الملّا عثمان وآثاره في تلاوة القرآن

                                                     

                الأستاذ الدكتور باسل يونس ذنون الخياط
                    أستاذ مُتمرِّس/ جامعة الموصل

                             

الملّا عثمان وآثاره في تلاوة القرآن

يُعد الملّا عثمان الموصلي (1854-1923م) من رواد الحركة الموسيقية بشقيه الديني والدنيوي، وكان الموصلي علما بارزا في تلاوة القرآن الكريم، كما كان رائدا مؤثرا ومدرسة عظيمة في التواشيح والمقامات، ويرد اسمه في مقدمة مقرئي القرآن الكريم.

لقد وافانا مؤخرا حفيد الملّا عثمان الدكتور محمد عبد الكريم ياسين الدليمي بمعلومات قيمة عن شيخ القراء والموسيقيين العرب الملّا عثمان الموصلي،، قسما منها غير منشور سابقا، فجزاه الله خير جزاء.

يقول الدكتور عادل البكري: (كان عثمان الموصلي قارئ ومقرئ للقرآن الكريم ويجيد القراءات السبع والعشر وغيرها، وكان متصوفا على الطريقة القادرية ثم الرفاعية، كما كان أستاذا في الطريقة المولوية ومعلما لها).

ويضيف الدكتور البكري قائلا: (وكان صوت الملّا عثمان حلواً دافئاً من طبقة غليظة يشبه صوتي محمد رفعت ومحمود صبح؛ بل هو أضخم من صوتيهما، ولازم صوته الجميل قدرته الموسيقية العالية(.

توفي والده قبل أن يبلغ السابعة من عمره، وأصيب بالجدري ففقد بصره. وشاءت عناية الله أن سخر له الوجيه محمود بن سليمان أفندي العمري فأخذه إلى بيته وضمه إلى أولاده وجعله موضع عنايته وعين له معلما يحفظه القرآن الكريم ويعلمه.

وأرسله مدير بلدية لموصل عبد الله رفعت العمري إلى تركيا للدراسة عن أحد أقربائه (أنور المتولي) الذي علمه أصول المقامات. كما درس على يد الشيخ عمر الأربيلي والشيخ صالح الخطيب والشيخ عبد الله الفيضي الخضري.


وفي العام 1865م توفي محمود العمري، فانتقل عثمان إلى بغداد ليقيم عند ابنه أحمد عزة باشا العمري، فدرس صحيح البخاري على يد الشيخ داود أفندي والشيخ بهاء الحق أفندي الهندي في جامع الإمام الأعظم.

لقد عُرف الملّا عثمان أثناء إقامته في بغداد بإجادته لقراءة القرآن الكريم والموشحات والموالد التي لم يضارعه فيها أحد، ونال بذلك شهرة واسعة جعلت الناس يقبلون عليه من كل مكان لسماع صوته.

وبعد أن قضى فترة في بغداد عزم على أداء فريضة الحج، وقد حج بعد رجوعه إلى الموصل عام 1886م ولازم الشيخ محمد بن جرجيس الموصلي الشهير بالنوري، حيث درس عليه وأخذ عنه الطريقة القادرية وقرأ القراءات السبع من طريق الشاطبية على الشيخ المقرئ محمد بن الحاج حسن وأجازه بها.

وفي أوائل العقد الأخير من القرن التاسع عشر، توجه الموصلي إلى تركيا ووجد من المناسب أن يكمل الدراسة القرآنية، فدرس على يد مفتي أزمير الشيخ مصطفى أفندي القراءات العشر وتمكن من إتقانها.

الملّا عثمان والسلطان عبد الحميد:
يعرف الأتراك الملّا عثمان باسم (حافظ عثمان أفندي الموصلي) و (الحافظ) هو لقب يعطى لحفظة القرآن. لقد أقام عثمان في إسطنبول في زيارته بين عامي 1887م و 1895م، ونال لفخامة صوته وحسن تلاوته حظوة كبيرة عند السلطان عبد الحميد الثاني (1842-1918)، فعيّنه السلطان شيخا لقُراء جامع آيا صوفيا.


لقد حدثني قبل ثلاثين سنة المرحوم عبد الملك أغوان، والذي عاصر الملّا في أواخر أيامه، عن تفاصيل تعرُّف السلطان عبد الحميد الثاني (1842-1918) بالملّا عثمان.

فبعد وصول الملّا عثمان إلى إسطنبول أراد أن يلتقي بالسلطان عبد الحميد الثاني، فقيل له لا يمكنك ذلك إلا في يوم الجمعة في وقت الصلاة في جامع (أيا صوفيا)، حيث يأتي السلطان وعلامة وصوله حدوث ضوضاء وتوقف قُراء القرآن عن التلاوة عند دخول السلطان الجامع.

جاء يوم الجمعة وذهب الملّا عثمان إلى الجامع باكرا وجلس في الصف الأول ينتظر وصول السلطان وقُرّاء القرآن يتناوبون في التلاوة، ثم حدثت الضوضاء وتوقف القُرّاء عن التلاوة، فعلم الملّا أن السلطان قد وصل، وعلى الفور أخذ يقرأ بصوته الجهور أواخر سورة يوسف. وحاول قُرّاء السلطان منعه فتدخل السلطان ومنعهم وطلب من الملّا أن يكمل التلاوة حتى وقت الخطبة.

أُعجب السلطان كثيرا بالملّا، ثم جعله المقرئ الخاص به وقرَّبه إليه كثيرا. وتوطدت علاقة الملّا عثمان بالسلطان حتى وصل به الأمر أنه قام بالقراءة أمام حريم القصر، كما تطور الأمر ليقوم الملّا عثمان بمهام رسمية للسلطان عبد الحميد.

لقد كانت إسطنبول عاصمة الامبراطورية العثمانية ومركز ثقافتها، ومن يبرز فيها يُعرف اسمه في جميع أنحاء الإمبراطورية، وقد ساعد هذا الملّا عثمان وجعله مُرَحبا به أينما ذهب، ومكنه من تأسيس علاقات وطيدة مع مشاهير عصره.

لقد قرأ الملّا عثمان في جامع (أيا صوفيا) الشهير وكان من أعظم القراء المجيدين، فأثر جمال صوته وروعة تجويده على مشاعرهم فأبكاهم وهرع إليه عظماء إسطنبول من فضلاء وأدباء وفنانين يستطلعون خبر هذا القارئ الضرير، فطارت شهرته في الآفاق وأصبح قبلة المجتمع العلمي والفني وعيَّنه السلطان عبد الحميد الثاني المعجب به رئيساً للمحفل الديني في جامع (آيا صوفيا)، ومعلماً للقراء الأتراك. والتف حولـه القُراء الأتراك فأخذوا عنه علم التجويد، وتاق لرؤياه أكابر الأمراء والعلماء والفنانين وغدوا يتهادونه ويدعونه إلى حفلاتهم للاستمتاع بروائع فنونه.


ويروي محمّد نظمي أوزالب في كتابه (تاريخ الموسيقى التركيّة)، أنّ الجامع كان يمتلئ عن آخره بالمصلّين القادمين للاستماع إليه. وفي إسطنبول درس عثمان أفندي على يد أسماء كبيرة في الموسيقى الكلاسيكيّة والصوفية. كما أعطى الملّا دروساً لكل من يرغب أمام الجامع الذي كان يتلو فيه القرآن، وأسس دكّانا لبيع الكتب في محلة (تشمبرلي طاش) القريبة من آيا صوفيا، ثم تحوّل دكّانه إلى ملتقى ثقافي، وحلّ هو ضيفاً عزيزاً على مجالس إسطنبول الثقافيّة كصالون الأديبة ليلى ساز.


الملّا عثمان في زيارته الأولى لمصر:
في العام 1895م قام الموصلي بزيارته الأولى إلى مصر بصحبة ابن أخيه. وسأل عن شيخ قُراء مصر، فدلوه على العلّامة يوسف عجور إمام الشافعية في جامع السيد البدوي. فذهب الملّا وجلس في المسجد، وجاء من يهمس بأذن الشيخ ويستأذنه أن يسمح لعثمان بالقراءة من أجل أن ينخرط في سلك طلبة العلم ويكون من طلاب الشيخ. وما كاد الملّا يقرا آيتين حتى نهض شيخ القُراء العلّامة يوسف وقبَّله من جبينه وأبدى به الإعجاب والفخر وقال له: أنت أستاذ القراءة ولا تحتاج إلى اختبار، فأكمل دراسته على يد أستاذه العلّامة يوسف ونال منه الإجازة في القراءات.

وخلال إقامة الملّا في مصر؛ علم بوجود عالمة مصرية تجيز في القراءات العشر؛ فقصدها واستأجر بيتا ملاصقا لبيتها. وقد سمعت العالمة بقدومه، لكن الخجل والورع منعا عثمان أن يتصل بها مباشرة.

فبدء عثمان بقراءة القرآن بصوت جهور كي يسمع الشيخة الجليلة صوته، وما أن سمعته حتى قامت بقرص طفلها، فأخذ الطفل بالصراخ؛ فنهرته بصوت عالٍ وقالت له: اسكت وإلا فسوف "أشقشقك كما يقوم ملا عثمان بتشقيق القرآن بصوته". فسمعها ملا عثمان وضحك وقال لابن أخيه: "إنها تنادينا"، وفعلا ذهب إليها وأخذ من علمها.

الملّا عثمان في زيارته الثانية لمصر:

أرسل السلطان عبد الحميد الثاني الملّا عثمان إلى ليبيا في مهمة سياسية، وبعد إكمال الموصلي مهمته في ليبيا سافر إلى مصر بعد أن استأذن السلطان، وبقي هناك قرابة الخمس سنين.


أصبح الموصلي أستاذا في علم القراءات وأدخل المقامات التركية إلى مصر، ومن أشهر تلاميذه في مصر سيد القُراء وإمام المنشدين الشيخ الضرير علي محمود (1878-1943م). فقد أخذ الشيخ علي محمود من الموصلي المقامات التركية وخصائصها واستفاد منها، مما جعله أحد أشهر أعلام مصر قارئاً ومنشداً. وبلغ من عبقريته أنه كان يؤذن للجمعة في مسجد الحسين (ع) كل أسبوع أذاناً على مقام لا يكرره إلا بعد عام، وصار الشيخ علي محمود منشد مصر الأول الذي لا يُعلى عليه في تطوير وابتكار الأساليب والأنغام والجوابات.

 

لقد ذكر الموسيقار زكريا أحمد أن أستاذه الشيخ علي محمود أخذ الموشحات التركية من الملّا عثمان والذي أدخلها إلى مصر. كما تتلمذ على يدي الملّا عثمان القارئ العملاق الشيخ محمد رفعت (1882-1950) والملقب (قيثارة السماء) والذي صار سيد قُراء مصر.


أشهر تلاميذ الملّا عثمان في العراق:
وفي العراق تتلمذ على يدي الموصلي الحافظ مهدي العزاوي (1894-1959) وهو أحد أبرز أعلام القراء في تلاوة القرآن الكريم في العراق قارئا ومنشدا للموشحات والأذكار النبوية.

كما تتلمذ على يديه الملّا عبد الفتاح معروف (1891-1989) وهو قارئ قرآن وقارئ مقام عراقي شهير، وكان عالماً بالمقام العراقي ومدرسة في الاداء القرآني ورائداً من رواد المدرسة الاقرائية العراقية.

ومن تلاميذ الملّا أيضا محمد وحيد الدين أحمد القادري والحاج عبد القادر عبد الرزاق بن صفر أغا وعبد الرزاق بن عبد الفتاح القبانچي، الذي كان من أشهر منشدي حفلات المولد النبوي الشريف وهو والد مطرب العراق الأول محمد القبانچي (1904-1989).

https://www.youtube.com/watch?v=KGFgwfbA2qw

أسأل الله تعالى أن يعيد عليكم رمضان بالخير واليمن والبركات.. وكل عام وانتم بخير.

   

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

368 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع