قصة قصيرة / مشاعر ووجوم - الجزء الاول

                                                 

                           بقلم أحمد فخري

قصة قصيرة  / مشاعر ووجوم - الجزء الاول

نظرت السيدة گلستان من حولها كي تتفقد طلابها على متن الباخرة وبدأت تعدهم 1-2-3-4-5 حتى وصلت الى العدد 36. اين الاخير؟ لقد كانوا 37 طالباً. قامت بتفتيش القارب جيداً حتى عثرت على طالبتها حزن منزوية وهي تجلس بعيداً عن الجميع في آخر الباخرة. يا الهي لماذا جلست حزن هنا؟ ماذا حل بها؟ هل هي مريضة؟ هل تشكو من الم؟ هل ضايقها احد؟

نظرت حزن بوجه السيدة گلستان وابتسمت ابتسامة فاترة فسألتها مدرستها السيدة گلستان بلغة الاشارة،
السيدة گلستان : لماذا اختبأت يا حزن؟ لقد فتشت عنك في كل مكان؟ ولماذا جئت الى هذه الزاوية من الباخرة؟ هل اصابك مكروه؟ هل اعتدى عليك احد؟
حزن : انا خائفة جداً يا انّه لاني على وشك الموت.
السيدة گلستان : ولماذا تموتين يا حياتي؟ فنحن كلنا سعداء بهذه الرحلة البحرية. انظري من حولك. انظري الى زملائك محمود ونشأت وسمية وفاطمة ونازلي وليلى كلهم يضحكون ويستمتعون بالهواء الطلق النظيف الذي يستنشقونه الا انتِ. اليس ذلك افضل من هواء اسطنبول المشبع بالاتربة ودخان عوادم السيارات والاصوات المزعجة؟
حزن : انا لا اسمع الاصوات المزعجة يا انّه فانا صماء انسيتي ذلك؟
السيدة گلستان : اجل، اجل انا اسفة ولكن لماذا تقولين بانك على وشك الموت؟
حزن : لاني مريضة جداً وساموت باي لحظة يا انّه.
السيدة گلستان : وكيف عرفت ذلك يا ذكية؟ هل كشف عليك طبيب؟
حزن : لا استطيع ان اخبرك، انه شيء مخجل للغاية.
السيدة گلستان : انسيتي اني انا التي استلمتك بدار الايتام يوم جاءوا بك ورموك هناك على الباب ولم تبلغي من العمر سوى شهراً او شهرين. انا التي اسميتك (حزن) لانك كنت هادئة كثيراً.
حزن : اجل وانا اعتبرك مثل امي لذلك اناديك انّه.
السيدة گلستان : إذاً اخبريني ما بك؟ هيا والا غضبت منك وقاطعتك. اتريدين ان اقاطعك؟
حزن : انا اموت لاني انزف بغزارة يا انّه.
السيدة گلستان : اين النزيف يا ابنتي؟ اهو بيدك ام ساقك ام رأسك؟
حزن : كلا.
السيدة گلستان : اين هو إذاً تكلمي يا ابنتي؟ لقد اثرت قلقي الشديد. اخبريني لا تخافي.
حزن : انه في الاسفل.
السيدة گلستان : في الاسفل؟ اسفل ماذا؟ اسفل القدم؟
حزن : كلا في الاسفل. اينما اتبول.
ضحكت السيدة گلستان كثيراً وعلمت ان تلميذتها قد تخطت حاجز الطفولة اليوم. فقبلتها من وجنتها وقالت لها،
السيدة گلستان : يا حياتي انت لا تموتين. انه الطمث يا حبيبتي. هذا الدم الذي يخرج منك هو شيء طبيعي وهو لا يقتلك ابداً بل يحولك من طفلة الى امرأة. سيتوقف بعد ستة او سبعة ايام اطمئني.
حزن : لكن كمية الدم كبيرة جداً ولا استطيع ان اجفف نفسي ولا ملابسي. انا لا اعرف ماذا افعل، ساعديني ارجوك.
السيدة گلستان : تعالي معي الى الحمام، ساعطيك احدى الحفاضات النسائية التي احملها بحقيبتي للاحتياط. لا تخافي يا ابنتي، انه امر طبيعي جداً. هيا يا حياتي.
سارت المدرسة ومن خلفها تلميذتها حزن نحو الحمام في قلب الباخرة وهناك قامت بتعليمها طرق التخلص من الدم وكيفية وضع الحفاضة النسائية كي تحمي ملابسها من الاتساخ. ثم خرجتا الى الخارج والابتسامة تعلو وجه حزن فقالت لها مدرستها بلغة الاشارة،
گلستان : اصبح عمرك الآن 17 اليس كذلك؟ هذا عمر ملائم للعادة الشهرية.
حزن : انا عمري 18 يا انّه. على العموم انا لا احب هذه العادة الشهرية واتمنى ان تتوقف نهائياً. هل هناك سبيل لذلك؟
گلستان : كلا يا حزن، ان وجود العادة الشهرية يعني انك ستصبحين اماً في يوم من الايام ولولاها فانت لن تتمكني من ان تنجبي بالمستقبل وتكوّني اسرة.
حزن : ومن قال لك اني اريد ان انجب طفلاً لهذه الدنيا؟ سيصبح يتيماً وتعيساً ويأخذونه الى دار الايتام مثلي.
گلستان : دعك من هذا الهراء يا حزن، ربما سترزقين برجل تحبينه ويحبك ويحب اولاده كثيراً ثم تعيشين معه حياة طويلة وسعيدة. لا تكوني متشائمة.
حزن : لكنك انت التي اسميتيني حزن، اليس كذلك؟
گلستان : اجل وانت تعرفين السبب لقد اخبرتك قبل قليل. في الوهلة الاولى كنت لا تصدرين اي اصواتاً ولا تستجيبين الى ندائاتنا فتصورنا انك طفلة حزينة. فاسميتك وقتها حزن ثم اكتشفنا فيما بعد انك تعانين من الصمم لكن الاسم صاحبك حتى اليوم. بامكانك تغييره في المستقبل إن اردتِ.
حزن : انا احب اسمي لانه يعبر عن احاسيسي والحالة التي اعيشها، انا لا اريد ان اغيره لكنك وعدت بان تحاولي التعرف على اهلي الاصليين. فانا لا اعرف من هم ابوي ولا كنيتي ولا من اكون.
گلستان : سنتحدث بذلك الامر فيما بعد ولكن انظري يا حزن لقد وصلنا. دعينا ننظم الى باقي زملائك وننزل الجزيرة كي نقضي معهم اوقاتاً ممتعة. ان قيام المليونير السيد عصمان بيك بالتبرع بمبلغ كبير للمأتم مكننا من ان نبرمج هذه الرحلة الترفيهية يا ابنتي.
حزن : حبذا لو ان جميع الناس كانوا طيبين مثل عصمان بيك ليتني استطيع ان اشكره بنفسي. دعينا ننزل من الباخرة يا انّه.
انظمت حزن للمجموعة ونزلوا من الباخرة معاً وهم يغنون اغاني فولكلورية جميلة. سار الطلبة خلف السيدة گلستان لانهم يعلمون تماماً انها تعرف جميع الاماكن بهذه الجزيرة فقد سبق وأن سكنت بها بضع شهور قبل ان تنتقل الى اسطنبول حيث صارت تعمل في مأتم (الحياة الحرة).
حزن : ما اسم هذه الجزيرة يا انّه؟ يبدو اني نسيت الاسم الذي اخبرتينا عنه البارحة.
گلستان : (كنالي ادا) وتعني عندما يحل الظلام. لا تسأليني عن سبب التسمية فانا لا اعرف الجواب.
بعد ان تعب الجميع من السير بين تلال الجزيرة الساحرة اخبرتهم المدرسة بانهم سيتناولون وجبة الغداء على بلاج يدعى (كملو). إذ ان ادارة المأتم حجزت لهم بمطعم يطل على البلاج ومنظر اسطنبول من هناك يحبس الانفاس.

     

سار الطلاب المتعبون لربع ساعة اضافية، ارهقهم السير حتى كادوا يموتون من العياء. من بعيد بان لهم مبنى المطعم فقالت لهم مدرستهم انهم شارفوا الوصول. في المطعم اعدت لهم الادارة طاولة كبيرة تتسع لـ 40 شخصاً في الحديقة خارج مبنى المطعم. فجلس الجميع وهم سعداء بالجلوس على الكراسي والكل قال انه سوف لن يغادر مكانه الا بعد عام كامل. جلست حزن على كرسي بآخر الطاولة بعيداً عن مدرستها گلستان وهي لا تعلم لماذا اختارت هذا الكرسي خصوصاً وان مدرستها هي الوحيدة التي تتقن لغة الاشارة وانها لو جلست بعيدة عنها فسوف لن يتحاور معها احد.
وقفت حزن تاركة كرسيها مرة ثانية وسارت داخل مبنى المطعم بحثاً عن دورة المياه ولما لمحت اليافطة دخلت لتقضي حاجتها.
في الخارج بدأ النُدُل باحضار اطباق الطعام الشهية بدءاً بالمقبلات من مخللات وسلطة ومعجنات ومشروبات غازية. صار الطلاب يلتهمون كل شيء يوضع امامهم كالجراد الموسمي. وعندما بدأت اطباق الكباب تنزل بكثافة على الطاولة صارت الايادي تتشابك والسعادة تعم بينهم واصواتهم تصل الى ابعد نجمة في السماء. وفجأة ودون سابق انذار اهتزت الارض تحتهم هزة قوية فهدأوا جميعاً وعم الصمت المخيف بينهم ثم نظر جميع الطلاب بوجه مدرستهم گلستان وصار الكل يسأل بآن واحد،
"ما هذا يا انسة؟"
"ما الذي يجري؟"
"اهي هزة ارضية يا انسة؟"
"هل هناك خطر علينا؟"
"كيف سنعود الى اسطنبول؟"
"هل سنموت جميعاً هنا؟"
"هل نحن في خطر؟"
لكن مدرستهم عرفت ان المسؤولية تتطلب منها الحكمة والتأني ورباطة الجأش فقالت لهم،
"اسمعوا مني جميعاً يا اولاد، ربما هذه هزة ارضية صغيرة وعابرة او ربما هي هزة كبيرة، علينا عدم التوتر والهلع. فالهلع يزيد من الكوارث سوءاً. اريدكم ان تتحلوا بالهدوء والصبر دعونا ننتظر إن كانت هناك هزات ارتدادية بعدها او انها هزة يتيمة عابرة. ابقوا في اماكنكم الآن ولا تتحركوا. سنعرف بعد قليل ماذا سنفعل في الخطوة القادمة."
وما هي الا دقائق وبدأت الارض تهتز من جديد، لكن في المرة هذه كانت اكثر عنفاً من الاولى إذ بدأت الكراسي والموائد تتقلب وتسقط على الارض وبدأت صفارات الانذار تطلق. صارت الاحداث تتسارع بشكل مخيف وصار النُدُل يتراكضون بكل الاتجاهات. صرخت المدرسة على تلاميذها كي يتركوا اماكنهم ويتبعوها.
ركض الجميع خلفها وهم في غاية الرعب والجميع يتكلم بآن واحد. كانوا يسألون بعضهم البعض اسئلة تنم عن قلقهم حول سلامتهم وسبل عودتهم لاسطنبول. طلبت گلستان من تلاميذها ان يتحلوا بالهدوء التام لان الصراخ والعويل سوف لن ينفعهم بشيء وكذلك طلبت منهم ان يتفقدوا زميلاتهم وزملائهم المقربين كي لا يفقدوا احداً منهم وامرتهم ان يتبعوها بشكل منتظم. سارت گلستان باتجاه الطريق الرئيسي متجهة نحو المرفأ. وقبل ان يصلوا المرفأ حدث زلزال جديد لكنه شديد جداً هذه المرة تسبب في تحطم الكثير من البنايات والاعمدة واسلاك الكهرباء واقتلع الاشجار من جذورها. سمعوا اصوات سيارات الاسعاف وطائرات الهليكوبتر تحوم فوق رأسهم. بقيت گلستان تسير بخطىً سريعة نحو المرفأ ومن خلفها طلبتها المرعوبين.
بعيداً عن مجموعة الطلبة وفي داخل مبنى المطعم بداخل دورة المياه شعرت حزن بهول الهزة فعلمت ماذا يجري وان عليها التزام الهدوء والحذر. اكملت حاجتها وارادت فتح باب المرحاض الا ان الباب تعطل من اثر الاهتزازات. حاولت جاهدةً ان تفتحه ولكن دون جدوى "يا الهي ساعدني، دعني اتمكن من فتح الباب ياربي". لم تعرف كيف تحاول طلب النجدة سوى الطرق على الباب الا ان احداً لم يأتي لنجدتها. فكرت قليلاً ثم قالت لنفسها ان السيدة گلستان ستأتي لنجدتها وانها ستؤنبها لانها ارتبكت خطئاً وصارت تطرق على الباب. تخيلت ان الباب سينفتح وسيقف حوله جميع زملائها وهم يضحكون على غبائها لانها وقعت بهذا المأزق. وبينما كانت تراودها تلك الافكار وقعت هزة جديدة كانت عنيفة جداً انقلع على اثرها كرسي المرحاض من الارض وتكسر الباب. ابتسمت حزن وقالت، ها قد استجاب الله لدعائي وفرج عني همي، شكراً لك يا ربي لانك فتحت لي الباب، الآن يجب علي السير بهدوء كي ارجع الى باقي زملائي. لكنها عندما خرجت الى الخارج لم تجد احداً من حولها. "اين ذهب الطلاب؟ اين السيدة گولستان؟ اين نُدُل المطعم؟" وبتلك اللحظة ضرب زلزال قوي جديد ادى الى انهيار سقف مبنى المطعم. علمت حزن ان عليها الهرب من هذا المكان لانها ستصاب بمكروه إذا بقيت في مكانها. عليها ان تبحث عن مجموعة الطلاب كي تنضم اليهم. وقفت خارج المطعم امام الشارع وهي في حيرة من امرها "هل اسير نحو اليمين ام نحو الشمال؟ لا اذكر من اين اتينا اليوم ولا اذكر ان رأيت هذه الاشجار الساقطة على الارض من قبل الامر عسير جداً. الاشجار سقطت بفعل الهزة الارضية لا محال لذا غيرت ملامح الشارع. يجب علي ان اقرر السير الى يمين او الى اليسار. يمين ام يسار؟ يمين ام يسار؟ حسناً ساخذ اليمين وامري الى الله.
سارت حزن لساعتان كاملتان بالشارع المقفر ولم تشاهد اي شيء يدل على الطريق الذي اتت منه. قررت ان تغير اتجاهها فسارت يساراً هذه المرة باتجاه اشجار كثيفة امامها. لم تكن تعلم ان هذه الاشجار الكثيفة كانت بداية لغابة كبيرة واسعة ومكتظة لا تؤدي الى اي مناطق مأهولة بالسكان. بقيت تسير بالغابة بضع ساعات والقلق يدب في عروقها رويداً رويداً مع كل خطوة تخطوها. بقيت تسير بالغابة وكل عضو من اعضائها ينوح عليها من شدة العياء والتقرحات بقدمها صارت تنزف بغزارة. هنا شاهدت تلة عالية امامها فقررت ان تتسلقها علها تستطيع ان ترى الطريق بشكل افضل. سارت نحو قمة تلك التلة وهي تجرجر بقدميها من شدة الارهاق والالم. وبينما هي تسير على التلة دعست على غصن شجرة ملقياً على الارض فالتوى ساقها الايمن وسقطت على الارض مما تسبب في ارتطام رأسها بصخرة افقدتها الوعي على الفور.
وفي الناحية المقابلة للجزيرة قامت السيدة گلستان بتحميل طلابها على متن الباخرة مرمرة التي جائت خصيصاً لاخلاء الجزيرة. وبعد ان اصبح الجميع بالباخرة قامت بِعَدّ طلابها فوجدت ان العدد الاجمالي هو 37. يا الهي لدي طالب مفقود، من هو يا ترى؟ ارجو ان لا يكون حزن. مسكت قائمة الاسماء وطلبت من الطلاب ان يجيبوا بنعم لو نادت الاسم. وعندما وصلت الى حرف H صاحت باعلى صوتها (حزن)، (حزن)، (حزن) هل رأى احد منكم حزن؟ فرد عليها الطلاب وقالوا حزن ليست هنا يا انسة، لم تركب الباخرة معنا.
گلستان : يا الهي المطعم. نعم هي لاتزال في المطعم. توقفوا، ارجوكم توقفوا لا تدعوا الباخرة تبحر.
لكن احداً لم يسمع ندائها. ركضت الى اعلى الباخرة باتجاه غرفة القيادة ودخلتها فوجدت رجلاً خمسينياً ببزة بيضاء يرتدي قبعة مستديرة ويقف خلف عجلة كبيرة مسننة فقالت له،
گلستان : ارجوك يا قبطان توقف، اتوسل اليك لا تدع الباخرة تبحر. لدي طالبة مفقودة.
قبطان : هذا مستحيل يا سيدتي. لا استطيع ان اجازف بحياة كل من في السفينة من اجل شخص واحد فقط. هناك احتمال هزات ارتدادية جديدة وعنيفة.
گلستان : لكنها شابة مسكينة لم تبلغ الثامنة عشر بعد وهي صماء وقليلة الحيلة.
قبطان : انا آسف جداً. لدي اوامر باخلاء كل من استطيع اخذه معي والسفينة اصبحت ملئى بالركاب الآن.
گلستان : إذاً دعني اهبط من السفينة كي ابحث عنها، ارجوك.
قبطان : هذا غير ممكن يا اختي. ارجوكِ عودي الى الاسفل. لدي اوامر باخلاء الجزيرة باسرع وقت ممكن.
گلستان : وهل ستعود الى هنا بعد ان توصل الركاب الى اسطنبول؟
قبطان : كلا، هذه ثالث وآخر وجبة اقوم بها اليوم. اوامري كانت صريحة. ولم يبقى احد في الجزيرة. الجزيرة خالية تماماً الآن.
خرجت السيدة گلستان من كابينة القبطان وهي تبكي وتفكر بحزن. لقد كانت على يقين ان حزن ستموت لامحال لانها ضعيفة البنية وقليلة الحيلة ولا تقوى على فعل اي شيء.
في الغابة سار فتىً عشرينياً طويل القامة مفتول العضلات اخضر العينين ذو لحية حمراء كثيفة يجمع في الحيوانات التي امسكت بها فخاخه. وبينما هو يتنقل بالغابة عثر على حزن مستلقية على الارض. ذهب صوبها وصار يحرك وجهها ويتحرى انفاسها كي يتأكد من انها ما زالت على قيد الحياة، عرف وقتها انها فاقدة للوعي وحسب. حاول التحدث معها لكنها لم ترد عليه. وضع صيده على كتفه ثم حمل حزن وعاد بها الى اسفل التل. سار لمدة نصف ساعة بين الاشجار حتى وصل الى كوخه الصغير بقلب الغابة.

     

ادخل حزن في الكوخ ووضعها على سريره الوثير المصنوع من جلود الحيوانات ثم غطاها بغطاء دافئ وجلس بجانبها. لكنها كانت لا تزال مغمىً عليها. حاول ان يتحدث معها لكنها لم ترد عليه. فتركها وعاد فادخل صيده الى الداخل. بدأ يقطع لحم الارانب التي اصطادها ووضعها في وعاء فيه ماء ثم وضعه فوق الموقد، واتى ببعض النباتات والاعشاب وقام بتقطيعها ثم اضافها للوعاء مع اللحم. ترك الطعام يطهو على نار الاخشاب التي اشعل فيها النار وعاد الى حزن يحاول ان يرى إن كانت قد استردت وعيها لكنها ما زالت على ما هي عليه فتركها وخرج خارج الكوخ ليسلخ جلود الارانب التي اصطادها اليوم ثم قام بتعليقها كي تجف وعاد الى الكوخ. اخذ نظرة على حزن وعاد الى الموقد فوجد الطعام يغلي. قام بتذوق الحساء فوجده لذيذاً لكنه لم ينضج بعد. ذهب وجلس على كرسي خشبي كان قد صنعه بنفسه من اغصان الاشجار ووضع عليه الكثير من جلود الحيوانات فاصبح وثيراً للغاية. صار يتفحص حزن وينظر الى وجهها الجميل ويتفحص ملابسها. وبينما هو ينظر اليها تحركت قليلاً وفتحت عينياها فهرع صوبها وقال،
مراد : السلام عليكم. لا تخافي يا فتاة، انا اسمي مراد. ما اسمك؟
لكنها لم ترد عليه بل صارت تلف بعينيها متفحصةً المكان. نظرت الى السرير الذي تنام عليه ثم نظرت الى مراد واشارت الى اذنيها كي تعلمه بانها صماء وانها لا تسمع ما يقال لها. فاجابها بلغة الاشارة انه تعلم لغة الاشارة عندما كان يطبّق الطب باحدى المستشفيات بانقرة وبامكانه ان يتحاور معها بالاشارة ، ثم أشار اليها كي تطمئن لانها ببيته وانه سيعتني بها. اخرجت ساقها الايسر من السرير كي تهم بالوقوف الا انه اوقفها بيده وازال الغطاء عن ساقها الايمن وقال،
مراد : ساقك الايمن هذا ملتوي وعليك ان ترتاحي حتى يبرى.
اما هي فقد فهمت تماماً ما قاله عن التواء ساقها من خلال قرائة شفتيه. رجعت بظهرها الى الخلف واستلقت على السرير ثانية.
مراد : ساعود بعد قليل، انتظري قليلاً. لقد اعددت لك حساءاً لذيذاً.
اومأت برأسها كي تعلمه بانها فهمت ما قال وقد اسعدها ذلك لانها تشعر ان امعائها تتقطع من شدة الجوع. وما هي الا دقائق حتى عاد مراد وبيده صينية فيها صحن مليء بالحساء الاحمر اللون. وضع الصينية على حِجْر حزن وامسك بالملعقة كي يطعمها لكنها تبسمت بوجهه واخذت الملعقة منه ثم ترشفت من الحساء. استطعمت حزن الحساء اللذيذ وعلى ما يبدو لها انه معمول من اللحم والخضار. تناولت الحساء كله واعطته الصينية بعدها ثم اومأت برأسها وهي تبتسم معبرةً عن امتنانها. ثم سألت،
حزن : هل تسكن وحيداً هنا ؟
فاومأ برأسه بنعم.
حزن : انا اسمي حزن، انا استطيع ان اقرأ شفتيك إذا تحدثت بشكل واضح امامي.
فاومأ بنعم.
حزن : هل شعرت بالهزة الارضية؟
فاومأ بنعم. فاشارت،
حزن : هل هناك المزيد من الناس على هذه الجزيرة؟
فتحدث ببطئ بوجهها كي تتمكن من قرائة شفتيه وقال،
مراد : جميع سكان الجزيرة غادروا بالقوارب التي جائت لتخلي الجزيرة خوفاً عليهم من الهزة الارضية. لماذا لم تذهبي معهم؟
حزن : لقد ذهبوا كلهم مسرعين ونسوني خلفهم لاني كنت عالقة في حمام المطعم. لقد حشر باب الحمام ولم اتمكن من فتحه. كل شيء حدث بسرعة كبيرة. لقد حاولت اللحاق بهم لكني اضعت الطريق وانت تعرف الباقي. هل هناك سبيل للعودة الى اسطنبول اليوم؟
مراد : طبعاً إذا كنت تجيدين السباحة. سوف لن يأتي احد للجزيرة لعدة اسابيع حتى يتأكدوا من ان الوضع آمن وان الهزات الارتدادية سوف لن تعاود من جديد.
حزن : وماذا عني؟ هل سابقى هنا؟
مراد : انت في امان هنا وسوف لن يمسك الضر طالما تبقين في الكوخ حتى يتعافى قدمك الايمن.
حزن : وبعد ذلك؟
مراد : وبعد ذلك سأجد لك طريقة كي تعودي بها الى اسطنبول.
حزن : انا اشكرك على ضيافتك ولكن ماذا تعمل وحيداً هنا؟
مراد : انا افضل العيش في الغابة وحدي لاني كرهت الجنس البشري كله فالناس غارقون بالكذب والنفاق والخداع. احب ان اعيش وحدي واقتات من الصيد والاعشاب البرية. لدي نعجة اسمها (گلناز) اجني منها الحليب ولدي الكثير من الدجاج في الخارج يعطيني البيض كل يوم.
حزن : وماذا تشرب؟ هل هناك ماء جاري؟
مراد : هناك بئر ماء صافي اجلب منه المياه كل يوم واخزنه في خزان خارج الكوخ. وهناك بركة ماء صافية بالقرب من الشلال استحم بها كل يوم.
حزن : ولكن لماذا انت هنا، ما اريد ان اقوله هو، لماذا لا تسكن وتعمل في اسطنبول او انقرة مثلاً؟
مراد : لقد وقع خلاف بيني وبين والدي. امي توفت بعد الولادة بوقت قليل، لذا قررت ان انعزل عن بني البشر جميعاً لوهلة من الزمن ثم اعود يوماً ما. لكني وجدت العزلة هنا فيها راحة للبال لذا قررت ان ابقى بالجزيرة بشكل دائم. انا اتعامل مع الطبيعة والحيوانات وهذا شيء يسعدني كثيراً.
حزن : ولكن، الا تشعر بالوحدة؟ فانت لا تتحدث مع احد ولا تتواصل مع احد. ماذا لو وقع شيء سيء لوالدك لا سامح الله؟
مراد : ان والدي غارق باعماله ومتاجره ولا يجد الوقت لابنه. لقد استغنيت عنه وعن كل من اعرفه. والآن نامي وخذي كفايتك من الراحة، فانت ما زلت مرهقةً وتحتاجين للراحة.
رفعت راحة يدها الايمن على جبهتها كما لو كانت جندي يؤدي التحية العسكرية ويلبي الاوامر ثم دخلت السرير. خرج مراد كي يقوم برحلته اليومية خارج الكوخ. بدءاً اتجه الى بركة الماء وملأ القربة التي معه ثم عاد بها الى الكوخ وبعد ان صب الماء في الخزان خارج الكوخ عاد وذهب الى نعجته گلناز وجلب منها الحليب ثم عاد للكوخ ثانية واخذ قوسه وسهامه وانطلق كي يصطاد المزيد من الحيوانات فاليوم لديه ضيفة جميلة.
انتهزت حزن فرصة خروج مراد من الكوخ وصارت تبحث عن قصاصات قماش في الكوخ كي تستعملها كحفاضات للعادة الشهرية التي ابتليت بها مؤخراً. اما مراد فانهمك بالصيد. بقيت حزن وحدها وصارت تفكر بذلك الشاب الوسيم الذي يشع حيوية وقوة وجمالاً. هو شاب بامكانها ان تقع في حب واحد مثله يوماً ما.
بعيداً عن الكوخ في الغابة وبينما كان مراد يسير سمع صوت انثوي يستغيث من بعيد. سار باتجاه الصوت حتى وصل بالقرب منه واذا به يشاهد امرأة مستلقية على الارض وهي في حالة مزرية. سألها مراد عن حالها قالت بان جداراً حجرياً سقط على ظهرها من تأثير الهزة الارضية ولم يأتي احد لنجدتها فبقيت تحاول ان تسير وتتخبط بالقدر المتبقي لها من طاقتها لكنها استنفذته. الآن هي بامس الحاجة الى المساعدة. سألها مراد إن كانت حامل بعد ان شاهد بطنها المنتفخة فاومأت برأسها بالايجاب وقالت انها بشهرها الثامن. وما ان انهت جملتها الاخيرة حتى شعرت بدوارشديد فاغمضت عينيها ثم سقط رأسها للخلف فاقدةً بذلك الوعي. "يا الهي، فقدت المسكينة وعيها، يجب علي ان احملها واعود بها الى الكوخ فوراً. يبدو ان كوخي سيتحول الى مستشفىً ميداني"
حمل مراد المرأة الحامل الى الكوخ وادخلها من الباب. نظرت حزن اليه وارادت ان تستفسر عن المرأة الا انه لم ينظر اليها واهتم باسعاف المرأة الحامل. بعد ان وضعها على السرير بجانب حزن نظر اليها وقال،
مراد : انها حامل، وجدتها في الغابة قبل قليل وهي في حالة صعبة للغاية، ساحاول انقاذها إن استطعت. ارجوكِ راقبيها بينما اذهب لاعداد ماء ساخن.
اومأت حزن برأسها واشارت اليه بيدها كي يذهب. وما هي الا دقائق حتى صارت المرأة تنتفض فارادت حزن ان تسترعي انتباه مراد لكنها لم تتمكن فقامت بالضرب على الطاولة التي بجانبها كي تحدث اصواتاً مسموعة فعاد مراد على اثرها ونظر الى حزن. هنا اشارت حزن الى المرأة كي تخبره عن حالتها. هرع مراد الى المرأة وقال انها تحتضر يا حزن. انتاب حزن القلق الشديد وقالت له بالاشارة،
حزن : حاول ان تنقذها ارجوك، لا تدعها تموت.
الا انه هز برأسه وقال انها فقدت الكثير من الدم. وسوف تموت قريباً لا محال.
شمرت حزن عن ساعديها كي تعلمه بانها مستعدة للتبرع بالدم فقال ان ذلك مستحيل لانه لا يعلم فصيلة دمهما وليس في حوزته التجهيزات الطبية المطلوبة لنقل الدم. وبينما هو يشرح ذلك لحزن انتفضت المرأة ثانية وبشدة هذه المرة وماتت. نظر مراد بعين حزن وقال، "لقد فارقت الحياة"
جثت حزن على ركبتيها وصارت تبكي بكاءاً مراً ثم نظرت بوجه مراد واشارت الى بطن المرأة تستفسر عن الجنين. فقال مراد ان الجنين سيموت هو الآخر لا محال. لكنها اشارت اليه بان يحاول انقاذه. فاستجاب بايمائة من رأسه بالايجاب بمعنى انه سيحاول.
احضر المزيد من الماء الساخن وقام بتعقيم بعض السكاكين واحضر المزيد من قصاصات القماش وبدأ بفتح بطن المرأة. وما هي الا دقائق حتى اخرج الجنين من بطن امه فاعترت حزن فرحة عارمة وابتسمت وهي تمسح دموعها ثم تسائلت بيدها عن جنس الجنين فقال مراد انها انثى. قال مراد لحزن،
مراد : اجلبي المقص من هناك.
عرجت بساقها المصاب نحو الطاولة التي فيها المقص وقالت،
حزن : لقد احضرته.
مراد : اقطعي هذا الحبل الذي امامك.
ارتعشت يدها في البداية لكنها تمالكت نفسها وقالت،
حزن : حسناً.
مراد : احسنت يا حزن. هذا هو الحبل السري.
حزن : اجل درسنا عليه بدرس الاحياء بالمدرسة.
مدت حزن يدها واخذت الجنين بحضنها ثم صارت تمسح على رأسها وتقبلها بينما كانت الطفلة تصرخ وتبكي ثم بدأت بمسحها بقليلٍ من الماء الدافئ. اما مراد فجر جثة المرأة كي يخرجها الى خارج الكوخ حتى يدفنها.
بعد ساعة من الزمن عاد مراد الى الكوخ فوجد حزن تحتضن المولودة بكل حنان كما لو كانت ابنتها. ابتسم مراد وبدأ يضع الاخشاب في الموقد كي يشعله. فاشارت حزن،
حزن : انظر الى عينيها كم هي جميلة.

    

مراد : انها زرقاء كزراق البحر. سنسمي الطفلة ماڨي ما رأيك؟
حزن : اسم جميل ولكن ماذا سنطعمها؟
مراد : لدينا حليب النعجة گلناز.
حزن : إذاً احضر القليل منه كي اطعمها الآن فهي تبدو جائعة.
مراد : حسناً ولكن سنغليه اولاً ثم نبرده بعد ذلك.
بعد ان اعد الحليب فتش مراد عن شيء يصلح كي يثبته فوق القارورة الملئى بالحليب فلم يجد سوى اصبعاً من اصابع القفاز الطبي الذي كان يلبسه فقطعه من اسفله وثقبه من اعلاه وقام بتركيبه فوق القارورة ثم مده لحزن. حالما وضعته في فم الطفلة تلاقفته كما لو كانت مدربة عليه وصارت ترضع الحليب بنهم كبير. نظرت حزن بوجه مراد وابتسمت فرد عليها الابتسامة ومسح على رأسها ثم قال، "الامومة تليق بك يا حزن، تبدين جميلة جداً"
في الايام التي تلت، اصبحت الامور تسير بشكل روتيني بين مراد وحزن. هو يقوم بدوره في جلب الماء والصيد وجمع الحطب، بينما بدأت حزن تتعلم بعض الامور الجديدة الاخرى كحلب النعجة والاعتناء بالطفلة وقد كانت سعيدة جداً خصوصاً بعد ان توقفت العادة الشهرية منها كما اخبرتها مدرستها.
مر اسبوعين او ثلاثة دون ان يحسوا بالزمن ولم يأتي احد للجزيرة مطلقاً لكن مراد وحزن لم يشعرا بمرور الزمن لانهما كانا منشغلين بالطفلة ماڨي طوال الوقت حتى نسوا رغبة حزن في العودة الى اسطنبول. وعندما تعافت قدم حزن تماماً، صارت تخرج مع مراد في اغلب جولاته بالغابة حاملة معها الطفلة ماڨي على صدرها بعد ان تربطها بقطعة قماش عملتها خصيصاً كي تكون كالحمالة لها. كانت تلتقط الازهار البرية كي تصنع منها شراباً صحياً لها ولمراد بدلاً من الشاي. كان مراد كثير الخوف على ضيوفه فصار يحميهما من ادنى خطر احساساً منه بالمسؤولية التي ارتمت في حضنه دون سابق انذار. الا انه احب تلك المسؤولية وصار يتفقد الفتاتان كلما شعر بهدوء منهما. اما حزن فصارت تشعر بالانجذاب العاطفي نحو مراد وكان لديها احساس آخر نحوه وكانه البطل المخلص او الملاك الحارس المنقذ الذي بعثه الله لها وللطفلة ماڨي.
في احدى الايام الممطرة كان الجو رديئاً والرياح خرقاء والمطر يرشق بشكل افقي من شدة عصف الرياح. وجدت حزن ان الاخشاب التي يستعملونها في الطبخ وتدفئة الكوخ قد نفذت، فاشارت الى مراد كي يحضر المزيد من الاخشاب الا انه لم يلاحظ اشارتها واستمر في قرائة الكتاب الذي بيده. فطرقت على الطاولة كي تجذب انتباهه، هنا رفع رأسه اثر ذلك ونظر اليها قائلاً،
مراد : ما الامر يا حزن؟ اتريدين شيئاً؟
حزن : اجل نحتاج الى المزيد من الاخشاب. الا جئتني بالمزيد منها من الخارج؟ البرد اصبح شديداً وانا اخاف على الطفلة ان تمرض.
مراد : حسناً ساذهب الآن لا عليك.
خرج مراد وتفحص المخزن الذي يضع فيه الاخشاب خارج الكوخ فوجده فارغاً، لذا قرر ان يقطع المزيد من الاخشاب التي تركها بالقرب من الكوخ. جلب قطعة خشبية كبيرة ووضعها على جذع شجرة مقطوعة ومغروس بالارض وضربها بفأسه فانشطرت الى نصفين. بعد ذلك وضع قطعة ثانية فوق الجذع وعمل نفس الشيء. وبتلك اللحظة خرجت حزن من الكوخ كي تقف على سبب تأخر مراد لعدم علمها بان مخزون الاخشاب قد نفذ. صدمها منظر مراد وهو يرفع الفأس الى الاعلى فتتقلص عضلاته الكبيرة المفتولة بساعديه وصدره المفصص وقطرات المطر تنساب فوقها. لقد بان لها وكانه رجل خارق لا يقهر، هنا تبدلت نظرتها نحوه من شرق الى غرب. لقد احست ان شعوراً عارماً صار يغلي بداخلها لم تكن لتعرفه في الماضي لانها لم تجربه قط، فهي لم تحس بمثل هذه الاحساس نحو اي انسان في الماضي. نظرت الى الارض وصارت تتسائل،
"ما الشعور الذي اشعر به الآن؟ هل هو العشق يا ترى؟ هل وقعت بحب هذا الفتى؟ دعكِ من هذا الهراء يا فتاة فكيف تعشقين رجلاً سوف لم ولن يعشقك ابداً؟ فانت مجرد عبئ اصم سقط في حجر هذا الشاب الوسيم المثقف الذي اختار الوحدانية كي يعيش فيها بدلاً من صخب التمدن والمدنية. اراد ان يكون وحيداً فجئت انت ودمرت له كل شيء لانك غبية كعادتك. الا تتذكرين ما كان زملائك يطلقون عليك في المأتم؟ الفتاة الخرقاء نعم هذا ما كانوا يسمونني. لقد كانوا على حق"
وعندما رفعت عينيها عن الارض كي تعيد النظر الى مراد وجدته ينظر اليها ويبتسم حيث سأل،
مراد : هل تحتاجين الى شيء يا حزن؟
لكنها لم تفهم عليه فاشارت له كي يعيد ما قال بلغة الاشارة فاعاد نفس الجملة بلغة الاشارة فاجابت،
حزن : لقد قلقتُ عليك لانك تأخرت بجلب الحطب فاعتقدت ان مكروهاً قد اصابك والمطر مازال يهطل بغزارة. لذا خرجت لاستقصي الامر فوجدتك تقطع الاخشاب و...
نظر مراد بوجهها وصار يمسح قطرات المطر من خدها ثم سأل،
مراد : هل لديك حبيب يا حزن؟ فانت فتاة فائقة الجمال وانا متأكد ان الشباب يتهافتون عليك بالمئات من كل صوب وحدب.
حزن : كلا، لم يسبق لي ان خضت اي تجربة عاطفية من هذا النوع. دعني اسألك الآن، هل تحب شيئاً معيناً كي اطهوه لك اليوم؟ فانا طاهية ممتازة.
مراد : اين تعلمت الطهو؟
حزن : في المأتم طبعاً. كانت دروس الطبخ واحدة من الدروس الاساسية لدينا.
مراد : وهل كان لديك اصدقاء وصديقات في المأتم؟
حزن : كلا، كانوا لا يختلطون معي بسبب اعاقتي ويسمونني الفتاة الغبية.
مراد : يا الهي كم هي قاسية قلوبهم. الم يكن يحبك احد هناك؟
حزن : اجل، لدينا مدرسة اسمها گلستان، هي تحبني وانا تعلمت منها الكثير. لكني سافارقها قريباً.
مراد : ما هذه الصدفة العجيبة؟ كان اسم مربيتي گلستان ايضاً. ولكن لماذا ستفارقيها؟
حزن : لاني بلغت السن القانوني وهو 18 عاماً وعلي ان اخرج من المأتم واجد عملاً لنفسي واستقل بالسكن كذلك.
مراد : وهل تعلمين اي شيء عن ابويك؟
حزن : كلا. لقد تركوني على باب المأتم عندما كان عمري شهرين فقط. تخيل؟
اغمض عينيه وهز مراد رأسه اسفاً ثم رجع الى تقطيع الخشب. وعندما فرغ من ذلك حمل الاخشاب على صدره وتكلم بوجهها قائلاً،
مراد : دعينا نعود الى الكوخ بسرعة. فالمطر قد غمر اجسادنا كاملةً وانا متشوق لاتذوق طعامك اللذيذ الذي وعدتيني به.
حزن : انا متأكدة من ان طبخي سيعجبك.
رجع الاثنان يركضان وهما محملين بالاخشاب. وعندما دخلا الكوخ وضعت حزن الطفلة ماڨي في سريرها لانها نامت عندما كانوا بالغابة. ثم بدأت تجفف شعرها بمنشفة ثم ذهبت صوبه ووقفت امامه لتجفف صدره فمسكها برفق من كتفيها فنظرت بوجهه وتبسمت، فسحبها الى عنده وقبلها من شفتيها قبلة ساخنة كادت تفقدها الوعي. رمت المنشفة على الارض ووضعت ذراعيها حول عنقه وقبلته ثانية جاعلةً الامر اكثر تعقيداً. بعد ان اتمت دقيقة كاملة في التقبيل دفعته الى الخلف وابتسمت بوجهه ثم تركته وذهبت كي تحضر بعض الاخشاب وتضعها في الموقد الذي بالمطبخ كي تشعلها وتبدأ بالطبخ. وبعد ان فرغت من الطبخ ذهبت الى الصالة فوجدت مراد ماسكاً كتاباً طبياً يقرأ فيه فذهبت اليه وخطفت الكتاب منه ثم وضعته على الطاولة. نظر مراد بوجهها فقالت،
حزن : هيا تعال وساعدني في جلب الطعام.
مراد : بكل ممنونية فانا اتضرع جوعاً.
احضر الاثنان الطعام ووضعاه على الطاولة وقبل ان ترفع حزن ملعقتها من على الطاولة استيقظت ماڨي من نومها وصارت تبكي فوقفت حزن وقالت،
حزن : يبدو انها جائعة. ساطعمها ثم ابدأ طعامي. بامكانك ان تبدأ بتناول الطعام.
مراد : دعيها تبكي وابدأي طعامك.
حزن : كلا يا مراد، الطفلة اولاً.
هرعت حزن وحملت الطفلة ماڨي ثم وضعت رضاعة الحليب في فمها فصارت تلتهم الحليب بشراهة حتى اكملت الزجاجة بوقت قصير جداً ثم صارت تبتسم بوجه حزن فقبلتها حزن ووضعتها في السرير ثم عادت الى الطاولة كي تتناول غدائها فلاحظت مراد ينتضرها ولم يمس طعامه بعد. بدأ مراد بتذوق الطعام فالتذ به وقال،
مراد : يا سلام يا حزن، لقد ابدعت في طهو الطعام. لم اكن اتخيل انك طباخة ممتازة بهذا القدر شكراً لكِ. انت حقاً ماهرة.
حزن : بالهناء والشفاء. ولكن اسمي حزن ولست بماهرة.
ضحك الاثنان وصارا يتناولان الطعام بسعادة.
بقيت حياة مراد وحزن على نفس النمط في الاسابيع الخمسة التالية. كل واحد منهما صار يقوم بمهامه التي تعود عليها بشكل روتيني وصار مركز اهتمامهما هو الطفلة ماڨي التي كانت دائماً تتصدر الاولويات في كل شيء. حزن كانت دائماً تقول "نشكر الله لان مراد طبيب ويستطيع ان يتدارك الامر اذا ما مرض احدنا"
في يوم من الايام خرج مراد في رحلة صيده الروتينية. وبينما هو يسير بين الاشجار شاهد سفينة قادمة من بعيد نحو الجزيرة فاستبشر وقال هذه هي فرصتنا كي نعيد حزن وماڨي الى اسطنبول. ركض نحو الكوخ كي يخبر حزن عن السفينة الا انه تردد قليلاً ثم توقف وتراجع وقال بباله "لو انهما ذهبا من هنا، فهل ستكون الحياة جميلة كما هي الحال الآن؟ كيف ساقضي ايامي لولا هاتين الفتاتين التين اضفوا البهجة على حياتي؟ كيف سانام واستيقظ واكل طعامي؟ كيف ساستقبل يومي في الصباح؟ لكني إن اخفيت عنها ذلك ربما ستغضب مني وستعتبرني كذاباً ومخادعاً. ستكرهني لاني اضعت فرصتها في العودة الى اسطنبول. لذا اصبح لزاماً عليّ ان اخبرها وساترك لها القرار"
دخل مراد الكوخ فوجد حزن تلعب مع ماڨي. ابتسم بوجهها وقال،
مراد : لقد لمحت سفينة تقترب من جزيرتنا.
وقفت حزن وانارت الابتسامة وجهها ثم قالت،
حزن : يا الهي سنعود الى اسطنبول هل هذا صحيح؟ ولكن... ولكن...
خفضت رأسها وكأنها تذكرت امراً محزناً.
مراد : ولكن ماذا يا حزن؟ ما الامر، هل هناك شيء ببالك؟ اخبريني ارجوكِ؟
حزن : بصراحة يا مراد، لاول مرة في حياتي تتمالكني السعادة هنا واشعر وكأني املك عائلتي الخاصة واحس بالمسؤولية تجاهها. لقد مرت علي تلك الاسابيع وانا في غاية السعادة. انا لا اريد ان اعود يا مراد لا اريد، الا إذا...
مراد : إلا اذا ماذا؟
حزن : إلا اذا كنت انت لا تريدنا معك. اقصد انك تود ان تبقى وحيداً كما كنت في السابق.
مراد : بصراحة يا حزن، انا ايضاً شعرت بالسعادة في تلك الفترة وتمنيت لو انك رفضت العودة وبقيت معي. إذا قررت البقاء هنا فساكون سعيداً ببقائك معي. بالوهلة الاولى ترددت في اخبارك عن قدوم الباخرة انانية مني، لكني خفت من ان تتهميني بالخداع فقررت ان اخبرك واترك لك الخيار.
انطلقت حزن نحوه دون ان تشعر واحتضنته وصارت تبكي بكاءاً مراً.
بقي الاثنان بهذه الحالة لفترة طويلة حتى بدأت ماڨي باصدار اصوات من اثر اخراج الريح من جوفها فانفجر مراد من الضحك وقبل حزن من شفتيها قبلة ساخنة وقال،
مراد : ساكون سعيداً لو بقيتما معي الى الابد. فانتما عائلتي. وانا احبك يا حزن.
حزن : وانا كذلك يا حبيبي فانا احبك كثيراً من كل قلبي واتمنى ان اقضي معك باقي عمري.
كان لتلك القبلة اثراً كبيراً عليهما بحيث بقيت حزن تفكر بتلك اللحظة التي التقت بها شفتيهما ولو للحظات قليلة لكنها ملأتها احاسيس جياشة نحو ذلك الانسان الذي لم تتخيل يوماً انها ستلتقيه وستحبه وسيصبح محور حياتها. هو كذلك شعر بنفس الاحاسيس، فقد كان يحمل نفس المشاعر بل احس انه سيموت من شدة الاسى لو خرجت حزن وماڨي من حياته فيرجع وقتها الى الوحدة التي اختارها لنفسه في السابق. لقد ذاق طعم العائلة بشكل حقيقي والتي لم يشعر بها في السابق مع والده لانه كان غائباً عن الدار في اغلب الاحيان وكان يشعر بالوحدة وقتها.
بقي مراد وحزن يتحدثون ويتبادلون القبل لساعة او ما يزيد حتى نظر الى حزن وقال،
مراد : سنكون اجمل عائلة هنا في بيتنا المتواضع هذا وفي غابتنا الجميلة هذه وستتربى ماڨي بيننا كما لو كانت ابنتنا.
وقبل ان ترد حزن على ما قاله سمع مراد طرقاً على الباب فقال لحزن،
مراد : هناك طرق على الباب، دعيني ارى من الطارق.
فتح مراد الباب فوجد ثلاثة من رجال الشرطة يقفون امام باب الكوخ. حيوه باحترام وسأله احدهم عن سبب تواجده بالجزيرة، فاخبرهم بقصته ثم عرج على قصة حزن ووالدة ماڨي وكيف ولدت ابنتها واين دُفِنَتْ وكيف ربّوا ماڨي بينهما فقال الضابط،
الضابط : الحمد لله على سلامة الجميع ولكن، بما ان هناك طفلة لتلك المرأة المتوفاة فعليكما المجيء معي الى اسطنبول كي ناخذ اقوالكما هناك بمركز الشرطة ولكي توقعان عليها ثم تعودا.
مراد : حسناً نحن مستعدون للمجيء معك.
نظر مراد الى حزن واشار اليها،
مراد : الضابط يقول ان علينا..
قاطعته حزن بوضع سببابتها على شفتيه وقالت،
حزن : اجل فهمت ماقال، قرأت شفتيه عندما قالها.
مراد : وما رأيك؟
حزن : انا بالطبع موافقة، فليس عندي ما يمنع الذهاب الى اسطنبول. بامكاننا الرحيل معهم والعودة الى الجزيرة فيما بعد.
ادار مراد رأسه نحو الضابط وقال، ***
مراد : سنكون مستعدين للذهاب معكم بعد ساعة من الآن. الا رجعتم حينها؟
الضابط : حسناً سنقوم باخراج الجثة ثم نجري جولة في الجزيرة وبعدها نعود اليكما كي ناخذكما معنا بعد ساعة او ساعتان.
خرج الضابط من الكوخ، وفوراً هم مراد وحزن بالاستعداد للرحيل. اما حزن فقد اهتمت كثيراً بمستلزمات الطفلة ماڨي بينما قام مراد باعداد الكوخ كي لا يدخله احد في غيابهم وبعد ان اكمل كل ذلك صار يرتدي ملابسه التي لم ترها عليه حزن من قبل. فقد لبس بدلة سوداء وقميصاً ابيضاً وربطة عنق زرقاء ثم ارتدى حذاءاً اسوداً ونظر اليها قائلاً،
مراد : سنحاول العودة بنفس اليوم إن استطعنا. ما رأيك بملابسي؟
حزن : تبدو اجمل من ممثلي السينما، اتمنى ان لا تشاهدك احدى الفتيات هناك فتخطفك مني.
مراد : وهل ساجد مثل حزن بجمالها ورقتها وقلبها الحنون؟
بقي الاثنان جالسان على السرير يتحدثان بينما جلست ماڨي على حجر مراد حتى سمع مراد صوت سيارة في الخارج فنظر الى حزن وقال، "هيا، لقد جائت الشرطة".
خرج الجميع الى الخارج وركبوا سيارة الشرطة التي انطلقت بهم الى المرفأ حيث تقف سفينة تدعى زمرّد. ركبوا السفينة وابحرت بهم نحو اسطنبول. لكن مراد وحزن كانا يفكران بشكل مختلف. فمراد لم يكن سعيداً بالعودة الى المدينة التي تربى وكبر فيها لانه لايزال يحمل الكثير من الآلام بسبب خلافه مع والده. اما حزن فكانت جداً سعيدة لانها ستحاول اقناع مراد كي يسمح لها بلقاء مدرستها گلستان فقد اشتاقت اليها كثيراً، ستحدثها عن مغامرتها الغرامية وكيف اصبحت تعشق هذا الفتى الوسيم ووو.
عندما وصلت سفينتهم الى اسطنبول كانت هناك سيارة شرطة تنتظرهم لتأخذهم الى المركز. وفي المركز استقبلهم ضابط التحقيق بكل احترام وطلب منهما الجلوس. بدأ بسؤالهما كلٌ على حدة إذ صار يستفسر عن السيدة الحامل المتوفاة ثم اخذ التفاصيل منهما عن كيفية اجراء العملية فسأل مراد،
الضابط : هل انت مرخص لاجراء العملية لتلك السيدة؟
مراد : اجل انا طبيب ولدي شهادة تثبت ذلك.
الضابط : هل يمكنك ان تبرز تلك الشهادة كي اوثقها؟
مراد : انها ليست معي الآن. انها ببيت والدي.
الضابط : هل بامكانك ان تحظرها الى هنا؟ يجب ان ندرج تلك الاوراق مع المحضر.
مراد : هذا ليس ممكناً فالاوراق ببيت والدي باسطنبول وانا لست على وفاق مع والدي. لذلك يتعذر علي ان ابرزها لك.
الضابط : لكنك لحد الآن انسان عادي ونحن لا نستطيع ان نعتبرك طبيباً حتى تبرز لنا تلك المستمسكات. والا فانت مخالف للقانون، وقد تترتب عليك عقوبات اخرى.
مراد : لكن السيدة توفت قبل ان اجري لها فتح البطن وانا كنت مضطراً لان انقذ الجنين، فماذا كنت تريدني ان افعل؟ ااترك الجنين يموت ببطنها كي تكون انت سعيداً؟
الضابط : انا لم اقل ذلك ولكن يجب علينا ان نتفحص المستمسكات جميعها، افهمت؟
مراد : حسناً ساحاول ان اجلبها لكم وامري الى الله.
خرج مراد من الغرفة واستدعوا حزن للتحقيق. وعندما دخلت الى مكتب الضابط سألها عن اسمها فكتبت على ورقة امامه بانها صماء وبامكانها ان ترد على اسئلته من خلال الكتابة فوافق الضابط وقال،
الضابط : حسناً اكتبي اسمك الكامل وتاريخ ميالادك واسماء ابويك الكاملة.
حزن : انا يا حضرة الضابط يتيمة لقد تربيت في مأتم (الحياة الحرة) باسطنبول. يقع هذا المأتم بمنطقة بولوك دوزو بشارع الاستقلال رقم 140.
الضابط : هل لديك شخص تستشهدين به هناك؟
حزن : اجل، لقد كانت السيدة گلستان سليمان مدرستي بالمأتم. بامكانك الاتصال بها.
الضابط : سنقوم بذلك فيما بعد. والآن اخبريني عن كل شيء من اللحظة التي دخلت بها الجزيرة وحتى اللحظة التي عثرت عليك الشرطة ولا تنسي ان تكتبي كيف عثرتم على السيدة المتوفاة وكيف ولدت الطفلة.
صارت حزن تكتب كل شيء يخطر ببالها من الالف الى الياء ثم اعطت الورقة للضابط بعد ان انهت التدوين. قرأ الضابط افادتها وتأكد من ان كلامها مطابقٌ تماماً لافادة مراد. هنا طلب من احد مساعديه ان يستدعي مراد الى الغرفة ثانية. وعندما دخل ووقف بجانب حزن. قال لهما،
الضابط : لقد تأكدت من ان افادتكما مطابقة تماماً لما قلتما وهذا شيء جيد. بقي تقرير الطبيب الشرعي الذي ساستلمه غداً بعد ان يقوم بتشريح جثة السيدة المتوفاة. فإذا تطابق مع افادتكما فسوف تكونان احراراً. علماً انني مازلت اريد ان اشاهد شهادتك يا مراد.
مراد : هل هذا يعني انك ستبقينا موقوفون هنا بالمركز؟
الضابط : كلا هذا ليس ضرورياً، بامكانكما الذهاب الى الفندق او الى اي مكان آخر ثم العودة هنا غداً صباحاً مع الساعة الثامنة.
مراد : حسناً حضرة الضابط.
نظر مراد الى حزن وقال،
مراد : هيا يا حزن دعينا نخرج الآن ونعود غداً.
خرج الاثنان ومعهما الطفلة ماڨي، ركبا سيارة اجرة وطلب مراد من السائق ان يأخذهم الى فندق مرمرة بمنطقة تقسيم. فانطلقت بهم السيارة وفي اثناء الرحلة قالت حزن،
حزن : لماذا لا نذهب مباشرة الى بيت والدك كي نجلب منه اوراقك وشهاداتك.
مراد : دعينا نذهب للفندق اولاً ونضع امتعتنا هناك ثم نشتري بعض الطعام والمستلزمات لماڨي ومن ثم نذهب لبيت والدي.
حزن : حسناً حبيبي كما تحب.
بعد ان وصلوا الفندق اعطوهم غرفة في الطابق العاشر. ركبوا المصعد فصعد بهم الى العاشر ولما فتحوا باب الغرفة، انبهرت حزن بالغرفة ومظهر المضيق فالمنظر من النافذة يحبس الانفاس.

  

حزن : يا سلام يا مراد انظر انه المضيق.
مراد : اجل حبيبتي انه اجمل شيء بالدنيا. كنت متأكد من انه سيعجبك.
حزن : لكني ما زلت احب كوخنا الصغير في الغابة. اتمنى ان نعود باسرع وقت.
مراد : اعرف ذلك يا حبيبتي. سنعود فور انتهائنا من اجرائات الشرطة. ربما سنبقى هنا يوماً او بعض يوم.
حزن : كما تريد يا حبيبي.

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

428 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع