راوندوز.. أصالة الحضارة والجمال وذكرياتي عنها

                                              

      بقلم المحامي المستشار محي الدين محمد يونس

   

      راوندوز.. أصالة الحضارة والجمال وذكرياتي عنها

حكايتي هذه المرة لها صلة بالحديث عن المدينة العريقة (راوندوز) وقبل أن أسردها فضلت الحديث عنها، لا أدري إن كان مصادفة في أن اخدم وظيفياً في هذه المنطقة ثلاث مرات فالمرة الأولى حصلت عندما جرى نقلي من آمرية قوة الشرطة السيارة في بغداد الى محافظة اربيل عام 1973 حيث تم تنسيبي ضابطاً لمركز شرطة راوندوز وخدمت فيه لمدة شهرين فقط ولاقيت حينها صعوبة بالغة في التأقلم مع الوضع الجديد للفرق الشاسع بين هذه المنطقة ومحافظة بغداد وذلك لاختلاف المفاهيم الثقافية والاجتماعية بينهما وتعودي على نمط الحياة في العاصمة بغداد.

في المرة الثانية جرى نقلي إليها في عام 1984 مديراً لشرطة قضاء الصديق وبسبب قبولي في المعهد العالي لضباط قوى الأمن الداخلي في بغداد لم يتسنى لي الدوام سوى لشهر واحد وبعد أن أمضيت سنة دراسية فيها تكللت بالنجاح والتفوق ومن ثم عاودت الدوام فيها عام 1985 وايضا لمدة شهر واحد أو أكثر بقليل حيث صدر أمر نقلي نائبا لمدير شرطة محافظة اربيل، وحصلت هذه الحكاية في بداية عام 1987 والتي لا تخلو من الطرافة عندما استلم مهام وزارة الداخلية (سمير عبد الوهاب الشيخلي) انشغل جميع منتسبي الوزارة بتطبيق تعليماته وأوامره كل حسب طبيعة عمل دائرته تميز الرجل بالصرامة والجدية في العمل الدؤوب المستمر والمتابعة، اعطى لشخصيته انطباعا في نفوس منتسبي الوزارة بالقسوة في التعامل معهم مما جعلهم يهابونه وفي اعتقادي الشخصي أن هذه السمة في شخصيته لم تكن سوى سمة ظاهرية ولم تكن حقيقية والرأي الذي كونته عنه أنه كان يتظاهر بالشدة والقسوة وفي حقيقته كان انسان يولي الجوانب الانسانية والاجتماعية والاقتصادية للمنتسبين اهتماماً متميزاً عند تعامله مع من كان يخطئ منهم ويكون في موقف يستوجب المسائلة والحساب حيث كانت إجراءاته في هذا المجال تأخذ بنظر الاعتبار الوضع العائلي والمستقبل الوظيفي للمنتسب.

     

                          سمير الشيخلي

وكان يحاول قدر الامكان ان لا تمتد تداعيات العقوبة والمحاسبة إليهما.
فور مباشرته واستلامه لمهام عمله في وزارة الداخلية انشغل وشغل معه كبار ضباط مديريات قوى الأمن الداخلي (الشرطة، المرور، الجنسية، الدفاع المدني) في عقد الاجتماعات واللقاءات المكثفة والتي كانت تتمخض عنها حزمة من القرارات والتعليمات التي تخص النواحي الإدارية لعملها بالإضافة إلى النواحي الامنية والاقتصادية والاجتماعية لعموم الوضع السائد وبما له علاقة بعمل الوزارة ومسؤولية هذه المديريات كل حسب اختصاصها.
لقد كان التعامل مع الوزير الجديد (سمير عبد الوهاب الشيخلي) صعباً للغاية بسبب مطالبه الكثيرة والتعجيزية في بعض الأحيان ومتابعته الدائمة والأسلوب الخشن في التعامل وخاصة عندما يكون متأثراً وبحالة نفسية غير مستقرة وعصبياً.
لكون الحكاية التي انوي سردها عليكم لها علاقة بهذه المدينة العريقة (راوندوز) ارى من المستحسن الحديث عن تاريخها وما مرت به من مآسي ومحن. ونعرج في أدناه على بعض المحطات من تاريخها غير البعيد:
اولاً/ قضاء راوندوز من الاقضية القديمة والعريقة والتي كان لها دور مهم في زمن الدولة العثمانية، تأسست فيها (إمارة سوران) بين الأعوام 1816 و1838 وهي الامارة الوحيدة التي حكمتها امرأة اسمها الملكة (خانزاد) امتد نفوذها الى (اربيل، كركوك، الموصل) سقطت هذه الإمارة في عام 1838 على إثر الهجوم الكبير الذي شنه الجيش العثماني عليها.

                                        

أصبحت مدينة راوندوز عاصمة (أمارة سوران) وشهد في ظل قيادة الأمير محمد باشا الرواندي (الأعور) اتساعا كبيرا في قوته ونفوذه في المنطقة ومنافسة جارتها امارة بابان في السليمانية والتي كانت تخضع لنفوذ الجانب الايراني وهذا يجعلنا نردد ونقول ما أشبه اليوم بالبارحة من تشابه المشهد السياسي في صراع الدولتين تركيا وإيران والمنافسة لبسط نفوذهما في اربيل والسليمانية.
أخيراً لا بد ان نذكر بان هذه الإمارة قد شهدت انتعاشا اقتصاديا مرده اتساع حركة التجارة بينها وبين المناطق الأخرى في الدولة العثمانية وايران باعتبارها ممرا حيويا لا يستغنى عنه بالإضافة الى انشغال الناس في ممارسة نشاطهم الزراعي المعول عليه في تلك الحقبة الزمنية في ظل الظروف الأمنية المستتبة في الإمارة وهذا لا يعني عدم إيلاء الأمير (محمد باشا ) الاهتمام بالجوانب الاخرى حيث تشير الى قيامه بتشييد مصنع لإنتاج المدافع وعتادها في المدينة تحت إشراف (الأسطة رجب) ولازال أحد هذه المدافع شاخص في احد ساحات المدينة كأثر تاريخي.

                               

                            مدفع الاسطة رجب

ثانياً/ في عام 1916 وفي خضم الحرب العالمية الأولى تقدمت القوات الروسية من الحدود الإيرانية ومن محور حاج عمران واجتازت مناطق جومان كلالة الى ان وصلت الى حوض مدينة راوندوز وجوبهت هذه القوات بمقاومة شرسة من قبل أهالي المنطقة الا ان فوارق العدد والعدة بين الطرفين مكنت القوات الروسية مساء يوم 9/5/1916 من إتمام احتلالها لقرية برزيوه ومنبع ماء جنديان وسفوح جبل هندرين، لقد اقتصرت تشكيلات القوات الروسية على صنوف المشاة والخيالة والمدفعية لعدم توفر الاليات بكافة أنواعها في ذلك الوقت وحتى في حال توفرها فانه لم تكن الطرق متوفرة في هذه المنطقة، في مساء احد الأيام استعدت القوات الروسية المستقرة على سفوح جبل هندرين للهجوم على مدينة راوندوز وبدأت بالقصف المدفعي على المدينة وتصاعدت أعمدة الدخان منها، بحلول الظلام بدأ الهجوم وبحكم جهل الجيش الروسي بطبيعة المنطقة والتضاريس الطبيعية فيها قتل ما يقارب (670) جندياً في هذا الهجوم من المشاة والخيالة الروس اغلبهم بسبب السقوط في وادي خرند العميق والذي سمي بوادي الموت وكان للجنود القوقاز نصيب وافر بين اعداد القتلى.

               

                                    وادي خرند

بعد الاندحار في هذه المعركة قامت القوات الروسية بتجميع وتنظيم صفوفها مرة أخرى والهجوم على المدينة من عدة محاور وبسبب عدم التوازن في القوة العسكرية بين الطرفين استطاعت هذه القوات اخيراً من احتلال المدينة وقتل الكثير من مواطنيها بالإضافة الى اعمال السلب والنهب وحرق الدور والمخازن طيلة الفترة القصيرة لبقائهم في المدينة وانسحابهم منها لاحقاً.
ثالثاً/ في الربع الأول من عام 1974 وبعد ان تجدد القتال بين الجيش العراقي والحركة الكردية حاول هذا الجيش احتلال هذه المدينة عن طريق التوجه إليها من خلال مضيق (كلي علي بيك) الا ان جهوده وإمكانياته الهائلة المعدة لهذا الغرض فشلت في تحقيق الهدف بعد ان منيت بخسائر فادحة في صفوفه من القتلى والجرحى بالإضافة الى الخسائر الكبيرة في الأسلحة والمعدات العسكرية بسبب صعوبة التضاريس الجبلية وكون الطريق المار من خلاله هو الوحيد الذي يوصل الى هذه المدينة والذي يسمى بطريق (هاملتون) نسبة إلى المهندس النيوزلندي الذي خطط وأشرف على انجازه من عام 1928 ولغاية عام 1932.

     

           مضيق كلي علي بك ويمر من خلاله طريق هاملتون

ويقع بين جبلي كورك ونواخين وعلى اثر ذلك فكرت القيادة العسكرية العراقية إيجاد سبيل آخر من اجل الوصول الى هذه المدينة واحتلالها وكان لها ذلك من خلال التقدم والهجوم على مركز هذا القضاء بعد تسلق جبل كورك من جهة خليفان ومن ثم النزول من جهة بيخال بعملية عسكرية نادرة لم تكن القيادة العسكرية للحركة الكردية يخطر على بالها بأن يسلك الجيش العراقي هذا الطريق المحفوف بالمخاطر الجمة لذلك لم تكن قد فكرت في الاستعداد لمواجهة ومحاولة افشال هذا المخطط الذي حشدت القيادة العسكرية العراقية كل إمكانياتها المتاحة من الجهد البشري ومن خلال مشاركة مختلف صنوف الجيش العراقي، وقد مني صنف الدروع فيه بخسائر حيث سقطت العديد من الدبابات عند محاولتها النزول من هذا الجبل في خطوة غير متوقعة كانت نتائجه تمكن الجيش العراقي من احتلال المدينة في فترة زمنية قصيرة والذي كان خاليا من سكانه جميعاً حيث كانوا قد هربوا بعد اشتداد المعارك و تعرضها للقصف المدفعي و صواريخ الطائرات وتحولها الى انقاض، استمرت المدينة خالية لبعض الوقت ومن ثم عاد اليها البعض من ساكنيها تدريجياً لغاية انتهاء الحركة الكردية على اثر توقيع اتفاقية الجزائر بين شاه ايران (محمد رضا بهلوي) ونائب الرئيس العراقي (صدام حسين) في 6/3/1975 حيث عاد إليها معظم سكانها وانشغلوا بإعادة ترميم وإصلاح دورهم ومحلاتهم.
في نهاية السبعينات من القرن الماضي أصدرت الحكومة العراقية قرارا لتنزيل الدرجة الإدارية للمدينة المذكورة من قضاء الى ناحية وقامت بإنشاء مدينة جديدة اخرى في سهل ديانا والذي يقع بين جبلي زوزك وهندرين وأطلقت عليه تسمية قضاء الصديق نسبة إلى الخليفة ابو بكر الصديق وبعد الانتفاضة الشعبية في شهر آذار 1991 استطاعت الجماهير السيطرة على المنطقة وهروب الجيش العراقي والاجهزة الامنية منها واصبحت تحت سيطرة الاحزاب الكردية وبعد ذلك تحت ادارة حكومة اقليم كردستان وتم تغيير اسمها الى قضاء سوران.
وبعد هذه النبذة المختصرة عن تاريخ هذه المدينة حان موعد عودتي لأحدثكم عن الحكاية التي جالت في ذاكرتي عندما اتصلت بالزميل الرائد (صالح) مدير شرطة قضاء الصديق حينذاك وطلبت منه ان يرسل لي سلة من العنب الأسود المسمى عندنا بـ(الرشميري) وهو نوع من العنب الممتاز بمواصفات خاصة من حيث الحجم والطعم ويزرع في مناطق محدودة من القضاء ووقت نضوجه في نهاية فصل الخريف ومع تساقط الثلوج فاجأني الرائد (صالح) برد طلبي متعذراً و معتذراً بعدم تمكنه من تلبيته بدواعي صعوبة الحصول على هذا النوع من العنب لكون تلك الاراضي الزراعية تقع في المناطق المحظورة أمنياً ولا يمكن الوصول اليها.
مع ذلك كررت عليه طلبي بتدبير سلة العنب ومن انه ليس من المعقول ان يتعذر وهو مدير شرطة القضاء في تأمين هذه الحاجة البسيطة وكرر اعتذاره وتوعدته شراً.
وهنا لا بد أن نتحدث عن المناطق المحظورة أمنيا حيث اصدرت السلطات العراقية قراراً اعتبرت فيها المناطق الحدودية المتاخمة لإيران وتركيا ولمسافة تتراوح بين 20 الى 30 كيلو متراً مناطق يحرم فيها التواجد واستباحة دم أي كائن حي وجواز الإجهاز عليه دون مسائلة قانونية.
وبعد مرور ايام قدم من بغداد الى محافظة اربيل العميد (جبار) عضو هيئة تفتيش قوى الأمن الداخلي مكلفاً بواجب تفتيش مديريتنا والوقوف على مدى تطبيق تعليمات وزير الداخلية الجديد (سمير الشيخلي)، وكلفت بمرافقته عند جميع مراحل هذه الزيارة ومنها زيارته الى مديرية شرطة قضاء الصديق حيث استقبلنا مديرها الرائد (صالح) مع جمع من منتسبي المديرية.

    

                            قضاء سوران
طلب المفتش إحضار السجلات لغرض الاطلاع عليها ثم توجه بالسؤال الى الرائد (صالح) قائلاً: "السيد الوزير أكد لي بضرورة ملاحظة حركة تهريب البضائع الايرانية وتحديد ومحاسبة مسؤولي الشرطة الذين تكون ضمن مناطق مسؤولياتهم أي نشاطات للمهربين وحتى لو كانت في مجال ضيق وبأنه قد توعد بفرض القصاص الشديد بحقهم " كانت إجابة الرائد (صالح) فرصة ثمينة بالنسبة لي عندما اخبر المفتش بانه لا توجد في القضاء نشاطات في مجال تهريب البضائع و قلت في نفسي: "جا يومك يا صالح.. افتهمنا عنب رشميري ماكو.. تهريب هم ماكو.. شوف شراح اسوي بيك؟!!" فاقترحت على المفتش ان يفسح المجال لمنتسبي المديرية لتهيئة انفسهم مع سجلاتهم واوراقهم وان نقوم بجولة داخل المدينة ومن ثم نعود لاستكمال التفتيش، خرجنا وكنت اقود سيارة الصالون و يجلس بجانبي المفتش والرائد (صالح) جلس في المقعد الخلفي ومعنا ثلاثة سيارات اخرى تتعقبنا اتجهت صوب السوق الكبير وبالذات الى المحلات التي تتعامل بالتهريب الإيراني في ناحية ديانا وأوقفت السيارة داخل السوق وتوقفت باقي السيارات ونزل معظم أفراد الشرطة المسلحين كما ونزلت والمفتش والرائد (صالح) تفاجئ المفتش وهو يرى أصحاب المحلات وهم يغلقون ابواب محلاتهم على عجل ومنهم من لم يتمكن من إتمام غلقها ويهربون في اتجاهات مختلفة فاستفسر مني قائلاً: "شنوا القصة مقدم محي الدين؟.. شبيهم هذولة يتراكضون؟!"
فأجبته: "سيدي هذوله قجغجيه ومن الخوف هربوا وتركوا محلاتهم"
كان ردا قويا جعل المفتش في حالة يفقد السيطرة على نفسه ويعود الى داخل السيارة وهو يردد قائلاً: "الوزير (سمير الشيخلي) ذكر اذا شفت دكان واحد للقجغ شوف شراح اسوي وهاي عشرات الدكاكين، اني ما افتش راح ارجع الى بغداد واخبر الوزير باللي شفته بعيني وخلي هو يتصرف"
كانت نظرات الرائد (صالح) نحوي تثير الشفقة وهو يلمح لي بان الموضوع لا يتحمل الشقة (المزاح) ويترجاني الاسراع في معالجة الموقف وبانه سوف يتدبر سلة العنب مهما كلف الامر.

    

                       العنب الرشميري
اصر المفتش على قطع مهمته والعودة الى بغداد ولم تثنيه عن ذلك توسلات الرائد (صالح) عند ذاك لم اتحمل حالة زميلي وما وصل اليه من اضطراب وقلق وهو يترجاني، عندها طلبت من المفتش ان ينزوي معي في احدى زوايا المكان واخبرته قائلاً: "سيدي هذوله اللي شفتهم القجغجية كلهم وكلاء سريين لدى دوائر الامن والاستخبارات والمخابرات وهم يزاولون عملهم بموافقة هذه الدوائر"
وحينها كانت الحرب لازالت مشتعلة بين العراق وايران والدوائر المذكورة تستفاد من خدمات هؤلاء الاشخاص في مجال المعلومات الأمنية التي يحصلون عليها عند تسللهم داخل الاراضي الإيرانية وبعد ان انهيت حديثي تعمدت المرور على ضابط امن القضاء النقيب (غسان) وكانت علاقتي به جيدة وبصحبتي المفتش و بعد التعارف بينهما قلت لضابط الأمن: "السيد المفتش يسأل عن هؤلاء المهربين وكيفية السماح لهم بممارسة نشاطهم المخالف للقانون وتعليمات الوزير؟!"
اجاب ضابط الأمن على استفساره قائلا: "سيدي هذوله وكلاء عند الاجهزة الامنية وبيهم موافقات من اجل ممارسة هذا النشاط"
وبعد أن تأكد المفتش من الوضع عاد الى حالته الطبيعية ومعاودة إتمام واجبه في التفتيش وتناول الغذاء والرائد (صالح) يقول: "إذا ما يصير بيه سكر زين".
أملي ان تكون حكايتي هذه قد راقت لكم وشغلت اهتمامكم بالحديث عن مدينة راوندوز والعنب الرشميري الذي حصلت عليه اخيراً من زميلي (صالح) مشكوراً بعد هذا المقلب.. وتمنياتي للجميع بالصحة والسلامة.

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

544 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع