هل يستعيد الورق جمهوره؟ مبادرات ومهرجانات عراقية تعيد الكتاب والصحيفة إلى الواجهة

عبد الكريم إبراهيم

هل يستعيد الورق جمهوره؟مبادرات ومهرجانات عراقية تعيد الكتاب والصحيفة إلى الواجهة

في زاوية من صالون حلاقة ببغداد، جلس محمد حسان، المدرس المتقاعد، ينتظر دوره. مدّ يده إلى هاتفه المحمول لقتل الوقت، لكنه تراجع متذكراً نصيحة طبيب العيون بتقليل النظر إلى الشاشة. التفت حوله، فلم يجد سوى جريدة قديمة على أحد المقاعد. تناولها وبدأ بتصفح صفحاتها، وكأنه عثر على رفيق قديم في زمن الانتظار.يقول حسان، من أهالي منطقة فلسطين: «كانت صالونات الحلاقة وعيادات الأطباء في السابق مفعمة بالمجلات والصحف والكتب الورقية، وكان المراجع يقضي وقت الانتظار في المطالعة وزيادة معرفته وثقافته. أما اليوم فقد اختلف الوضع، إذ نجد أغلب الناس منغمسين في تصفح الهاتف المحمول، بين الألعاب والتسلية ومتابعة الأحداث بالصورة والصوت».

*من الشاشة إلى الصفحة
لم يعد المشهد الذي يستذكره حسان مقتصراً على صالونات الحلاقة وعيادات الأطباء، بل أصبح جزءاً من تحول أوسع في عادات القراءة. فالهاتف المحمول ووسائل التواصل الاجتماعي أتاحا للقارئ الوصول إلى الأخبار والمعلومات والكتب والمحتوى الثقافي بضغطة واحدة، في مقابل تراجع حضور الصحيفة والمجلة والكتاب الورقي في الحياة اليومية.لكن هذا التحول لم ينهِ علاقة العراقيين بالكتاب المطبوع، إذ ظهرت خلال السنوات الأخيرة مبادرات وفعاليات ثقافية تسعى إلى إعادة القراءة الورقية إلى المشهد، من خلال المعارض والمهرجانات والندوات والأنشطة التي تضع الكتاب في متناول الجمهور.ويأتي معرض بغداد الدولي للكتاب في مقدمة هذه الفعاليات، بوصفه مساحة تجمع دور النشر والكتاب والصحفيين والقراء، وتمنح الجمهور فرصة الاطلاع على عناوين وإصدارات متنوعة.
*المعرض.. أكثر من كتاب
ويرى الصحفي عدنان الربيعي أن إقامة معارض ومهرجانات الكتب والصحف الورقية تمثل مبادرات إيجابية تستحق الدعم.ويقول: «من خلال التجول في معرض بغداد للكتاب يمكن مشاهدة فئات عديدة من الزوار، بينها من يأتي بهدف البحث عن الكتب واقتنائها. ومع وجود هذا الكم الكبير من العناوين، يستطيع القارئ الوصول إلى ما يناسب اهتماماته».ولا يرى الربيعي أن وجود زوار يكتفون بالتقاط الصور أو تسجيل حضورهم في المعرض أمراً سلبياً بالضرورة، قائلاً: «أنا أؤمن بحرية الاختيار، ووجود أي شخص في مثل هذه التظاهرة الثقافية، حتى لو كان لغرض التسلية أو التقاط الصور، يعني أنه انجذب إلى شيء ما في المعرض، وإلا كيف نفسر وجوده رغم حرارة الجو والازدحام المروري؟».
*الكتاب في متناول الجميع
أما الأستاذ سعيد هادي، من أهالي منطقة الشعب، فيرى أن إعادة الكتاب والمطبوع الورقي إلى الحياة اليومية تتطلب مبادرات عملية تجعل الحصول عليه أكثر سهولة.ويؤكد ضرورة «إيجاد شراكات بين المؤسسات الصحفية والثقافية والنقابات وشركات النقل والخطوط الجوية وغيرها، بهدف إيصال الكتاب والصحيفة والمجلة إلى أكبر عدد ممكن من القراء».ويقترح هادي أن تخصص المؤسسات الصحفية والثقافية جزءاً من إصداراتها للتوزيع المجاني في بعض الدوائر الحكومية والجامعات، معتبراً أن مثل هذه الخطوة يمكن أن تخلق «صلة تواصل ثقافية مع القراء»، وتعيد المطبوع الورقي إلى أماكن اعتاد الناس فيها قضاء أوقات الانتظار.
*القراءة.. فعل جماعي
ولا تقتصر المبادرات على المعارض وحدها، إذ تشهد بعض المناسبات الدينية والثقافية فعاليات تهدف إلى تشجيع القراءة وتوفير الكتب للجمهور.وتشير المحامية نسرين طه إلى بعض المبادرات التي ترافق زيارة الأربعين، حيث تنشط المراكز الثقافية التابعة للعتبات المقدسة في تشجيع المطالعة وإتاحة الكتب للزائرين، فضلاً عن مسابقات وفعاليات ثقافية تقام في شارع المتنبي.وتقول طه: «هناك مبادرات تستحق الإشادة، لأنها تشجع الناس على المطالعة والحصول على الكتاب، وبعضها يقدم الكتاب مجاناً مقابل القراءة لمدة زمنية معينة، كما أن هناك مسابقات تقوم على الفكرة نفسها».
ومن جهتها، تدعو لمى حميد، من أهالي مدينة الصدر، إلى تعزيز مفهوم القراءة الجماعية من خلال إقامة مهرجانات مجانية للكتاب، مشيرة إلى مهرجان الكتاب الذي يقام سنوياً في المدينة بمشاركة عدد من الكتاب والصحفيين.وتوضح حميد: «مشاركة الكتاب والصحفيين وتقديم إبداعاتهم إلى الجمهور بصورة مباشرة تمنح القراءة بعداً مختلفاً. كما أن الندوات الحوارية والنقدية تؤدي دوراً مهماً في التعريف بالكتاب، وتقرب الكاتب من القارئ وتكسر الحاجز بينهما».
*هل انتهى زمن الورق؟
رغم الانتشار الواسع للهواتف الذكية والمنصات الرقمية، لا يبدو أن الكتاب الورقي قد غادر المشهد تماماً. فالمعارض والمهرجانات والفعاليات الثقافية التي تستقطب القراء والناشرين والكتاب تؤكد استمرار وجود جمهور يبحث عن الكتاب المطبوع، وإن اختلفت دوافعه وأنماط تعامله معه.وقد لا تكون المنافسة بين الورق والشاشة معركة تنتهي بانتصار أحدهما، بقدر ما هي محاولة لإيجاد مساحة لكل منهما.فالوسائل الرقمية وفرت سرعة الوصول إلى المعلومة، بينما يحتفظ الكتاب والصحيفة والمجلة الورقية بعلاقة مختلفة مع القارئ، قوامها التصفح الهادئ والاقتناء والاحتفاظ بالمادة المقروءة.ومن هنا تبدو المبادرات الثقافية والمعارض والمهرجانات أكثر من مجرد مناسبات لبيع الكتب؛ فهي محاولات لإعادة القراءة إلى الفضاء العام، وتحويل الكتاب من مادة موضوعة على الرف إلى وسيلة للتواصل والحوار والمعرفة.فربما لا يحتاج الورق إلى العودة من جديد، بقدر ما يحتاج إلى أن يجد مكانه الجديد في حياة قارئ اعتاد الشاشة، لكنه ما زال، بين حين وآخر، يبحث عن جريدة قديمة أو كتاب يفتحه بيديه.

 

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

556 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع