الإنسان والعدم في حضرة هوغو

ميدل ايست/وائل الأسطل:رواية 'عمال البحر' تكشف توتّر التوتر بين أسلوب الكاتب الفرنسي الموسوعيّ المفرط وبناء ملحمته السردية التي تجسد صراع الإنسان مع الطبيعة وقدرة السردية على أن تكون معركة لإنتاج المعنى لا مجرد حكاية.

بدأ كل شيء من تلك الزيارة الصامتة إلى بيت فيكتور هوغو، في قلب حي الباستيل في باريس. لم تكن زيارة عابرة ولا طقسا سياحيا مألوفا؛ كانت أقرب إلى محاولة إنصات طويل لظل كاتب لم يغادر تماما. هناك، بين الغرف التي تبدو أصغر مما ينبغي لاحتواء اسم بحجم فيكتور هوغو، أدركتُ أن الأثر الحقيقي للكتابة لا يقاس بما يُعرض خلف الزجاج، ولكن بما يظل عالقا في الهواء: توتر خفي، كثافة غير مرئية، شيء يشبه صدى الكلمات بعد أن تتوقف. ولم أفكر في نصوصه عموما، وإنما في عمل بعينه ظل يلح علي وأنا أغادر: "عمال البحر". كيف استطاعت هذه الرواية تحديدا أن تبلغ هذا الحد من الامتلاء، من الحضور، من الإصرار على أن تكون أكبر من قارئها؟

لهذا عدت إلى "عمال البحر"، لا باعتبارها رواية تقرأ، وإنما ككتلة تُخترق بصعوبة. ذلك أن التقدم داخل هذا النص لا يشبه التقدم في رواية تقليدية. يمكن للقارئ أن يقطع مئات الصفحات دون أن يشعر بأن الحكاية قد بدأت فعلا. كل شيء حاضر: المكان، التاريخ، اللغة، التقنية، البحر، الإنسان، لكنها عناصر تُعرض وتُفصَّل وتعاد صياغتها بلا توقف، كما لو أن هوغو يؤجل الحكاية عمدا، أو يختبر صبر قارئه قبل أن يمنحه ما ينتظر.

قد يبدو هذا العمل، بعد أكثر من قرن ونصف من القراءات والشروح، وكأنه استُهلك حتى النهاية. شرح النقاد كل استعارة، وفتت الباحثون كل جملة، وعبر القراء بحاره مرارا. ومع ذلك، حين تقترب منه اليوم، تشعر بشيء معاكس: ليس لأنه فُهِم أكثر من اللازم، ولكن لأنه غُطّي بطبقات من الفهم جعلت الوصول إليه أصعب، كأن كثرة الشروح تحولت إلى قشرة ينبغي كسرها لاستعادة دهشة أولى، شبه ساذجة، لكنها ضرورية.

لو سُئل قارئ في الثلث الأول من الرواية عما يحدث فيها، لربما تلعثم. ليس لأن النص غامض، وإنما لأنه مفرط في الوضوح إلى حد الإغراق. لا يترك هوجو شيئا دون تعريف، دون وصف، دون استطراد. قبل أن تبدأ القصة، تكون قد دخلت في موسوعة: جغرافيا الجزر الأنغلو نورماندية، تاريخها، لغاتها، عاداتها، تقنياتها البحرية، مفرداتها الدقيقة، حتى أدق تفاصيل السفن وأجزائها. كل شيء يقال، ويعاد قوله، ثم يعاد مرة ثالثة بصيغة أخرى. ليس هذا التراكم زينة، إنه بنية، عالم يُبنى طبقة فوق طبقة، حتى يكاد يثقل على نفسه.

من اللافت أيضا أن هوغو لا يكتفي ببناء عالمه تخييليا، ولكت يصر على أن يمنحه كثافة معرفية تكاد تكون مادية. التفاصيل التقنية، أسماء الأدوات، أجزاء السفن، مصطلحات الملاحة، لا تأتي كزينة، وإنما كجزء من نسيج النص. كأن الرواية تريد أن تقنع القارئ بأنها تعرف العالم قبل أن ترويه، أو أنها تملكه عبر اللغة قبل أن تعرضه كحكاية.

يقوم أسلوب هوغو هنا على إيقاع ثنائي صارم: كل شيء يُعرَّف عبر نقيضه، أو عبر مقابله. ليس البحر مجرد بحر، إنه مقابل اليابسة؛ ليس الإنسان مجرد كائن، إنه ضد الطبيعة؛ ليست الآلة أداة، إنها امتداد لإرادة تواجه الفوضى. ليست هذه الثنائية تقنية وإنما رؤية كونية. اللغة نفسها تخضع لها: جمل قصيرة، حاسمة، تعريفات متلاحقة، ضربات متتالية كأنها مطرقة. لا نجد كثيرا من الالتفاف أو التردد، وإنما تأكيدا دائما، يقينا تعاد صياغته مرارا، كأن الكاتب يخشى أن يفلت المعنى إن لم يُثبَّت بالقوة.

ثمة ملمح خفي في كتابة هوغو لا يُلتقط من القراءة الأولى: إيقاعها. ليست المسألة في طول الجمل أو قصرها فقط، ولكن في طريقة انتظامها، في هذا النبض الثنائي الذي يعيد ترتيب العالم في أزواج متقابلة. تميب العبارة إلى أن تقال ثم تعاد بصيغة أخرى، كأنها تبحث عن تثبيت المعنى لا عن اقتراحه. حين يُلتقط هذا الإيقاع، يغير طريقة القراءة نفسها: لم تعد تتبع الحكاية بقدر ما تنصت إلى ضرب لغوي متكرر، يفرض منطقه الخاص.

خذ مثلا وصفه الشهير للكائن البحري الذي سيصير لاحقا رمزا مركزيا في الرواية. لا يكتفي بأن يسميه أو يصفه، إنما يهاجمه بالتعريفات: هو لزوجة، هو فراغ، هو فم بلا شكل، هو إرادة بلا جسد. تتكاثر الصور حتى يكاد الكائن يذوب فيها. هذه الطريقة، القائمة على التكرار والتكثيف، تحاول أن تحيط بما لا يمكن الإحاطة به. لكنها، في الوقت نفسه، قد تُرهق القارئ. فكل فكرة لا تقال مرة واحدة، وإنما عشرات المرات، في أشكال مختلفة، بإصرار يكاد يكون عنيفا.

هنا يكمن التوتر الأساسي في العمل: بين طموح لا نهائي للقول، وقدرة محدودة على التلقي. يريد هوغو أن يكتب العالم كله، ألا يترك زاوية دون إضاءة، ولا مفهوما دون تفكيك. فإذا ذكر أداة، سرد تاريخها؛ وإذا وصف مكانا، جعله فصلا كاملا؛ وإذا لمح إلى تقنية، فتح لها بابا موسوعيا. من استطراد إلى آخر، يتضخم النص، لكنه، بشكل متناقض، لا يتقدم كثيرا. كأن الرواية تدور حول نفسها، تؤجل لحظة الانطلاق.

هذا ما يجعل الحكاية نفسها تبدو مؤجلة. ليس لأنها غائبة، ولكن لأنها مزاحة إلى الخلف، خلف طبقات من الوصف والتحديد والتسمية. لا يدخل القارئ مباشرة في الحدث، إنه يدور حوله طويلا، كما لو أنه يُهيأ له أو يُدرَّب عليه قبل أن يواجهه.

وهذا ما يجعل القسم الأول من العمل صعبا على قارئ اليوم. ليس لأنه ضعيف، ولكن لأنه مفرط. هناك مقاطع تبدو أقرب إلى عرض معرفة منها إلى بناء سرد. لغة تقنية دقيقة، مصطلحات بحرية متراكمة، نبرة واثقة تكاد تكون استعراضية: انظر كم أعرف، كم أستطيع أن أصف، كم أستطيع أن أحوّل العالم إلى كلمات. في هذه اللحظات، يبتعد النص قليلا عن توتره الإبداعي، ويقترب من شيء يشبه البرهنة أو العرض.

لكن، ومن قلب هذا البطء، تنفجر الرواية. حين نبلغ منتصف العمل تقريبا، يتغير كل شيء. تبدأ القصة فعلا: سفينة تتحطم، خيانة تتكشف، ورجل -جليات- يقرر أن يواجه المستحيل. هنا، يتبدل موقع اللغة. ما كان فائضا يصبح ضروريا. ما بدا استطرادا يتحوّل إلى خلفية ملحمية. فجأة، نفهم لماذا احتاج هوغو إلى كل ذلك التراكم: لأنه كان يهيئ مسرحا بحجم المواجهة.

وعندما يحدث التحول أخيرا، حين تنكفئ اللغة قليلا لتفسح المجال للفعل، يكون وقعه مضاعفا. فجأة، لا تعود التفاصيل عبئا، ولكن ذخيرة. كل ما بدا فائضا في البداية يستعاد بوصفه ضرورة: الأدوات تُستخدم، الأماكن تُختبر، المعرفة تتحول إلى فعل. كأن النص، بعد طول استعراض، يبرر نفسه دفعة واحدة.

ليس جليات بطلا نفسيا معقدا، إنه تجسيد لفكرة. رجل وحيد، شبه منبوذ، يواجه البحر بكل ما فيه من عنف وغموض. ليست مهمته إنقاذ سفينة فحسب، وإنما استعادة محركها، ذلك القلب الحديدي الذي يرمز إلى تقدم الإنسان، إلى قدرته على تحويل الطبيعة إلى طاقة. ولأجل ذلك، عليه أن يمر عبر أربع طبقات من المواجهة: فهم المكان، العمل على المادة، الصراع مع العناصر، ثم النزول إلى الأعماق حيث يتجسد الشر في كائن حي.

ما يميز البطل في هذا السياق أنه لا يُعرَّف عبر باطنه بقدر ما يُعرَّف عبر أفعاله. لا يدخل النص إلى أعماقه كثيرا، ولكن يضعه مباشرة في مواجهة العالم. تُبنى شخصيته تدريجيا من خلال ما يفعل، لا ما يفكر فيه؛ من خلال مقاومته، لا تأمله.

في هذا الجزء، يبلغ أسلوب هوغو ذروته. الإيقاع الثنائي يتصاعد: إنسان/بحر، عقل/فوضى، يد/صخر. اللغة التي بدت ثقيلة في البداية، تصبح هنا ضرورة، لأن الموضوع نفسه ثقيل. لا يمكن وصف معركة مع المحيط بجمل مقتصدة. لا بد من هذا الفيضان، من هذا التضخم، ليوازي ضخامة الحدث. كل جملة تضيف طبقة من التوتر، كل وصف يدفع الصراع إلى حده الأقصى.

ثم تأتي المواجهة مع الكائن البحري، الذي لم يعد مجرد حيوان، وإنمل رمز مكثف للغموض، للشر، للالتصاق القاتل. هنا، يتخلى هوغو عن أي ادعاء علمي، ويكتب بوصفه شاعرا خالصا. ليس الكائن موضوع معرفة، إنه موضوع رعب. ليس مهما ما هو، ولكن ما يمثله: ذلك الجزء المظلم من العالم، ومن الإنسان، الذي لا يُرى إلا حين يُمسّ.

وفي قلب هذا التحول، تبرز الكائنات والرموز بوصفها تكثيفا لما سبق كله. ليست مجرد عناصر درامية، بل تجسيدا لفكرة الشر أو العداء الكامن في العالم. الكائن هنا ليس طبيعيا بالكامل ولا خياليا بالكامل؛ إنه منطقة التقاء بين الوصف العلمي والهلع الأسطوري، بين ما يمكن فهمه وما لا يمكن إلا أن يُقاوَم.

ومع ذلك، بعد هذا الصعود الهائل، يحدث هبوط. حين يعود جليات إلى عالم البشر، تتقلص الرؤية. العلاقات الإنسانية، العاطفة، المجتمع، كلها تبدو أصغر من المعركة التي خاضها. كأن الرواية تقول، بشكل غير مباشر، إن الانتصار على الطبيعة لا يضمن شيئا في عالم الناس. الجهد، الذكاء، الشجاعة، كلها قد تكون بلا جدوى حين يتعلق الأمر بالقلب أو بالمكانة أو بالاعتراف.

يخلق هذا التفاوت بين الملحمي واليومي نوعا من الخلل، لكنه خلل كاشف. لأنه يضع الإنسان أمام مفارقة قاسية: يستطيع أن يقاوم العاصفة، لكنه يعجز عن تغيير مصيره العاطفي. يستطيع أن يهزم البحر، لكنه لا يستطيع أن يفرض نفسه على قلبٍ لا يريده.

حين خرجتُ من هذا العمل، وعدتُ بذاكرتي إلى تلك الغرفة في بيت فيكتور هوغو، فهمت شيئا آخر. ليس المطلوب من الكتابة أن تكون متوازنة أو مثالية. ليس عليها أن ترضي كل الأذواق أو تحترم كل المقاييس. ما يمنح هذا النص قوته هو بالضبط عدم اعتداله: إفراطه، تكراره، جرأته على أن يكون أكثر مما يحتمل.

لهذا تترك الرواية، بعد الانتهاء منها، أثرا مزدوجا: إرهاق وإعجاب في آن. إرهاق بسبب هذا الامتلاء الذي لا يهدأ، وإعجاب لأن هذا الامتلاء نفسه ينجح، في لحظات حاسمة، في أن يتحول إلى قوة حقيقية. ليست تجربة مريحة، لكنها تجربة يصعب اختزالها أو نسيانها.

وربما هذا ما أحاول، بشكل أو بآخر، أن ألمسه في روايتي التي أشتغل عليها حاليا. ليس في تقليد هذا الأسلوب، ولكن في استيعاب درسه: أن الرواية يمكن أن تكون معركة، لا حكاية فقط. أن تميل، أحيانا، إلى الحافة، إلى الحد الذي يفصل بين الموسيقى والضجيج. وأن تقبل، دون خوف، أن تكون غير كاملة… ما دامت حية.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

777 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع