الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - الدكتور نزار السامرائي العائد من ارض الموت أسئلة الحرب وبرهان الأمل قراءة أولية/ ج2

الدكتور نزار السامرائي العائد من ارض الموت أسئلة الحرب وبرهان الأمل قراءة أولية/ ج2

                                        

                      د. عبد الستار الراوي

     

(7)
مفهوم الصداقة بنضارته المشرقة عرف لاول مرة في تاريخ الكوكب الارضي بوادي الرافدين، وإن من أول معاني الالفة الحميمة  هو (الإيثار) مذ إقتحم  جلجامش وإنكيدو سويا غابة الموت وأجهزا على الوحش  خمبابا  كانت تلك رسالة الملحمة الخالدة إلى  العراقيين حاملة إلى  الاجيال المتعاقبة إلزاما أخلاقيا مفعما بدفء الصحبة ومسؤولية الدفاع عن الصديق ومؤازرته  والتضحية من أجله ؛ في مواجهة غائلة الموت ،  وما أورثته نصوص الملحمة من  معان الفداء، وماهية الاحزان حين يفقد الانسان رفيقه وعلمنا الملك السومري أن الصداقة فوق كل الاعتبارات الطبقية والعرقية والمناطقية  فأنكيدو لم يكن سوى رجلا بدويا منشغل في رعاية الاغنام ، وعلمنا ملك سومر وأكد درسا بليغا  (متى يليق البكاء بالرجال) .. وان أجمل مافي الصداقة هي المروءة البيضاء وأخص معانيها؛ الشيمة والنخوة والسخاء النفسي، وهي واحدة من حقائق المجتمع العراقي. ففي ظروف المحنة كما يقول الكاتب تنشأ صداقات صميمية وأصيلة، كان الأقرب إلي في تلك الظروف، الملازم الأول عامر الدليمي، هو ضابط احتياط ولكنّه متطوع إلى ألوية المهمات الخاصة، ومن هنا نشأت علاقة رفقة لم تعكرها ظروف الأسر القاهرة التي هزت علاقات الأخ مع أخيه، والأب مع ابنه، كان عامر مثالا للشهامة والمروءة والشجاعة، وامتدت الرفقة معه حتى يوم الأسر الأخير، إذ عدنا إلى العراق معا، هناك ضابط آخر هو الملازم ثائر عدنان الراوي، كان يتأجج  وطنية وحبا للعراق وللرئيس صدام حسين، كان رياضيا نشيطا وشجاعا بلا حدود، ولكنّ هذا البطل الوطني رحل في مرحلة لاحقة، في آخر معسكر تم نقلنا إليه قبل أن نعود للوطن، أصيب بجلطة قلبية، ولأنّنا كنّا في معسكر خاص بالأسرى المعاقبين، فقد كانت الخدمات الطبية متناسبة مع هذا الوصف، فالقتل يتم معنا دون إطلاق للنار، وخاصة أنّنا كنا في الوقت الضائع من مرحلة الأسر، كان معنا ضابط أخر جمعتنا نحن الأربعة رفقة الأسر الطويلة، هو الملازم الأول حبيب حسن حبيب السامرائي، الذي أصيب هو أيضا بجلطة قلبية، ولكنّه أفلت منها، وعاد إلى العراق قبل الغزو الأمريكي عام 2003 بيومين).
ويحدثنا الدكتور السامرائي عن عذوبة سجايا رفاقه الأسرى، الألفة الدافئة وتلقائية التعاون والمؤازرة في الشدائد، لأنّ حياة ضاغطة بهذا المستوى، لا يمكن أنْ تعاش، إلا بتنازل الجميع لبعضهم البعض، عن جزء من الخصوصيات، وأحيانا كلها أمام إرادة التعايش المتقارب من حيث الضغوط، ولهذا لم يكن مسموحا لاسرانا أنْ يحتكموا لغير لغة الإخاء، رغم أنّ هناك تفاوتا بين ما يحمله البعض من مدارك وقدرات ذهنية وبين ما يحمله البعض الآخر. فالملابس والهدايا مثلا كانت صورة من صور التكافل الحميم في تلك البقاع البعيدة أو في عالم العزلة المترامية.
(8)
لم يجد أجد  وصفا مقاربا يليق بإحتفاليات تعذيب الاسرى لا في لاهوتيات التفتيش في العصور الوسطى ولا في أبي غريب الامريكي، ولافي أدبيات المعري ودانتي أيما مسافة قريبة بين ماورد في تاريخ وأسفار ومرويات  الامم وبين معاناة الاسرى العراقيين  كما هو مرقوم وموثق  في زيارة السامرائي   لقصور آيات الله لم تكن الانتهاكات تقليدية ولم  تقتصر على التعذيب والتجويع والمحاصرة والإيذاء المهين، بل كان سعي الجلادين  دوما البحث عن تقنيات مبتكرة لسحق البناء النفسي وتدميره، والاصرار الايراني  العنيد ، على تخريب الذاكرة الوطنية ، ليس ثمة لون آخر في كتاب ولاية الفقيه سوى لون اللاهوت الارهابي الذي إستبق جورج بوش في مقولته التلمودية وهم يرددون (إما أن تكون موال لنا فتكون وليا حميما أو تصبح عدوا رجيما )  هكذا كان مصنع غسيل المخ  الايراني لتبييض العقول وانتزاع  وطنية الاسرى  بالوعد والوعيد، وهكذا تناوب الجنود الايرانيون تحويل الاسرى إلى أكياس للتدريب على الملاكمة، والكاراتيه، وأثناء ذلك، كان الجنود يسحبون، أحدنا ويلقون به على السرير وعلى بطنه، ويأتي أحد الجنود المفتولي العضلات، ويبدأ الجلد بـ(الكابل) بلا رحمة أو إنسانية، كان تسلسل السامرائي في طابور تلك الليلة يحمل الرقم ( ثالثا) في  مهرجان الألم، وكما فعل في قصر فيروزة، كان يردد مع كل ضربة ـ الله أكبرـ   بصوت مسموع عن قرب، ومن بعيد كان صوت أذان الظهر يصل إلينا، وتداخلت تكبيرات المعذَبين مع مقطع (حيّ على خير العمل)، وكان الجلد متواصلا، وبعد أنْ أحصيت خمسا وعشرين جلدة نزعت مني لحما كثيرا، حسبتها أطول فترة حوار بين السوط وظهر رجل، وجاء من بعدي دور الرائد الركن أحمد شكر شاهين، والذي تعرض لقسوة لا مثيل لها قبل قليل، وتعرّض لشبه إغماء، ولما انتهوا منه لم يتمكن من الحركة، فجاء به الجنود، وأوقفوه إلى جانبي، فأمسكت به خشية عليه من أنْ يتعرض لجولة جديدة فيما لو سقط أرضا، واستمرت هذه الفعالية، إلى آخر واحد منّا، وكان السوط لا يكف عن الارتفاع والهبوط حتى اختلط الدم  بالدم.
ولم يشبع نهم الجلاد من منظر الدم المتدفق بغزارة من الأجساد المتعبة، بل واصل مهرجان تنفيسه عن حقد دفين، فأمر بدفعنا كقطار، عربة تسحب الأخرى، ولكنْ في عملية فيها من نذالة الفعل ما يبقى مستيقظا في ذاكرة تستنهض حقدا مضادا، إذ أمرنّا معاوني أنْ نقف طابورا ويمسك كل واحد بإذن الذي أمامه، ولأنّ الأخير لا يمسك بإذنه أحد، فقد تولى جندي إيراني ضربه بنعل مطاطي على رأسه طيلة المسيرة من الفناء إلى الزنزانة المخصصة لنا، كنا في آخر رصيد من قدرة الحركة وكان الأسرى الآخرون ينظرون إلى ما يحصل لنا بغضب وألم ومرارة، يمكن قراءتها من الوجوه الشاحبة والأبدان التي أرهقها هزال، نتج من عدم التعرض للشمس، وجوع حوّل الأسرى إلى هياكل عظمية. نعم رغم ما كنّا نعانيه من شعور بالضيم والقهر، من هذه الممارسات الوحشية، التي ترافقت مع أذان الظهر، وفي إيران التي تطرح نفسها بلدا يريد بعث القيم الإسلامية إلى الحياة، وإذ يتكرر (حيّ على خير العمل بعد حي على الفلاح)، كنّا نؤمن بأنّ ذلك طالما يأتي من عدو، فإنّه لا ينال من كرامتنا، ثم أنّه يعكس حقيقة ما يحصل في جبهات الحرب، كان الأسرى القدامى مشفقين على قادتهم من هذه المعاملة المستلة من أساليب أكثر الأقوام تخلفا ووحشية.
إن أي أنّ الأسير الواحد لا تتاح له فرصة قضاء حاجته، إلا مرة واحدة كل ثلاثين ساعة، ولمدة لا تزيد على دقيقة واحدة، كان وضع الصفيحة أشبه بالمسرحية، إذ أنّ الحراس أبلغونا بأنّ آمر المعسكر لا يعرف بأمرها، ولو عرف لمنعها، ولذلك فإنّهم يجازفون وعلى مسؤوليتهم الخاصة بإبقائها، وعلى ذلك فإنّ علينا تفريغها قبل التفتيش الصباحي، وإذا غضب جندي علينا لأي سبب أو دون سبب، فإنّ هذه الصفيحة تختفي، عقوبة لنا، وهذا ما كان يدفع الكثيرين منّا إلى الامتناع عن شرب الماء احترازا للنتائج، وهذا فاقم من وضع مرضى المجاري البولية، وأصاب الأصحاء بهذه الأمراض، أمّا قضاء الحاجة، فقد كان مأساة كاملة لنا، لأنّ التوقيتات المخصصة للضباط محددة ولا يمكن تجاوزها، فرض الكثير من الأسرى على أنفسهم تحديد كمية الطعام الذي يتناولونه علاجا لهذه المعضلة، رغم قلة كمية الطعام أصلا.
آمر المعسكر يأتي كل صباح، ويتنقل بين الأسرى كالطاووس، ولكنّه كان يتحول إلى كائن ضعيف أقرب إلى الفأر منه إلى الإنسان، حينما يزور المعسكر معمم من المعممين ومهما كانت رتبته، كان يصدر أوامره أمام الجميع، (اجلبوا اليوم مائتي حصة من الطعام)، ويرتفع الرقم وينخفض تبعا لمزاجه الخاص، وجدنا في مقر إقامتنا الجديد، أنّ القمل والجوع والرطوبة والبرد، قواسم مشتركة يتساوى فيها الجميع، ولكنّنا بدأنا نحصل على فرصة حمام عام، في حمام الفرقة 77، في كل أسبوع مرة واحدة، وفضلا عما يمنحه الحمام من راحة بدنية ونفسية للإنسان، فإنّه في ظرفنا كان له أهمية أكبر في إبعاد القمل عن أجسادنا يوما واحدا، إضافة إلى توفر مراحيض كثيرة في الحمام العام، ومن الطريف في مكاننا الجديد أنّ صلاة الفجر أصبحت مفروضة علينا، المهم يأتي الجندي الإيراني ويراقب الالتزام بتأدية هذه الفريضة، وعندما قلنا بأنّ هذه الصلاة باطلة لأنّها تؤدى دون وضوء، قال لنا الجنود غير مهم، لأنّ هذه أوامر من أجل إيقاظكم مبكرا، ولم يقتصر الأمر على صلاة الفجر، بل كان واجبا علينا تأدية صلاة الظهر دون وضوء أيضا، وكان علينا الاستماع إلى محاضرة ساذجة يأتي أحد المعممين المبتدئين، وليشرّق بنا ويغرّب دون بوصلة في بحار الاختلافات الفقهية بين المذاهب الإسلامية، مما لم تحسمه صراعات يزيد عمرها على 1400 سنة، وكلما تواصل البحث فيها حتى من قبل أكثر العلماء فقها وورعا وتقى كانت هوتها تزداد اتساعا،
 (9)
يكشف السامرائي عن حقيقة مؤلمة هي غياب المراقبة الدولية، فطوال عشرين سنة لم يقترب الصليب الاحمر الدولي من الاسرى ولم يقف على احوالهم في عالم الاسر الايراني ؟!!!!
نعم لمجيء بعثة الصليب الأحمر الدولي، والتي لم تصل إلينا أبدا، حتى اليوم الذي تفاجئنا برؤية فريق من البعثة، يستقبلنا عند نقطة (قصر شيرين) الحدودية خلال عملية التبادل التي عدّنا فيها إلى الوطن بعد عشرين عاما من الأسر،

(10)
رغم كل ما كابده الاسير المناضل من مآسي الاسر وضروب التعذيب الجسدي والإيذاء النفسي، فإن السامرائي كان في يومياته باحثا علميا مدققا، وإنسانا نبيلا في مقاصده ومراميه، حرص أن يكون منذ السطور الاولى حتى خاتمة الفصل الاخير، حرص أن يكون دقيقا في وصف المرئيات، منصفا في نقل الأحداث، وشاهد عدل، يحاول بموضوعية صارمة أن يضع القارئ أمام الحقيقة بما لها وعليها، فكان مفارقا لهواه، نائيا بنفسه عن الانحياز الذاتي والموقف الشخصي.  
مما يزيد من قيمة وأهمية النص كونه وثيقة إنسانية من وثائق التاريخ السياسي والقانون الدولي الإنساني ، عدا كونها عملا إبداعيا راقيا ، فقد عبر الباحث عن إلتزامه الأخلاقي بلغة توثيقية رصينة، راعى في فصول الكتاب الاثنا عشر شروط البحث العلمي، زمانا ومكانا،  ملتزما بالسرد الامين للوقائع،  حريصا على تحليل التفاصيل الصغيرة؛ واردة كانت أم شاردة شاردة،  فهو لم ينشئ النص على آرائك مكتب وثير، ولاكتب عن معاناة الاسر قراءة أو سماعا، او عبر منقولات الاحاديث والشائعات، بل دون أوراقه من داخل النص ومن وجع الجرح وبجدران الزنزانة، وبألام رفاقه الاسرى، وبالتعذيب الذي  تعرض له جسديا ونفسيا طوال توالي  الايام والشهور والفصول والسنين.
آثر إتباع منهجية الواقعية النقدية في تصحيح الكثير من المفاهيم؛ وفي مراجعة وتدقيق العديد من القضايا المتعلقة بسجل الحرب، بدء بالمقدمات وختاما بنتائجها.. وقد عرض من وجهة نظره التحليلية النقدية لدواعي الخلاف وأسباب الصدام العنيف بين طرفي النزاع؛ فلم يشأ إلقاء الكلام على عواهنه أو أن يصدر حكما مسبقا، أو يستبق العلل والدواعي؛ ولم يتردد في توجيه النقد اللاذع إلى الإعلام العراقي بل ذهب أحيانا إلى كشف نواحي الخلل والقصور في الإستحضارات العسكرية العراقية تجاه خطط الهجوم الإيرانية. وفي أخطاء الدولة في متابعة ومعالجة ملف أسراها، لاسيما بعد إيقاف إطلاق النار بين البلدين.    
موضوعية المنهج تنصرف أيضا إلى كشف خبايا عالم الاسر بصفحاته المختلفة الذي يكتظ بكثير من المسائل الشائكة؛ إبتداء من غسيل الادمغة مرورا بظاهرة التوابين، وبالدور الوضيع الذي قام به مجلس الحكيم في تعذيب الأسرى العراقيين.
  المؤلف هو وحده وبحواسه الخمس وبعقله الفصيح كتب ما رأى وما عاشه وعايشه، وهو الذي عانى، وهو الذي اقتيد الى حفلات التحقيق الوحشية التي تضيق العبارات في وصف وقائعها الوحشية، من ضروب الإيذاء النفسي والجسدي، وفي فن تدمير آدمية الكائن البشري، فالجلادون كانوا أمامه وعلى أيديهم عذب وأهين، لكنهم فشلوا في النيل من إرادته.  
(11)
الكاتب لا يقدم لنا صورة إنطباعية عن الاشياء والوقائع إنه يحمل القارئ إلى قلب الحدث، والى عين اليقين، بحيث يشعر القارئ أحيانا، وكأنه جزء من اللحظة النفسية التي عاشها أو جربها الأسير العراقي.
نزار السامرائي الذي شغل منصبا رفيعا في الاعلام وصاحب الخبرة الطويلة في المهنة الاتصالية، لم يكتب مذكراته بطريقة التحقيقات الصحفية رغم أهمية هذا اللون من الكتابة، ولا حاول أن يقدم لقرائه مشهدا تعبويا مباشرا، بل صمم بثبات أن يدون شيئا حقيقيا للتاريخ، وثيقة بالغة الأهمية عن السنوات المديدة التي قد تنأى بها الايام لكنها لن تنسى ولن تسقط من ذاكرة العراق، لانها كانت كما دورة الحياة، من الصعب المرور عليها، أو اختزال أيامها، أو تجاوز أحزانها.    
السامرائي وهو الخبير بالإعلام وبخطورة الأدوات الاتصالية يدرك قبل غيره مسؤولية الكلمة ومعنى الحدث وقيود الالتزام بالواقعة. ومن هنا فإنه أهدى كتابه إلى رفاقه الشهداء، الذين ارتحلوا دون وداع الأهل والأحبة، أولئك الذين أزهقت أرواحهم في جحيم الأسر، بعد أن أغرقهم الجند الايرانيون بالدم والرصاص فمضوا في طريق الأبدية، صفوفا صفوفا، الشهداء الغرباء، الجنود المجهولون مضوا بصمت، لم تبكهم النائحات، ولم يعرف لهم ضريح
(12)
من بين الفلسفيات الواردة في النص ، مسألة الافراط والتفريط ، على نحو يترجمه الاشتباك العنيد بين الواقعية الصلبة والمثالية المتعالية ؛ يتحدث نزار السامرائي عن القاعدة الذهبية الارسطية القائلة بـ(الحد الاوسط)  قائلا ؛ ( إنّ افتراض الكمال في ما يحصل في جبهات الحرب، افتراض يفتقد إلى الواقعية، لأنّه لا يستند على أساس، لا بد من وجود حل وسط بين الحسن المستحيل، والقبيح المرفوض، وحينما أقول إنّ هذه الصورة لم تكن حاضرة بنفس درجة وضوحها في الحوارات الداخلية مع النفس والآخرين، خلال مرحلة الأسر في المعسكرات الإيرانية، فإنّ عندي من شواهدها الخاصة ما يدعم تصوري لمثالية ما في اندفاع الرجال إلى جبهات القتال أو فيها،
وهنا تحضرني قصة إصابة أخي جمال، وكان جنديا في أحد أفواج اللواء العشرين أثناء معركة قوية مع الإيرانيين في قاطع البصرة وكانت إصابته بالغة، وقد منح على أثرها إجازة مرضية وإكرامية مالية مناسبة، حضر إلى منزلي في بغداد، بطريق عودته إلى سامراء، وحينما انتهت إجازته، أخذه صديق لي إلى مستشفى الرشيد العسكري وتم تمديد الإجازة، ولمّا تكررت الحالة للمرة الثالثة، انتفضت بوجهه، وطلبت منه قطع إجازته على الفور والالتحاق بفوجه في الجبهة، فما كان منه إلا أنّ يخفي غضبا وراء ابتسامة غامضة، وقال يا أخي هذا هو حال الجميع، لا أحد يفرط بإجازة تأتيه إلى عتبة داره).
ثمة واقعة أخرى يرويها  السامرائي قد تكون أبعد مدى في النظرة المثالية المفرطة إلى مسار الجهد المبذول لإسناد جبهات الحرب بالمقاتلين، والقضية ترتبط بي شخصيا، فحينما تطوعت لألوية المهمات الخاصة، كنت أصلا منخرطا في قواطع الجيش الشعبي، المعدة لإرسالها إلى المناطق الأكثر حاجة إلى جهدها، ولم أدفع بأي عذر مما أمتلك من الأعذار المشروعة التي تعفيني من أي واجب من هذا القبيل، لقد عزمت على الأمر، واتخذت إستحضاراته حتى النهاية، وفي تلك الفترة أيضا كنت أشغل منصب مدير عام دائرة الإعلام الداخلي، وكنت قد استكملت إجراءات السفر، رئيسا لوفد العراق إلى مؤتمر اليونسكو الدولي الذي كان مقررا أنْ يعقد في عاصمة المكسيك، ومن هناك كنت سألتحق بالوفد العراقي، لاجتماعات اللجنة العراقية الموريتانية المشتركة، للتعاون الاقتصادي والفني والتي يرأس جانبها العراقي السيد محمد فضل الحبوبي وزير الأشغال والإسكان حينذاك وكنت عضوا أصيلا فيها، والتي كانت ستعقد في العاصمة الموريتانية نواكشوط، ووصل الأمر بالاستعدادات، أنّ أخي مأمون وسكرتيري الخاص داود الزبيدي، استخرجا جواز السفر وتأشيرات الدخول (فيزا) في الدول التي أحتاج المرور فيها وصولا إلى مكسيكو سيتي، كما قاما بتحويل المبالغ اللازمة لي لهذه السفرة، إلى مؤتمر مهم وبلد يغري كثيرا بدوافع السفر، ولكنّني وفي لحظة الاختيار الحاسم، ذهبت إلى وزير الثقافة والإعلام، السيد لطيف نصيف جاسم الدليمي، واعتذرت عن السفر مع رسالة موثقة بهذا الخصوص، لأنّ الواجب الوطني والقومي، يدعوني لأنْ أكون في مكان آخر، وليس في المكسيك أو موريتانيا.
كانت المرارة تملأ الحلق، ولكنّ المعركة وبصرف النظر عما يقع فيها، فهي معركة مصير يتحدد فيها وجه العراق العربي، فأما أنْ يكون هكذا أو لا يكون أبدا،  
هكذا كان السامرائي يتأمل متدبرا، لكنه بقي متمسكا بالمرتكزات الوطنية والمبدئية لحتمية وقوف العراقيين، ومعهم العرب، في خندق واحد بمواجهة النوايا الشريرة لإيران، ليس ضد العراق فقط وإنما ضد الوطن العربي، وصفحته الأولى الخليج العربي، وهكذا افترض موقف الجميع، حتى من يختلف مع حزب البعث العربي الاشتراكي، أو لا ينظر بارتياح للرئيس صدام حسين

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

428 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع