التفكك الأسري ظاهرة تؤرق العراقيين!


الارتفاع المتزايد في حالات الطلاق يعود إلى تغير ثقافة المجتمع تجاه حل الخلافات الزوجية.

 يبعث تزايد حالات الطلاق في المجتمع العراقي على القلق ويحذر المختصون من توسع ظاهرة التفكك الأسري التي استدعت تدخل المرجعيات الدينية في عديد الأوقات.ويرجع المختصون تزايد حالات الطلاق إلى أسباب اقتصادية بدرجة أولى، تليها عوامل أخرى مثل تدخل العائلات في حل المشاكل الزوجين،إضافة إلى صغر سن الزوجين أو ما يعرف بزواج القصر.

العرب/بغداد ـ تحذر المنظمات المعنية بالأسرة وكذلك الباحثون الاجتماعيون في العراق من توسع ظاهرة التفكك الأسري، ما استدعى تدخل المرجعيات الدينية التي دعت في مناسبات عدة إلى ضرورة الالتفات إلى الأمر وبحث أسبابه وإيجاد حلول مناسبة.

وتعددت الآراء التي شخصت السبب وراء تزايد حالات الطلاق، حيث نسبها البعض إلى تحسن الوضع المعيشي للموظفين بعد إقرار سلم الرواتب في العام 2008، في حين يرى الآخرون عكس ذلك ويعتبرون أن ضعف الوضع الاقتصادي لدى شريحة واسعة من المواطنين هو السبب الرئيسي في الطلاق.

واتهم آخرون الانفتاح على القنوات الفضائية وما تبثه من مسلسلات وأفلام تشجع على الطلاق، قبل أن تدخل مواقع التواصل الاجتماعي على خط الأزمة.

ويعزو مختصون توسع ظاهرة التفكك الأسري إلى ارتفاع تكاليف المعيشة، وضغوط الحياة في المدن الكبرى، فضلًا عن تغيّر أنماط العلاقات الأسرية.

وفي كركوك، أظهرت الإحصائية تسجيل 252 حالة طلاق خلال شهر واحد فقط، مقابل 916 عقد زواج، وهو رقم يراه مراقبون مؤشراً على وجود اختلال في استقرار الحياة الزوجية، خاصة في محافظة شهدت خلال السنوات الماضية تحديات أمنية واقتصادية واجتماعية متراكمة.

كما سجلت ذي قار 295 حالة طلاق، والأنبار 300 حالة، وديالى 343 حالة، بينما بلغت حالات الطلاق في البصرة 253 حالة، وكربلاء 245 حالة، وبابل 241 حالة.

وفي المقابل، سُجلت أرقام أقل نسبياً في محافظات مثل ميسان بـ71 حالة والمثنى بـ 92 حالة، ما يعكس تفاوتاً واضحاً في الاستقرار الأسري بين المحافظات.

ويرى مختصون اجتماعيون أن خطورة هذه الأرقام لا تكمن في عدد حالات الطلاق وحدها، بل في آثارها الممتدة على الأطفال والمجتمع، من تفكك الروابط الأسرية، وارتفاع نسب المشاكل النفسية، وصولاً إلى تأثيرها على الاستقرار الاجتماعي.

وفي قراءة قانونية لهذه الظاهرة، قال المحامي حسن عبد الله في تصريح لوكالة أنباء عراقية خاصة إن “الارتفاع المتزايد في حالات الطلاق يعود إلى تغير ثقافة المجتمع تجاه حل الخلافات الزوجية، حيث أصبح اللجوء إلى القضاء خياراً مباشراً، وليس الحل الأخير كما كان في السابق”.

وأضاف أن ازدياد وعي الأزواج، لا سيما النساء، بحقوقهم القانونية والشرعية، شجّع الكثيرين على إنهاء علاقات زوجية غير مستقرة، بدل الاستمرار فيها تحت ضغط اجتماعي أو عائلي، مشيراً إلى أن بعض الزيجات كانت تُحافظ على شكلها فقط، دون مضمون حقيقي.

بدوره، ربط المحامي ستار خالد تصاعد حالات الطلاق بالعامل الاقتصادي. وقال لوكالة الأنباء العراقية الخاصة إن الضغوط المعيشية، وارتفاع الإيجارات، والبطالة، وعدم استقرار العمل، أصبحت من أبرز أسباب الخلافات الزوجية، خصوصاً بين الأزواج الجدد.

وأوضح أن المحاكم تشهد تزايداً في دعاوى الطلاق خلال السنة الأولى أو الثانية من الزواج، نتيجة عدم القدرة على توفير متطلبات الحياة، أو بسبب الهجرة والسفر الطويل، فضلاً عن التأثير السلبي لوسائل التواصل الاجتماعي في خلق توقعات غير واقعية عن الزواج.

وفي مثال صادم يعكس حجم التسرّع في اتخاذ قرارات الزواج والانفصال، شهدت إحدى المحافظات العراقية حالة طلاق لم تستمر سوى ساعتين فقط بعد عقد القِران، حيث نشب الخلاف مباشرة بعد مراسم العقد، نتيجة سوء تفاهم حاد بين العريس وعروسته، وتدخلات عائلية، ما دفع الطرفين إلى إنهاء الزواج رسمياً خلال وقت قياسي.

ولم تعد هذه الحالة، رغم غرابتها، استثناءً، بل أصبحت تعكس واقعاً مقلقاً يتمثل في غياب النضج والاستعداد النفسي قبل الزواج، والخضوع لضغوط المجتمع دون دراسة حقيقية للتوافق.

من جانبها، ترى الطالبة الجامعية سندس علي أن ارتفاع حالات الطلاق يعكس تحولات عميقة في وعي الجيل الجديد، قائلةً إن الكثير من الشباب اليوم لم يعد يقبل بالاستمرار في زواج فاشل لمجرد إرضاء المجتمع، خاصة مع ازدياد وعي النساء بحقوقهن وحرصهن على التعليم وبناء المستقبل.

وأضافت أن الزواج المبكر، والتسرع في اتخاذ القرار، وتدخل الأهل في تفاصيل الحياة الزوجية، كلها عوامل تؤدي إلى انهيار العلاقة سريعاً عند أول خلاف.

ويؤكد خبراء أن ارتفاع الزواج لا يقلل من خطورة تصاعد الطلاق، ما لم تُعالج أسبابه الجذرية، وفي مقدمتها الوضع الاقتصادي، وغياب برامج الإرشاد الأسري، وضعف الثقافة الزوجية قبل الزواج.

ومع استمرار تسجيل آلاف حالات الطلاق شهرياً، يحذّر مراقبون من أن الأسرة العراقية تقف أمام تحدٍ حقيقي، يتطلب تدخلاً حكومياً ومجتمعياً عاجلاً، لضمان أن لا تتحول حالات الزواج السريعة إلى قصص انفصال أسرع، وأن تبقى الأسرة ركيزة أساسية للاستقرار في مجتمع يواجه أزمات متراكمة.

ومع اختلاف الأسباب والمسببات، شهدت السنوات الأخيرة انخفاضاً ملحوظاً في حالات الطلاق مقارنة بما سبقها من سنوات، ووفقاً للإحصاءات الشهرية التي يُصدرها مجلس القضاء الأعلى والتي ترده من المحاكم والتي راجعتها وكالة شفق نيوز، فقد سجل العام الماضي أدنى حالات طلاق، وكان شهر ديسمبر 2025 هو الأقل بين شهور السنة.

وبالرغم من هذا الانخفاض إلا أن المختصين الاجتماعيين والقانونيين ما زالوا يشعرون بالقلق من معدل حالات الطلاق ويحذرون من التفكك الأسري في حال لم يتم إيجاد حلول جذرية لهذه المشكلة الأسرية والاجتماعية.

وتصدّرت رئاسة محكمة استئناف بغدادـ الرصافة عدد حالات الطلاق المسجّلة خلال الشهر، بواقع 798 حالة، تلتها محكمة استئناف بغدادـ الكرخ بـ 692 حالة، فيما سجلت محكمة استئناف نينوى 530 حالة طلاق.

وخلال الأعوام الماضية تفاقمت أزمة ظاهرة الطلاق في العراق حيث سجلت المحاكم أرقاماً مرعبة وقصصاً أكثر غرابة في المجتمع الذي لم تكن الظاهرة تأخذ حيزاً كبيراً من اهتماماته، إذ تعددت أسباب الطلاق التي يرجع معظمها إلى عوامل اقتصادية واجتماعية ونفسية، فضلاً عن مواقع التواصل الاجتماعي التي شكلت جزءاً رئيساً من الحالات بسبب الخيانات الزوجية.

وكانت دراسة نشرت في مارس 2021 في المجلة الشهرية لمجلس القضاء الأعلى، أكدت أن السكن المشترك مع أهل الزوج يؤدي في أحيان كثيرة إلى تدخل هؤلاء في حياة الزوجين بشكل سلبي، وأشارت إلى اعتماد الزوج مادياً على أهله وصعوبة الحصول على فرص عمل، نظراً إلى الأوضاع الاقتصادية الصعبة في العراق، فضلاً عن الخيانة الزوجية عبر مواقع التواصل الاجتماعي التي تتسبب في حالات طلاق متعددة.

وبعد 2003 وفي ظل الانفتاح الذي شهده العراق أخذت مواقع التواصل الاجتماعي حيزاً كبيراً من اهتمام الأسر العراقية وأصبحت أحد أسباب الخيانات الزوجية وتفكّك أسر كاملة.

ولفتت الحقوقية العراقية وسن الدليمي إلى أن أسباب الطلاق كثيرة منها الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، مؤكدة أن معظم الحالات كانت لانعكاسات اقتصادية ولوضع معيشي واجتماعي ونفسي متأزم، مما يؤدي إلى النفور أولاً ثم تراكم المشكلات النفسية التي تنتج الانفصال.

وكحل لمعضلة التفكك الأسري دعا الخبراء إلى ضرورة رفع الوعي الاجتماعي والديني والثقافي لدى الزوجين بأن يعرفا حقوقهما وواجباتهما، ويدركا قيمة الارتباط والزواج ومسؤوليات تكوين أسرة وإنجاب أطفال، وشددوا على ضرورة أن يكون تدخل الأهل بين الزوجين بصورة إيجابية، لافتة إلى أن المسؤولية الكبرى تقع على عاتق الدولة وتتمثل في توفير فرص عمل للشباب وكذلك تفعيل الأدوار التوعوية للمجتمع المدني والمؤسسات الدينية والحكومية.

وأشارت إلى زواج القاصر أو صغار السن من الطرفين وقلة الخبرة في إدارة الحياة وتجاوز العقبات والتمسك بالعلاقة الزوجية، إضافة إلى انتشار المخدرات التي يلجأ إليها بعضهم بسبب الوضع الاقتصادي والمعيشي ما يولد العنف والتقصير في الواجبات الزوجية والاجتماعية.

فيديوات أيام زمان

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1141 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع