مئة سنة على تأسيس العراق: زهور على ضريح "مس بيل"!

     

 مئة سنة على تأسيس العراق: زهور على ضريح "مس بيل"!

ايلاف/د خالد السلطاني:الحديث عن "مس بيل"، عن (<المس بيل>، كما يدعوها العراقيون)؛ عن "غيرترود مارغريت لوثيان بيل 1868 -1926 Gertrude Margaret Lothian Bell"، لا يَكِلُّ وَلا يَمَلُّ، كما يقال! انها الشخصية الابرز ضمن كثر من شخصيات بريطانيين اخرين، ارتبطت اسمائهم بحدث تأسيس العراق الحديث ودولنه الى ظهرت من جديد عام 1921

    

بالتزامن مع تنصيب الملك فيصل الاول (1883 -1933) بالقشلة ببغداد ملكاً على العراق في 23 آب 1921؛ والذي نحتفل هذا العام بمرور قرن على تأسيسه.

ان اسمها وصيتها ولقبها "الخاتون" (الذي اصبغها البغداديون، بتحبب، عليها) كان معروفا ومتداولا في الاوساط المجتمعية العديدة والمختلفة.

     

على ان دورها المؤثر والحاسم في اختيار الامير فيصل ليكون ملكا على العراق الجديد، كان بمثابة لحظة لافتة، وهي ايضا لحظة سارة في تاريخ هذا البلد الذي ندرت فيه مؤخراً لحظات المسرة او الابتهاج! معلوم ان كثراً من الباحثين والدارسين كتبوا عنها وعن سيرتها الفريدة وهي، بلا شك، تستحق كل هذا الاهتمام والعناية، نظرا للدور (للادوار) التى اضطلعت بها في الشأن العراقي وجواره. ويقال (والعهدة على الراوي!) بان "مس بيل" اصطحبت الامير فيصل بعد عدة ايام من وصوله لاول مرة الى بغداد في 29 حزيران 1921، اصطحبته الى موقع المدائن، جنوب بغداد حيث اطلال طيسفون وطاق كسرى (242 -272 م. او 540م.) الشهير، وقرأت عليه، عن ظهر قلب، سطور من واقعة فتح العراق، مستلة من كتاب "تاريخ الامم والملوك" للطبري، وهي واقفة عند فتحة خلف جدار الطاق الآجري، تنظر الى الملك المستقبلي الذي كان داخل فضاء الطاق، مثاراً بما يسمع، ومنفعلاً مع الاجواء التى وجد نفسه فيها!

     

عندما حلت ساعة متأخرة من يوم السادس من تشرين الثاني 1914، نزل الى البر في الفاو جنود الحملة البريطانية المرسلة من الهند، فكانت تلك العملية، كما يصفها، جعفر الخياط، بـ ".. أول خطوة اتخذتها بريطانية العظمى لتحقيق أطماعها التقليدية في هذة البلاد". معلوم، سير الاحداث التى اعقبت ذلك "النزول". لكننا علينا الاشارة، بان معظم احداث ذلك المسار ارتبط بصورة قوية ومؤثرة مع اسم "ميس بيل" وعملها الدؤوب والمضني والطويل في العراق، وخصوصا، عندما اسند اليها (وليس الى شخص آخر) في سنة 1920، كتابة تقرير مفصل عن الوضع العام في البلد، وانجزته بعشرة فصول دعته "عرض الادارة المدنية في بلاد ما بين النهرين" دُعيّ لاحقا "بالكتاب الابيض"، الذي نال اهتماما واسعا واطراءا كثيرا لكاتبته من قبل الحكومة البريطانية وبرلمانها. وبحسب "جعفر الخياط" الذي ترجم هذا التقرير واجدا فيه ".. معلومات تاريخية مهمة عن فترة مرتبكه، واستناده الى أحدث المصادر، التى تعد فريدة في بابها، لانها تبين اتجاه الحوادث التى أدت الى تكوين الدولة العراقية الحديثة ووضع أسسها فيما بعد". (كتاب: فصول من تاريخ العراق القريب (2010)، ص. ج).
وكما اشرنا للتو، فحينما نزلت قوات الاحتلال البريطاني، الى البر عند الفاو، لم تكن تعرف تلك القوات، على وجه التحديد، "اسم" هذة الاراضي التى نزلت بها والتى ستحتلها تباعا وصولا الى تخوم الموصل، ودعتها، في منشوراتها الاولى، بـ "ميسو بوتاميا" Mesopotamia ، على تسمية اغريقية قديمة تعني بلاد ما بين النهرين. بيد ان الامر ما لبث ان تغير عندما قبلت بريطانيا في صيف 1920 ان تكون دولة الانتداب على تلك الاراضي، التى كانت سابقا تؤلف، وفقا للتسميات العثمانية ولايات البصرة وبغداد والموصل. وبعد ان انهت "مس بيل" تقريرها الذي ذكرناه، رأت، لاحقاً، بان من المناسب ان تستبدل التسمية الاغريقية القديمة، بواحدة مستلة من تراث المنطقة، ويقال، واستناداً لبعض المصادر، بانها هي التى اقترحت اسم "العراق" ليكون بديلا ملائماً لـ "ميسوبوتاميا". وكلمة "عراق" معروفة تاريخيا وادبيا كتسمية جغرافية لهذة المناطق. وقد وجد الاثاري "ماكواير جبسون" M. Gibson من بعثة جامعة شيكاغو ، في تنقيباته بمدينة نيبور سنة 1972، جرة تعود للقرن الثالث الميلادي، تحتوي على نصوص يرد فيها لاول مرة ذكر كلمة "العراق". وتم نشر ذلك في كتاب صدر من قبل الجامعة في 1975 (ص. 151). وعربيا فان كلمة عراق تعني في لغة اهل الحجاز "الشاطئ" او "سفوح الجبل". في حين يرد "العراق" في (معجم العين) للفراهيدي، بمعني شاطئ البحر. وسمى عراقاً لانه على شاطئ دجلة والفرات حتي يتصل بالبحر. وثمة دراسات ترجع هذا الاسم الى تراث لغوي قديم اصله سومري. لكن ما يهمنا في كل ذلك ان كلمة "ميسوبوتاميا" منذ الانتهاء من ذلك التقرير، بدأت بالزوال في الوثائق البريطانية واستبدلت بكلمة "العراق"، مكتوبة وفق ما اختارته "الخاتون" بهذة الصيغة IRAQ. (كثير من اللغات الاوربية تكتب اسم العراق هكذا IRAK). وعندما حلّ موعد التتويج عام 1921، أمست كلمة "العراق" هي التسمية الشائعة (وربما الوحيدة!) المعبرة عن بلاد ما بين النهرين!

    


كانت "غيرترود بيل"، امرأة عالية الثقافة، ولها اهتمامات معرفية متعددة، وقد ولعت باثار وتاريخ منطقتنا وجابت في بداية القرن الماضي، ولوحدها، بوادي الشام ونجد والعراق وصحاريها، في محاولة منها لدراسة اثار المنطقة وتسجيل انطباعاتها الإنثروبولوجية. بالاضافة لكونها "مصورة فوتوغرافية" بارعة، حفظت لنا ذاكرة بصرية في غاية الاهمية للعديد من الامكنة ومناظر مختلف المدن في منطقتنا إبان تلك الفترة، التى لم يهتم احد في تسجيل معالمها كما فعلت هذة الامرأة الارستقراطية. واذكر باني شاهدت لها صورة تعود الى بداية القرن الماضي، وهي بمعية "عمالها" ومساعديها ماسكة "المثقب"، لاجراء قياسات ميدانية في جدار "حصن الاخيضر"! كما يحفظ ارشيفها الغني الموجود في مكتبة جامعة "نيو كاسل" ببريطانيا على مجاميع لصور مدن عراقية عديدة، بضمنها صور مدينتي الصغيرة "الصويرة"، التى لا تثير صورها حتى الان سوى اهتمام بعض اهاليها، لكنها مرت بها "الخاتون" وصورتها ووثقت لنا حالتها في تلك الفترة القديمة. وكان نشاطها هذا وعملها المحفوف بالمخاطر، يثير دوماً دهشتي واعجابي، اذ كيف تسنى لهذة "الامرأة" الانكليزية المنحدرة من طبقة راقية، ان تختبر وتتحمل بنفسها شظف العيش وضيقه الذي لا يحتمل وان تتعايش طويلا مع "بيئات" لا تمتلك اطلاقا، ولحين الوقت الحاضر، اية مقومات للبنى التحتية ومفرداتها، فما بالك في ذلك الزمن السحيق؟! كيف كانت تتناول طعامها وكيف يتم تحضيره؟ اين كانت تغتسل في تلك البوادي المقفرة؟ واين تغسل ملابسها و"تنشرها"؛ بل كيف واين كانت "تقضي حاجتها" وغيرها من الامور الاخرى، التى كان عليها ان تقوم بها، وهي تحت انظار "عيون" متلصلصة و"بصر" مساعديها الكثر؟!
في حفلة تنصيب الملك فيصل بالقشلة في 23 آب سنة 1921، سجلت "المس بيل" فوتوغرافياً مراسيم ذلك الحدث الاستثنائي في تاريخ هذا البلد. كما كانت "صديقة" لكثر من المثقفين البريطانيين العاملين في العراق، بضمنهم معماري المفضل: "الميجر جيمس ويلسون" (1887- 1965)، مصمم اشهر المباني التى لا تزال تُقيّم بكونها فخر العراق المعماري! ثمة صور تجمعها وتجمعه معا مع اخرين بضمنهم الملك في "نزهات" Picnics ورحلات خارج العاصمة. كانت تسكن في محلة السنك غير بعيد عن مقر "المقيمية" البريطانية في بغداد، وكان بيتها ذا "طارمة" امامية محمولة ببعض "دلكات" خشبية، يطل على حديقة مزهرة مغروسة، كما هي باحات بيوت البغداديين، باشجار النارنج والنخيل. وفيه في هذا البيت، وجدت خادمتها الارمنية ماري "غيرترود بيل" خامدة الانفاس صباح يوم 12 تموز/ يوليو 1926، بسبب تناولها جرعة زائدة من الدواء، ولا يعرف احداً، هل قصدت الانتحار ام لا؟! (كان عمرها وقتذاك 58 سنة، هي المولودة في 14 تموز 1868، في مقاطعة درم County Durham شمال شرق انكلترا). وتم تشيع جثمانها تشييعاً مهيباُ بامر من الملك فيصل وشارك فيه الملك علي (شقيق الملك فيصل، وكان ينوب عنه ـ اذ كان الاخير خارج البلاد)، ورجالات العراق اضافة الى الرسميين البريطانيين واصدقائها الكثر.

  

ودفنت في بغداد.

   

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

337 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع