركب الجديد ممن كانوا داخل العراق، متعللا بظروف صحية كان د. مهدي مرتضى. رغم الصلاحيات الهائلة لهذه الهيئات (كإمكانيه اقالة العميد)، الا انها لم تقدم او تغير اي شيء يذكر حتى احداث ٢٠٠٣ وانحلت بعدها ذاتيا.
إعادة أحياء الموضوع:
في العام ٢٠٠٤ (عاما بعد تغيير النظام السابق) قابلت أحد المشمولين بالقرار (رحمه الله) خارج العراق بالصدفة. بعد التعريف بنفسي، سألته عن الموضوع. بان على أساريره الغضب ولم يقبل النقاش في الامر واكتفى بلعن النظام السابق والدعوة بالغفران لمن كان السبب. تكلم بنبرة مؤلمة وببطء وبصوت خافت ناظرا الى السماء مقلبا كفيه. ترك هذا المشهد الذي استمر لثوان قليلة أثرا كبيرا في ذاكرتي. لكوني من المتابعين والمعجبين بالدكتور حميد عبد الله (وبرامجه في فتح ملفات التاريخ الحديث)، قررت تتبع الموضوع في العام ٢٠١٠.
انتقل العديد من الاسماء الى بارئها وذاب السر تدريجيا (مع وفاة او اختفاء رموز النظام السابق) وذابت خدماتهم واسماؤهم بشرف في تاريخ بلاد ما بين النهرين الطبي. قبل ١٥ عاما، لم تكن الظروف ميسرة كما اليوم في الاتصالات والبحث في شبكات التواصل الاجتماعي والشبكة العنكبوتية. تفرقت بعد العام ٢٠٠٣ اغلب الكفاءات العراقية وانتشرت خارج وداخل العراق لأسباب متعددة.
حاولت التواصل واللقاء مع عائلات المحالين على التقاعد المبكر من المتوفين واستطعت مقابلة اثنين منهم فقط شخصيا. كان الحديث عاما ولم يتطرقوا الى تفاصيل دقيقة (السبب متفهم) ولكنهم اجمعوا على ان السبب غير معروف، ويبدو ان هناك أيادي داخلية (رفضوا اعطائي أي اسم، شكوكا فقط).
تركت متابعة الموضوع في اواخر العام ٢٠١٢، ولكن لم يغب عن ذاكرتي ابدا، وحديثا حصل معي نفس الموقف (أو مواقف متكررة منذ ٢٠٠٩، واخرها كان خبيثا جدا) ولكن بسيناريو أخر مختلف حاملا نفس الغرض وهو اغتيال الروح (عندما تضع الدولة نفسها ندا وخصما للكفاءات، فالسلطة هي الرابحة دائما ودوما).
نور في اخر النفق:
بالصدفة البحتة، وعن طريق أحد أصدقائي منذ أيام الدراسة في ثانوية كلية بغداد ومن ثم في كلية طب بغداد (طبيب يعمل في احدى دول الخليج العربي)، أخبرني ان "الاستاذ الدكتور عبد الجليل ثويني" (تسلسل ٣ في القائمة، بروفيسور في الاحياء المجهرية ورئيس للقسم في وقت ما في كلية طب بغداد، صاحب الفضل في أدخال علم المناعة الى العراق في الستينات) هو قريبه وزودني برقم هاتف ابنه (طبيب جراح في نفس الدولة الخليجية). متفضلا، نقل الزميل د. علي عبد الجليل استفساراتي الى والده الذي اجاب، مشكورا عليها، كتابة وبتفاصيل دقيقة والاجوبة في الاسفل (بتصرف مع ملاحظاتي، وبالاعتماد على التواريخ اعلاه، أعتقد ان استاذتا القدير حاول التذكر مشكورا بقدر ما يستطيع بعد ٤٦ عاما):
الأستاذ د. عبد الجليل ثويني علي (شكرا للدكتور علي عبد الجليل لإرسال صورة حديثة للوالد)
قال الأستاذ د. ثويني انه في يوم الأربعاء من نهاية شهر تشرين الثاني ١٩٧٩، سمع من البعض اشاعة بأن عددا من أساتذة كلية طب بغداد (من الخط الاول) قد أحيلوا على التقاعد وتوجس خيفة ورهبة من الموضوع (الاحالة على التقاعد بسبب قرار من القيادة السياسة العليا كان خطيرا بالتأكيد على المشمولين). بعدها بيومين (الجمعة)، التقى بأحد زملاء العمل اذ قال الاخير ان صديقا له في ادارة جامعة بغداد أخبره ان اسم د. عبد الجليل ثويني موجود في القائمة. كان وقع الكلام قويا وخطيرا مع توقعات مستقبلية سلبية عليه وعلى عائلته، ومؤلما بالتأكيد.
توجه د. ثويني يوم السبت (اضيف يوم السبت الى الجمعة عطلة رسميا في العام ٢٠٠٤) مبكرا الى الكلية وبدأ بجمع اغراضه الشخصية وكتبه وابحاثه وبدأ بإنجاز معاملة "براءة الذمة". كان عميد الكلية الاستاذ المساعد الدكتور محمد علي خليل المدامغة ضمن القائمة، لذلك لم يتقرب د. ثويني من العميد والعمادة، اذ ان الجو العام بدا واجما وتحت عيون زملائهم من أعضاء الحزب الواحد الحاكم. من الواضح للعيان ان الاساتذة الذين لم يشملهم القرار أخفوا تعاطفهم مع المحالين على التقاعد (كانت قبضة الدولة الامنية في أشد قوتها ومن عدم الحكمة الاحتكاك بها بأي شكل). أكمل د. ثويني اجراءات براءة الذمة في ٣ ايام وعلى الرغم من أن الباقين قرروا الانفكاك في اخر الاسبوع (الخميس) حسب ما قاله سكرتير العمادة هاتفيا، الا ان د. ثويني قرر الانفكاك بسرعة، مودعا بحزن والى الابد موطنه العلمي والبحثي.
لم يقام لهم حفل وداع او تكريم في الكلية (خشية من النظام وعيونه). بلغ تقاعد د. ثويني ١٣٤ دينار شهريا (بعد خدمة فعلية ١٥ سنة، اذ يعتبر زهيدا لعالم مسؤولا عن عائلة وممنوع من العمل الخاص). يبدو ان الدولة قد وجهت بتسهيل معاملات التقاعد وبدون عرقلة مع اتمامها بسرعة.
بقي د. ثويني بدون عمل في منزله. في نهاية العام ١٩٨٤، تلقى اتصالا هاتفيا لحضور اجتماع في الكلية الطبية العسكرية (أنشأت حديثا وحلت في العام ١٩٨٨ وتم نقل طلبتها الى الكليات الطبية العراقية). كان مخيفا فحوى الاتصال لشخص ابعدته الدولة اجباريا عن المشهد، ولكن قرر د. ثويني الحضور. ضم الاجتماع عميد الكلية (العميد الطبيب عبد الحميد التكريتي رحمه الله) مع عدد من الاطباء العسكريين والمتقاعدين المدنيين. أدار الجلسة اللواء الطبيب ابراهيم طه (رحمه الله) وطلب بلطف من الحضور المشاركة (المساعدة) في التدريس (كان د. طه معروفا بدماثة خلقه وأدبه). حبا في العمل والتدريس او خوفا من تبعات الرفض، وافق الجميع. استمر د. ثويني بالتدريس هناك من العام ١٩٨٥ الى ١٩٨٨ (الى وقت الغاء الكلية). ترك د. ثويني العراق في العام ١٩٩٣ للعمل في الاردن والالتحاق بجامعة البتراء استاذا ورئيسا لقسم التحاليل الطبية لغاية ٢٠٠٦ ثم التحق بعدها بجامعة فيلادلفيا وتقاعد نهائيا في العام ٢٠١١ بعد مسيرة علمية مشرفة لعقود.
مسببات القرار:
من خلال لقاءاتي واستفساراتي وقراءاتي، لم اطلع على سبب واضح لقرار الرئيس العراقي حينها. اذ ان جميع من حاورتهم (حتى القريبين من الجيل الثاني بعدهم) لم يعطوني جوابا يشفي الصدور (قيل، يقال، أشيع، يُعتقد) ولكن د. ثويني كان الوحيد الذي تكلم بصراحة عما دار في خاطره.
شخصيا، من خلال قراءتي لكتاب الاستاذ الدكتور فرحان باقر (حكيم الحكام من قاسم الى صدام، صدر عن مؤسسة المدى في العام ٢٠٠٨)، يبدو ان صدام حسين (كان نائبا للبكر حينها) لم يكن على ود مع د. باقر (الطبيب المقرب من الرئيس البكر) ومتحسسا منه (ذكرها صراحة نائب البكر، صدام حسين، في اجتماع في العام ١٩٧٥) ويبدو انه في موقف معين (اتصال هاتفي ربما كان مراقبا من السلطة) اظهر د. باقر حبه وولاءه للبكر بعد اقصائه (أو تنازله) عن الرئاسة بفترة قصيرة جدا. اما بالنسبة لأطباء مستشفى الكرخ، يعتقد د. باقر انهم شملوا بالقرار لأنهم تأخروا بالحضور بعد زيارة صدام للمستشفى (جاؤوا بعده).
نشاهد في أكثر من صورة فوتوغرافية على الشبكة العنكبوتية، تواجد د. خالد القصاب (جراح) و د. هادي السباك (جراح كسور) مع الزعيم (اللواء) عبد الكريم قاسم للإشراف على علاجه بعد محاولة اغتياله الفاشلة في نهاية العام ١٩٥٩ من قبل البعثيين والتي شارك فيها صدام حسين. كان يمكن اقصاء هؤلاء من الوظيفة او إنزال عقوبات عليهم او حتى مضايقتهم بعد استلام البعث للسلطة في تموز ١٩٦٨. من المتفهم والمتوقع إنك تنكل بشخص أنقذ حياة عدوك في وقت حاولت انت انهاء حياته لأسباب سياسية. قيل لي ان د. السباك بعد تقاعده بفتره تم سجنه لسنتين ونيف لسبب معين. غادر العراق في وقت ما وتوفي في الغربة في بريطانيا في العام ٢٠٠٤، رحمه الله. بقي د. القصاب في العراق، ومارس العمل الجراحي الخاص مع هوايته، الرسم واقامة المعارض الفنية. انتقل الى رحمته تعالى في الاردن في العام ٢٠٠٤.
الصورة من حلقة الاعلامي ديار العمري على قناته في منصة اليوتيوب المعنونة " قصة المخابرات العراقية، الماسونية وعملية المنامة"
في حلقة "قصة المخابرات العراقية، الماسونية وعملية المنامة" المعروضة على منصة اليوتيوب في ٦ مارس ٢٠٢٥، عرض المُقدم والمُعد الاعلامي ديار العمري (صاحب القناة) وثائق (وبسرعة) وقوائم لأسماء الماسونيين العراقيين. يبدو ان القوائم اعدت من قبل الاجهزة الامنية في وقت ما. نلاحظ في الجزء الصغير المعروض اسماء العديد من الاطباء [الماسونيين]، وكما وردت "٨٨- خالد القصاب (طبيب) عضو الهيئة المؤسسة للجمعية البغدادية"، "٦٠- جواد العبادي (طبيب) محفل بغداد"، و "١٢٥- سالم الدملوجي (طبيب) عضو الهيئة المؤسسة للجمعية البغدادية". نلاحظ ان القصاب والدملوجي لم توضع أمامها عبارة "محفل بغداد". الاسماء الثلاثة كانوا ضمن قائمة قرار مجلس قيادة الثورة اعلاه (لم تعرض جميع القوائم في الحلقة). هل كانت تهمة (وجريمة) الماسونية إحدى اسباب الاحالة على التقاعد؟ في احدى الصفحات، من جهة اخرى، وبإشارة بالقلم الجاف الاحمر على تسلسل ٣٧٢، نجد عبارة "وليد شوكت الخيال (طبيب) محفل بغداد". تدرج الطبيب العسكري الخيال في الخدمة حتى احيل على التقاعد بصورة مفاجئة في العام ١٩٧٦ وبرتبة لواء طبيب، رحمه الله.
قال د. ثويني انه، قبل اسابيع من القرار، قابل أحد الزملاء البعثيين في مرآب سيارات الكلية الذي تحدث عن وجود قائمة طويلة تضم اسماء اساتذة سيحالون على التقاعد ويبدو من نبرة صوته انه على علم بأن د. ثويني من ضمن المشمولين بالقرار (كان د. ثويني مستقلا سياسيا ولم ينتم لحزب البعث الحاكم او اي حزب سابقا).
يقلل د. ثويني من احتمالية ان الاتحاد الوطني لطلبة وشباب العراق كان له دور في الموضوع (لأن علاقة اغلبية الاساتذة ممتازة مع طلبتهم حسب قوله)، ولكن أخبرني أحد الاطباء (كان طالبا في كلية طب بغداد حينها) ان عضوا في الاتحاد قد تباهى ان لهم دورا في "ابعاد هؤلاء الخونة من الطابور الخامس" من الكلية.
ذكر الزميل الفاضل د. عامر هشام الصفار في كتابه "عبقري الجراحة في العراق" (الصادر عن دار اقلام للنشر في العام ٢٠٢١) والذي تناول سيرة الاستاذ الدكتور زهير البحراني رحمه الله ان الأخير تفاجئ بالقرار وحاول مرارا معرفة السبب ولم يفلح. لكنه علم ان اجتماعا مع عدد من طلبة الكلية (في مراحل الدراسة المتقدمة) من قبل جهة معينة قد عُقِد وتم اخبارهم بفحوى القرار الذي سيصدر قريبا جدا (صدر قرب منتصف الظهر) بإحالة عدد من أساتذتهم على التقاعد. قيل لهم "ان الزهور لا بد أن تتفتح" والمرحلة المقبلة "لن تكون سهلة" و "أن على الجميع بذل جهود مضاعفة في الدراسة". قبل صدور القرار، كان د. البحراني قد تجهز مسبقا لحضور مؤتمر دولي عن السرطان في دولة اليابان والقاء محاضرة مهمة عن سرطان العقد اللمفاوية، ولكونه ممنوعا من السفر، فقد قدم طلبا الى الرئاسة للسماح له بالسفر. جاء الجواب سريعا وبالإيجاب مع شكر له على جهوده في تمثيل البلد، مع تحويل (مبلغ مالي) بسيط. ذكرتني واقعة السفر هذه بما قاله د. باقر في كتابه عن موضوع سفره وكيفية سحب جوازه في المطار وبصورة مؤدبة في العام ١٩٨١ (لكونه ممنوعا من السفر). تم ارجاع الجواز له بعد فترة. اثناء تواجده في المطار للسفر بعد أشهر قليلة، تقرب منه رجلي أمن رفيعي المستوى وابلغاه شفويا بتحيات مدير الامن العام وامنياته له بالمعافاة من المرض والعودة سالما الى العراق. تدل كلتا الواقعتين على ان الاجهزة الامنية والقيادة السياسة والرئيس لم تتوافر لهم اي مؤشرات أمنية او سياسية سلبية على المذكورين اعلاه. ذكر د. باقر واقعة أخرى حدثت في السبعينات عن مرض احدى شقيقات صدام حسين (الذي كان نائبا للبكر وقتها) الراقدة في مستشفى اليرموك وانه (د. باقر) استدعى د. مؤيد العمري لمتابعة وعلاج الحالة المرضية لها في شغاف القلب. سافر بعدها د. العمري مع المريضة (مرافقا لها) ومع برزان (الاخ الغير الشقيق لصدام) الى المملكة المتحدة لعلاجها. كان لسفر د. العمري معهم تأثيرا كبيرا وايجابيا له وعليه كجراح في نظر العائلة (وصدام). بعدها بسنوات، أعطي للدكتور العمري التسلسل رقم ٣٥ في القرار مع عبارة "مفصول من الخدمة لمدة سنة".
في بداية الثمانينات، ظهر الرئيس (يمكن مشاهدة التسجيل على اليوتيوب) جالسا في اجتماع مع الكادر المتقدم في الحزب والثورة بحضور وزير التعليم العالي ومدير الامن العام وبعض المسؤولين الكبار لمناقشة ورقة عمل وزارة التعليم العالي. كل ادلى بدلوه. قال صدام حسين انه يجب علينا مسامحة "النحلة" التي تلسع جسدنا، ولكن يجب القضاء على "وكر الزنابير" (اعتقد ان الفئة الأولى هي من المغرر بهم والذين يمكن اصلاحهم لخدمة البلد اما الفئة الثانية فهم الاساتذة الذين قد يؤثرون على الطلاب بأفكارهم الخبيثة الخطرة على الحزب والدولة). كانت السلطة في أبهى قوتها الاقتصادية والسياسية والامنية، داخليا وخارجيا، ومع تولي صدام سدة الرئاسة، فلا مكان بالتأكيد لأي شخص معدوم الولاء او مشكوكا في ولائه، أيا كان، للالتحاق بالمسيرة، فالقرار صدر بعد ٤ أشهر على تولية السلطة المطلقة في الحزب والدولة. بالتأكيد، كل اسم ظهر في القائمة كان له مسوغ لإبعاده عن الوظيفية (كالتخلص من العناصر الفاسدة التي قد تبث البلبلة وتؤثر على المسيرة في أي وزارة كانت).
استنتاجي الشخصي، يبدو ان بعضا من كوادر كلية طب بغداد من البعثيين مع/او اطباء في اماكن عمل اخرى قد استغلوا بعض الظروف الخاصة (أو ربما بعض النقاط السلبية) المتعلقة بكل اسم في القائمة، مع وجود بغض او تحسس او عدم رضا القائد عن البعض، وحقيقة كونهم غير بعثيين، لتحقيق مصالح شخصية بأبعاد الجيل السابق وإخفائه من المشهد العلمي والتعليمي والطبي. أكد استنتاجي د. ثويني اذ قال انه يشك في ٣ او ٤ اسماء من زملائه البعثيين في الكلية (رفض الافصاح عن أسمائهم لعدم وجود دليل قاطع، يقال انهم كانوا اللجنة المسؤولة عن الموضوع)، اذ كان واضحا من تصرفاتهم ان لهم طموحات معينة لن تتحقق الا بإزاحة البعض (وفعلا تحققت طموحات البعض منهم بعد تقاعد الخط الأول). كما ان عبارة "ان الزهور لا بد ان تتفتح" ربما قصد بها قائلها اعطاء الفرصة للجيل الجديد من الاطباء لتبوء المناصب والمضي قدما في الوظيفة والتدريس والعمل الطبي بدون منافسة او عرقلة او تأخير من الجيل السابق او الأسبق. والله أعلم.
بعد العام ٢٠٠٣ (الغزو الأمريكي للعراق):
أصدر مجلس الحكم العراقي قرارا باعتبار المدة الممتدة من التقاعد (المبكر) في العام ١٩٧٩ الى ٢٠٠٣ خدمة فعلية لأغراض التقاعد وأعطي الذين مازالوا على قيد الحياة خيار العودة للوظيفة. تم صرف فروقات الرواتب التقاعدية لذوي المتوفين آنذاك. بعدها، اعتبر مجلس الوزراء المشكل حديثا (بعد ٢٠٠٣) ان قرار مجلس قيادة الثورة (المنحل) اعلاه، اعتبره فصلا سياسيا (مما منح هذه الكوكبة من المتقاعدين امتيازات معينة). بالتفاته جميلة، اقترح أول وزير صحة بعد تغيير النظام السابق، د. خضير فاضل عباس (من حزب الدعوة الاسلامية، الذي كان طبيبا ممارسا عاما في المملكة المتحدة قبل تغيير النظام السابق)، اقترح على كلية الطب وجامعتها (بغداد) تسمية بعض القاعات والمختبرات بأسماء هؤلاء من الكادر التدريسي السابق لرفع الظلم عنهم وقال د. ثويني ان هذا لم يحصل (في حينها نعم، اذ توجد قاعة للتدريس في كلية طب بابل مثلا تحمل اسم الاستاذ الدكتور فرحان باقر ولا اعلم متى تم اطلاق التسمية، اذ انتقل د. باقر الى رحمة الله في العام ٢٠١٧ بعد ان ناهز ال٩٤ عاما، ولا اعلم ان تم تسمية اي قاعة او بناية أخرى في أي جهة رسمية على اسم هؤلاء الاساتذة). لم تلتفت كلية طب بغداد او اقسامها أو جامعتها لهؤلاء بعد التغيير في ٢٠٠٣ وباستثناء أستاذ او استاذين، فلم يتم دعوة أي منهم للتكريم، او لحضور ندوة علمية، او مناقشة اطروحة، او فعاليات اخرى، حسب تعبير د. ثويني الذي قال "ان كل ما حصلنا عليه هو شمولنا بتقاعد الخدمة الجامعية".
ناقش د. باقر مع اول رئيس لجامعة بغداد بعد التغيير في ٢٠٠٣ اسباب القرار وحيثياته كما قال د. ثويني، ووعد رئيس الجامعة خيرا، ولكن لم يحصلوا على أي نتيجة منه. "تركت الاحالة على التقاعد مرارة في قلوب الزملاء لم يشفوا منها طوال حياتهم" قال د. ثويني وأضاف عبارة "نذكرها دائما حين يلتقي اثنان منا".
ختاما:
جاء القرار كالصاعقة بعد ٤ أشهر من حادثة قاعة الخلد (في ٢٢ يوليو ١٩٧٩) واعدام وسجن عدد كبير من اعضاء القيادة السياسية للحزب الحاكم (في ٨ أغسطس ١٩٧٩) بعد اقصاء او تنحي البكر (في ١٦ يوليو ١٩٧٩). فالعديد من الاسماء اللامعة في القائمة وجدت نفسها مطرودة ومخونة وحبيسة المنزل، بدون عمل مع نظرة مجتمعية مثيرة للشفقة (أو الشماتة من البعض)، وتحت المراقبة الأمنية. لا يمكن بالتأكيد لأي واحد منا ان يشعر بما شعروا به من خذلان وعدم رد الجميل والخوف من المستقبل. اضطر البعض الى مغادرة العراق وعاشوا وتوفوا بعيدا عن ارضه، قبل أو بعد تغيير النظام في ٢٠٠٣، وضاعت حقوقهم وخدماتهم واعمالهم وذهبت مع الريح سنه بعد سنه، والأجيال المعاصرة لا تعلم عن الموضوع شيئا ولا تأبه به (فالظروف والأسماء والمسميات تغيرت). تخرجت انا من كلية طب بغداد، وكنت من الاوائل والناجح الاول في الطب الباطني. فالرسالة العظيمة لهؤلاء الابطال المنسيين هي التي حافظت على الطب العراقي وأسم وسمعة الطبيب العراقي المشرفة، فقد كانوا بحق سفراء للعراق بعلمهم وعلومهم منذ ان كانوا طلبة دراسات عليا. تشرفت وتطورت العديد من الجهات الطبية في الدول العربية والغربية بجذب هذه الكوكبة المغضوب عليها للعمل لديهم، والبعض منهم ساهم في تأسيس كليات وبرامج طبية تدريبية لمواطني تلك الدول في حين خسر عراق الرافدين ومواطنوه وطلاب طبه خدماتهم والى الابد. حسب علمي، لم يلتحق أي منهم، كرد فعل متوقع حينها، بالمعارضة العراقية في الخارج.
لماذا لم يطبق هكذا قرار جماعي على باقي الوزارات والوظائف غير الطبية؟ لماذا كان التركيز على الاطباء وبالذات على كلية الطب في جامعة بغداد؟ من الذي ادخل فكرة ابعاد هؤلاء كقائمة موحدة في تفكير الرئيس؟ من الذي وضع تسلسل الاسماء؟ هل كان هناك اسماء اخرى تم حذفها؟ هل كانت القائمة تخلو من بعض الاسماء التي اضيفت لاحقا من قبل الرئيس أو أحدهم؟ هل كانت وشاية؟ أين الأوليات والوثائق المتعلقة بالقرار؟
أثبتت عقيدة النظام السابق انها لا تهتم بالفراغات الوظيفية، اذ يمكن ابدال او استبدال أي موظف في الدولة بآخر ولأي سبب كان، بغض النظر عن شهادة او كفاءة المستبعد والبديل الطارئ على حد سواء (ويبدو ان عدوى هذه العقيدة مستمرة الى وقتنا الحاضر، ولكن بتسميات مختلفة). ولّد القرار جرحا نازفا لعقود في قلوب ومشاعر ضحاياه الذين خدموا بلدهم ومواطنيهم بأمانه واستطاعوا خلق أجيال من الاطباء الذين يشار إليهم بالبنان في كل دول العالم.
اعتقد ان السلطة وعلى الرغم من قرارها الظالم، فقد أخذت بعين الرأفة (لسبب او لآخر) واختارت الابعاد الوظيفي كعقوبة وعدم التوجه الى عقوبات سالبة للحرية او حتى الاعدام. فالنظام السابق كان معروفا بالتطرف في إنزال اقصى العقوبات لمجرد الشك في الولاء او الخيانة، وشخصيا أعتبر ان هذه المجموعة قد نجت بأعجوبة من الموت. ولكن من جهة اخرى، قد اغتالتهم نفسيا ومجتمعيا، فاستخراج هكذا قرار يعني ضمنيا ان الدولة قد خونتهم علنيا وانهم خطيرون على المجتمع التعليمي والطبي، وعليه، قد نسفت تماما والغت تأريخيهم المشرف في الدراسة والبحث والإنجازات العلمية وقدراتهم على رعاية مواطنيهم والعطاء، والمهم الاهم هو ان السلطة قد سلخت منهم صفة حب الوطن. عوضا عن حقيقة مهمة حياتية، وهي عدم القدرة على العمل الخاص لكسب الرزق (صدر لاحقا قرار يسمح لهم بالعمل الطبي الخاص). واجهت عائلاتهم حرجا كبيرا وخوفا مبررا عند ملئهم استمارات حكومية لأغراض معينة تسأل عن سبب تقاعد الاب.
أقترح على كلية طب بغداد وعلى وزارة الصحة عمل نصب تذكاري تخليدا لأسماء هذه الكوكبة اللامعة من الأطباء. شكري وتقديري للأستاذ القدير د. عبد الجليل ثويني للمعلومات القيمة التي أثراني بها. امتناني واحترامي لكل من (حسب تسلسل الاسماء في القرار وكما وردت): فرحان باقر، سالم فاروق الدملوجي، عبد الجليل ثويني، خالد ناجي، زهير رؤوف البحراني، علي غالب ياسين، عزالدين شكارة، خالد عبد العزيز القصاب، محمد علي خليل، حامد المنذري، الكريم الخطيب، هاشم عبد الرحمن، نجم عبد الله الحديثي، مهدي مرتضى، احمد ناصر نصر الله، لمعان أمين زكي، غازي السامرائي، حاجم السامرائي، مردان علي، غالب كاظم الاعرجي، محمد صالح العاني، نهلة الشابندر، هادي السباك، طلال ناجي شوكت، أكرم عبد المهدي الهلالي، فائدة كابان، محمد حسن عبد العزيز، خليل الشابندر، محمد هادي جواد الحسني، عبد الامير صادق عمران، علاء الدين الخالدي، ناصر حسن علي الحسيني، موفق الربيعي، احسان خليل عيسى، مؤيد مصطفى العمري، فريد محمد علي اسعد، رجاء عبد الغني عبد الله، خيري حميد محمد، حسين طالب محمد علي، جابر محسن، صاحب زيني، هاشم توفيق السامرائي، محمود عبد الهادي البحراني، جواد العبادي، جعفر صادق الحسني، كامل اسماعيل الجواهري، فاضل القدسي، و منقذ الجيبه جي. رحم الله من فارق الحياة وانتقل الى بارئه واطال الله في عمر الباقين وحفظهم من كل مكروه.
*طبيب استشاري في طب الاعصاب وزميل كليات الأطباء الملكية في ادنبرة، كلاسكو، لندن، ودبلن
944 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع