عبد الجبار الجومرد وأبرز محطات حياته.. الجزء الثالث

 الأستاذ الدكتور باسل يونس ذنون الخياط

أستاذ مُتمرِّس/ جامعة الموصل

عبد الجبار الجومرد وأبرز محطات حياته.. الجزء الثالث

لقد كانت تربط الدكتور عبد الجبار الجومرد علاقة وثيقة بالرئيس التونسي الحبيب بورقيبة (1903-2000) منذ أيام عمله في الجامعة العربية. وبعد زيارته للمغرب ومقابلته للملك محمد الخامس بتاريخ 1958/9/2، توجه الجومرد إلى تونس للقاء الرئيس التونسي بورقيبة.

وفي مساء يوم 1958/9/4 اُستقبل الدكتور عبد الجبار الجومرد في مطار تونس بوصفه وزير خارجية العراق، ويذكر الجومرد في مذكراته: "وصلتُ ليلا إلى تونس ونمتُ في قصر (باي تونس) بعد استقبال حافل في المطار برئاسة وزير الخارجية (الدكتور صادق المقدم) والذي كان صديقا لي في باريس".

ثم يضيف الجومرد قائلا: "وفي الصباح أخذتنا سيارة إلى (المنستير) لمقابلة الرئيس بورقيبة، فاستقبلني في قصره بصورة رسمية وتعانقنا بحكم الصداقة التي كانت بيننا وقلّدني (وسام الاستقلال الأكبر) التونسي.. وتحدثنا طويلا من الصباح حتى المساء فأقنعته بالدخول في الجامعة العربية رغم الخلاف الشديد الذي كان بينه وبين الرئيس عبد الناصر...).

 

الجومرد السياسي:
اُنتخب الجومرد نائبًا في مجلس النواب ثلاث مرات (في انتخابات 1948، 1952، 1954)، وكان نائبا وطنيًا نزيهًا وشجاعًا في معارضته للانحراف السياسي والإداري، وقد لعب دوراً مهماً في الجبهة الشعبية التي ضمت الأحزاب القومية والتقدمية بين عامي 1951 و 1953.

برز عبد الجبار الجومرد الذي يُعدّ من السياسيين المعارضين البارزين؛ سيما في انتقاداته العنيفة التي وجهها للسلطة الحاكمة بوصفه نائباً في المجلس النيابي، على الرغم من قصر الفترة التي عمل الجومرد فيها نائباً وهي ثلاثة سنوات ونصف.

وخلال فترة حكومة مزاحم الباچه چي سنة 1948 أسس الجومرد مع عدد من النواب المعارضين كتلة برلمانية ضد الوضع القائم في العراق حينذاك. وكان الجومرد من أشد الأقطاب المعارضة في المجلس النيابي لجميع الوزارات التي تشكلت في العهد الملكي ولغاية استقالته من المجلس النيابي سنة 1950. وحصل الجومرد خلال حياته النيابية على شعبية واسعة وأصبح قريباً من تطلعات وأحاسيس الناس.

وفي 14/تموز/1958 قامت الثورة ضد النظام الملكي في العراق وأنيطت إلى الجومرد وزارة الخارجية دون علمه، ومارس عمله بوصفه أول وزير خارجية للعراق في العهد الجمهوري، وقد استقال من الوزارة بتاريخ 1959/2/7.

لقد كان الجومرد خَطِيبا مُفَوَّهٌا وشاعرا مشهودا له، وقد القى كلمة الجمهورية العراقية في الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 1958/8/18، وكانت الكلمة باللغة الفرنسية وذلك لكون اللغة العربية لم تكن من اللغات المعتمدة آنذاك في الأمم المتحدة.

https://www.youtube.com/watch?v=njO1MLm7a1U

وفي أواخر شهر آب 1966 انتشر مرض الكوليرا في العراق انتشاراً واسعاً، وعلى أثر ذلك تشكلت لجنة شعبية بهذا الصدد في مدينة الموصل وترأس الجومرد هذه اللجنة التي أخذت على عاتقها توعية الناس لغرض حصر المرض، وقد قامت اللجنة بعدة أنشطة صحية كوسيلة من وسائل الوقاية من مرض الكوليرا.

وفي أواخر تشرين الثاني 1966 اختارت رئاسة جامعة الموصل الجومرد لأن يكون عضواً في مجلس كلية الإنسانيات (كلية الآداب حالياً) لكون الجومرد يحمل شهادتي دكتوراه في الأدب والقانون؛ فضلاً عن مواهبه ومؤهلاته الأدبية الخاصة؛ كما وإن له من المؤلفات ما يؤهله للاضطلاع بأكبر المناصب الجامعية.

رفد الجومرد الكلية بآراء سديدة لخبرته الواسعة واستمر في عضوية المجلس سنة دراسية كاملة (1966-1967)، إلا أنه لم يستطع إكمال هذه المهمة بسبب ظروفه الصحية.

الجومرد المؤرخ:
لقد كان للجومرد العديد من المعجبين بكتاباته وكتبه في أرجاء العالم العربي، ولعل من أسباب ذلك أُسلوبه المميز في الكتابة والتزامه البحثي الأكاديمي في توظيف أسلوبه الأدبي، كشاعر ومسرحي وخطيب، مما أضفى على السرد التاريخي وعلى الصياغات الاستنتاجية روح أدبية أكسبت نصه سمة السرد الأدبي الروائي، دون ان تبعد النص عن مرجعيته.

أذكر مرة حدث خلاف بين رأيين متباينين حول مسألة تاريخية في مجلة العربي الكويتية أيام رئيس التحرير أحمد زكي، أحدهما لكاتب أردني معروف والآخر للجومرد. فتدخلت إدارة المجلة ورجّحت رأي الجومرد بعد أن أشادت بالجومرد وبثقافته العالية.

كتاب تاريخ الموصل:
لقد كانت فكرة كتاب الجومرد الموسوم (تاريخ الموصل)، الذي لا يزال مخطوطا، قد تبلورت منذ زمن في ذهنه، وقد باشر الكتابة فيه بعد انتهائه من تأليفه لكتاب (داهية العرب أبو جعفر المنصور) سنة 1963 وبنفس النهج والرؤية التي يتميز بها الجومرد.

هذه المرة مع تاريخ الموصل، وكان قد أسعفته ما عانته مدينته طوال تاريخها الطويل. وكان يقوم بزيارات أسبوعية للمكتبة العربية لصاحبها (عبد الرحمن الكركجي) في شارع النجفي، وقد استغرق منه العمل في (تاريخ الموصل) ما تبقى من حياته.

لقد كنتُ أسمع الجومرد وهو يتحدث عن كتاب (تاريخ الموصل)، وكان يشيد به كثيرا ويقول إن الكتاب يتحدث عن الموصل منذ بناء أول حجرة فيها إلى الآن. وكان يذكر أنه لا يريد كتابة تاريخ الموصل كحالة منعزلة محلية؛ بل الموصل والتاريخ كحالة جغرافية متسعة، في سياق إقليمها، سياسيا ودوليا وتاريخيا.

وأذكر أنه عندما انتشر مرض الكوليرا في الموصل سنة 1966 رغب الجومرد في أن يتبرع بريع ذلك الكتاب للمساعدة في معالجة المرضى.. إلا أن الكتاب لم يُطبع أو يُنشر.

بعد ثورة 14 تموز 1958 ظهرت ظاهرة تسمية المواليد الذكور (ثائر)، وكان الجومرد يتألم كثيرا وهو يرى حالة الفوضى والاغتيالات التي أعقبت ثورة الشوّاف 1959، وعندما كان يرى أخي الصغير (ثائر) كان يقول للمرحوم والدي: "أبدل اسمه فالثورة لم تطلع كما توقعنا".

لقد كان لتردي الأوضاع في البلد أثرا واضحا على تردي الحالة الصحية للجومرد، وكان يعالجه الطبيب المعروف الدكتور عبد الاله الجوادي الذي نصحه بالراحة وعدم الانفعال، فأجابه الجومرد: (كيف أتجاوز الانفعال.. ومملوك ناكر للنعمة يقتل ابني سيده ليمضي بملكهما لنفسه)!!

لقد زار عبد السلام عارف (1921-1966) الموصل مباشرة بعد ثورة 1958 عندما كان وزيرا للداخلية ونائبا لرئيس الوزراء، وألقى خطابا مليئا بمفردات وأراء غير مألوفة، وظل أبناء الموصل يتندرون بذكرها لفترة طويلة.

وفي سنة 1964 زار الرئيس عارف الموصل والتقى بالجومرد وسأله: (يقولون إنك تكتب تاريخا لمدينة الموصل)؟، فـجابه الجومرد بالإيجاب، فقال له عارف: وعند أية سنة من تاريخ المدينة ستتوقف؟ فرد الجومرد: سأقف عند سنة 1958، فقال الرئيس عارف: ولماذا لا تُكمل؟ فأجابه الجومرد: لأنك ستكون عندها محور الحديث.. سيادة الرئيس!!

نشر عبد الجبار الجومرد ستة كتب:
1- الدستور العراقي عام 1925 في النظرية والتطبيق، سنة 1941.
2- مأساة فلسطين العربية، سنة 1945: (الكتاب باللغة الفرنسية ونشره في باريس وهو أول عمل عربي عن فلسطين بالفرنسية).
3- الاصمعي: حياته وآثاره، سنة 1955.
4- هارون الرشيد (جزءان)، 1956. (يعدُّ مرجع هام لتاريخ الدولة العباسية وملابساتها من قبل نشأتها إلى نهاية القرن الثاني وبدايات القرن الثالث الهجري).
5- يزيد بن مزيد الشيباني،1961.
6- أبو جعفر المنصور مؤسس دولة بني العباس، سنة 1963.

وللجومرد كتب مخطوطة لم تطبع لحد الآن منها:
1- تاريخ الموصل.
2- العراق في تاريخ الثورة الاجتماعية.
3- محور النجاة.
4- سياسة العراق الخارجية.

اقتراح هام:
أقترح من هذا المنبر على جامعة الموصل أو أي جهة رسمية أخرى أن تتولى جمع وطبع ونشر أعمال الدكتور الجومرد غير المنشورة للاستفادة منها من قبل الباحثين لأن هذه الأعمال تُعد جزءا مهما من تاريخ العراق.

وللحديث بقية إن شاء الله تعالى.

 

  

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

702 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع