حمّام العليل وحديث الذكريات: الجزء الثاني

الأستاذ الدكتور باسل يونس ذنون الخياط
أستاذ متمرس/ جامعة الموصل



حمّام العليل وحديث الذكريات: الجزء الثاني

لقد كانت مواقع المياه الكبريتية في حمّام العليل مركز جذب للنشاط والاستيطان البشري منذ أقدم العصور بفعل دورها في الاستخدامات الطبية، وقد ازدادت أهمية الينابيع الكبريتية في أوقات الغزوات والحروب والأوبئة، إذ تُستخدم لأغراض الاستحمّام في مياهها واستنشاق بخارها وشرب المياه لمعالجة الأمراض. وقد تم اكتشاف الكثير من الآثار حول مواقع هذه الينابيع التي تدل على تعرضها قديماً إلى نشاط اقتصادي وتجاري.

تلعب عيون المياه واعتدال المناخ دورًا مهمًا في اعتماد سكان حمّام العليل على الزراعة والسياحة؛ فهي مجالات تساعد على كسب قوتهم اليومي بمجرد استقبال السياح والزوار القادمين من مختلف المناطق.

يقع في حمّام العليل عدة عيون معدنية أهمها ثلاثة هي: العين الكبرى، وعين زهرة، وعين فصوصة، وهذه العيون ذات مياه كبريتية حارة وتنبع عند الشاطئ الأيمن من دجلة.

تمتاز مياه عيون حمّام العليل بانها ساخنة لدرجة الغليان صيفاً وشتاءاً، وتُسحب المياه من العيون الموجودة قرب نهر دجلة إلى حمّام مائي كبير على شكل حوض وهي مقسمة إلى قسمين: حمّام خاص للرجال وحمّام خاص للنساء.
ونظرا لكثرة الزائرين لهذا للحمّام فقد قاموا ببنائها وتقسيمها إلى حوض كبير وأحواض صغيرة، حيث يُسحب الماء من العيون الواقعة قرب النهر إلى هذه الحمّامات الواقعة في الأعلى بواسطة مضخات كبيرة.

لقد كان يدير الحمّام رجل أعمال ناجح هو (أحمد العلي) (أبو صبحي)، وقد قام هذا الرجل بإنشاء كازينو بجوارها يستمتع الناس فيها بخرير الماء من بين الصخور في النهر، وكان يُطلق على هذا الماء (روج أحمد العلي). وكانت تُقدَّم في الكازينو المشويات والسمك المسگوف.

وكانت العوائل تستأجر في الصيف دورا شرقية أو عرازيل تابعة لأحمد العلي وغيره لمدة أسبوعين أو أكثر حيث يستحمّون يوميا. و (العرزالة) هي عبارة عن مأوى مُشيّد من الخشب والحصير، كان يستخدمه الناس للراحة والنوم.

إن جمال البيئة التي تتمتع بها منطقة حمّام العليل، فضلا عن الاستخدامات الطبية، جعلها قبلة للزائرين، ولو تم تطوير المنشآت السياحية والخدمية فيها، لكان يمكن لحمّام العليل أن تُنافس حمّامات المياه المعدنية التركية الشهيرة.

الذهاب إلى حمّام علي:
لقد كان الذهاب إلى حمّام علي أمنية جميلة يتمناها أهل الموصل؛ رجالا ونساءا وصغارا وكبيرا. وكانت العوائل تقصد حمّام العليل غالبا في أيام الخميس والجمعة والسبت.

في الماضي كان الذهاب إلى حمّام علي يتم عن طريق النهر أو بواسطة الدواب، كما كان بعض الشباب يذهبون إلى هناك سباحة ثم يعودون إلى الموصل مشيا على الأقدام عند المساء.

لقد كان عصر القطار يمثل العصر الذهبي لحمّام العليل، وقد ارتبطت الذكريات الجميلة للموصليّن بقاطرات المحطة التي كانت تزدحم في فصل الصيف بسبب السفر إلى حمّام علي للاصطياف والتمتّع بمياهها الكبريتية الحارة، وكان من عادة المصطافين حمل المتاع من أواني الطبخ ومونة الطعام والأفرشة وكل ما يحتاجونه من متاع ومؤن لقضاء أياما معدودات هناك، كما كانت تسافر مع العائلة عائلات أخرى أحيانا تصاحبها من الأقارب والجيران، وكان يتم حجز محل للإقامة هناك مسبقا.

لقد كان السفر بالقطار يوفر للمواطنين العديد من المزايا الإيجابية، حيث كانت العائلة تأخذ معها احتياجاتها للمبيت والاصطياف في (حمّام علي).



لقد كان القطار يبدأ رحلته المنشودة من الموصل نحو حمام علي بصفير قوي لتنبيه الناس بأنه سيغادر المحطة. وفي الطريق إلى حمّام علي، وقرب قرية (ألبوسيف) كان القطار يمر من خلال نفق كان يسمى (اللقم) ويقع في تل، وكان المسافرون يقومون بإغلاق شبابيك القطار لكون القاطرة كانت تسير بواسطة الفحم الحجري الذي كان يبعث دخانا كثيفا.

وبعد الخروج من (اللقم) كانت تنطلق الأغاني ويبدأ المرح كلما اقترب القطار من حمّام علي، وبعد قطع القطار 27 كيلومترا يصل القطار إلى محطة (حمّام علي)، ويطلق صفيرا آخر ينبه الناس إلى وصوله، وكأنه يقول لهم: تهيؤا للنزول فقد وصلنا إلى (حمّام علي).

لقد وظّف المواطنون القطار لينتقلوا به من الموصل إلى حمّام العليل في رحلات آمنه ومريحة ورخيصة. فلا غرابة أن يتغنى الشعراء بالقطار الذي وفر للمواطنين هذه الخدمات المميزة.

لقد كانت أغلب مناطق إقامة المواطنين في حمّام علي هي (العرازيل)، وهي عبارة عن مخيمات مؤقتة مشيدة من الخشب والحصير، وفي الداخل هناك فناء وحجرة واسعة رُفعت فيها دكات مبنية من الطين وعرضها يتسع لوضع الأفرشة التي يستخدمها الناس للنوم.

ولم يكن هناك طاقة الكهربائية، لذا كانت النيران توقد بواسطة الخشب والحطب لتحضير الطعام. وفي الليل تُزين السماء النجوم ويطل القمر بجماله وبنوره الساحر الذي يضفي على الأماسي جمالا ساحرا.

ثم يأتي الصباح بنسماته العليلة القادمة من نهر دجلة ويأتي معه بعض سكان القرى والأرياف المحيطة بحمّام علي ليُعرضوا نتاجهم من الخبز الحار واللبن والقشطة والقيمر والفواكه والخضراوات الطازجة.

لقد كانت من مراسيم زيارة حمّام علي الذهاب إلى (تل السبت) المجاور، وقد تستمر الرحلة طوال أسبوع أو أكثر، وعند العودة إلى الموصل كانوا يُرجعون معهم (علك الحمّام الأسود) هدية للأصدقاء. وهذا العلك هو مادة قيرية تخرج من جوار الحمّام.

أغنية (صاح القطار قومي انزلي):
للقطار حضور واضح في التراث العراقي لما تكتنفه رحلة القطار من ذكريات تبقى منقوشة في الوجدان، من ذلك أغنية (صاح القطار قومي انزلي) التي عاشت في وجدان آبائنا وأمهاتنا العراقيين في الزمن الجميل.

لقد حفظ الفولكلور الموصلي المشاهد والأحداث التي ترافق رحلة القطار إلى حمّام علي، وما يرافقها من صور وأحاسيس وتقاليد جميلة بالأغنية الفولكلورية التي تُصوّر بريشتها الجميلة تلك الفعاليات من خلال كلماتها النابضة.


لقد كان الشاعر والكاتب والمفكر الموصلي الأستاذ عبد الغني الملاح (1920- 2000) أول من كتب القصيدة الجميلة (صاح القطار قومي انزلي) باللهجة الموصلية، وكان الفنان فوزي سعيد الموصلي الملقب (سفير الأغنية الموصلية) هو أول من نشرها وغناها وطورها وجعلها زنجيل بالتسلسل تُغنى في حفلات الأعراس منذ خمسينيات القرن الماضي.

كما غنى هذه الأغنية أيضا، بعد إجراء تحويرات عليها، (شهيد الفن) محمد عبد المحسن (1930-1983) والذي أستشهد في حادث انفجار إذاعة بغداد عام 1983.

أغنية (صاح القطار قومي انزلي) تُعبّر بدقة عن أحاسيس امرأة موصلية في الزمن الجميل عند وصلها بالقطار مُتلهفة إلى محطة حمّام علي وهي تنادي صاحبتها قائلة لها:

صاح القطار قومي انزلي .... كن وصلنا حمّام علي
دطلع على تل السبت .... معاي هرجي وكم بنت
نغني ونفغح كل وقت ... وارجع واقول ادللي
*****
والله اش دعمل عمل ... وازهابي مايشيلو جمل
وكل شي عندي كن كمل ... والدهن يملي امزملي
*****
دعزم انا كل الخلق ... متونسي من ضيق الخلق
كل من يغشعني ينشلق .... وانا مسعودي امفنجلي
*****
لما اغوح على الحمّام ... ايهلهلولي القيام
اسبح واشويه انام ... اقعد الدولمه تنغلي
*****
اشلح واقعد على معين ... اضوي كل القيعدين
كنيني من حور العين ... وجسمي فضه مكعكلي
*****
دشلح عباتي واشتهر ... واسفر على ضو البدر
كل من يغشعني ينبهر ... والليل بيي ينجلي
*****
وانزل على حيفت الشط ... والسفغه يمي تنحط
واحمغ خدي وانخط .... بلذهب غجلي مجلي
*****
وانزل على اغض العوين ... وانصب الجاي عل ميزين
كل من تمر بل ايدتين ... اقلا عيني اتفضلي
*****
الله عطاني غجال ... يلبس زبون واعكال
لا ياشيطان اش حيال ... كل يوم بمودة يبتلي

https://www.youtube.com/watch?v=ApN_dLekx2Y

وللحديث بقية إن شاء الله تعالى.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

512 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع