
الكتابة الإبداعية تكثيف للتجربة الإنسانية
العرب/الياس الخطابي:تعتبر الشاعرة المغربية زهرة أحمد بولحية من الأصوات الشعرية التي تنتمي إلى جيل يكتب القصيدة بوصفها تجربة إنسانية مفتوحة على الأسئلة، لا مجرد تمرين لغوي أو بحث عن الزخرفة. وفي تجربتها، تبدو الكتابة محاولة للإمساك بما يتوارى خلف الكلمات، حيث تشتغل في نصوصها حول الذاكرة، والمرأة، والحب، والقلق، والذات، وما يتركه الواقع من ندوب في الروح.
وتأتي قصيدة النثر باعتبارها أحد الأشكال التي أتاحت للشاعرة مساحة أوسع للتعبير عن هذه الهواجس، بعيدًا عن القيود الإيقاعية التقليدية، مع الحفاظ على جوهر الشعر باعتباره لغة مكثفة وصورة وإيحاء وموسيقى داخلية.
في هذا الحوار بجريدة العرب، نقترب من تجربة زهرة أحمد بولحية، ونسائلها عن علاقتها بالشعر، وعن حضور المرأة في القصيدة، وعن قصيدة النثر، وعن حدود الحرية الشعرية، وعن العلاقة بين التجربة الشخصية والكتابة.
بدايات القصيدة
تسألها "العرب" عن بداية علاقتها بالكتابة فتجيبنا "علاقتي بالشعر بدأت من خلال التعبير التلقائي والبوح الوجداني المبكر، حيث شكلت الكتابة بالنسبة إلي نافذة للتعبير في شكل مذكرات وخواطر كنت أحتفظ بها كأثمن ما أملك، قبل أن تتطور إلى ممارسة شعرية تتوسل بمختلف الأشكال. ويمكنني القول إن الموهبة بدأت تتمظهر من خلال كتابة الخواطر والنصوص النثرية القصيرة، وشكل الانفتاح على القصيدة العمودية وشعر التفعيلة طريقًا لصقل موهبتي بحكم المسار الدراسي والمهني والتخصص في شعبة الأدب وتدريس مادة اللغة العربية والاحتكاك بالأدب العربي. كلها عوامل عمقت علاقتي بالقصيدة العربية، مما أكسب تجربتي خصوبة وتماسكًا وتدفقًا، ثم تطورت هذه العلاقة أكثر عبر القراءة لكبار الشعراء والتأثر بتوجهاتهم في الكتابة، سواء الشعراء القدامى أو المحدثين."
وتتابع "إلى أن خرج إلى الوجود أول ديوان لي، ‘جدائل الريح‘، وقد ضمنته الكثير من النصوص التي عاشت معي زمنًا طويلًا، وتوالت بعدها محاولات النشر في دواوين مشتركة وأنطولوجيات شعرية، ثم فيما بعد إصدار ديوانين متزامنين هما ‘قناديل من حلكة ووهج‘، و‘شبيهي في وجوه‘، وكلها أعمال تنوعت موضوعاتها بين الذاتي والوجودي والإنساني."
نسأل بولحية هل تنطلق من تجربة شخصية وذاكرة خاصة، أم أن القصيدة تبدأ عندها من صورة أو كلمة أو إحساس عابر؟ فتجيبنا "تشكل الذاكرة بالتآزر مع التجربة الشخصية المعين الأساسي الذي يستقي منه الشاعر رؤيته للعالم، والنواة الصلبة التي تصاغ منها التجربة الشعرية. فالممارسة الشعرية ليست مجرد ترف لغوي، بل هي عملية تحويل مستمرة للمعاش والمنسي وللصور والدفقات التي تنبض بالحياة. فالذاكرة خزان رمزي ومصدر للإلهام تختزل المشاعر والهوية أو الحنين. هذا لا يلغي أبدًا أن القصيدة قد تبدأ من صورة، أو مشهد مرئي، أو كلمة مفعولها كالسحر، فكثير من اللحظات العابرة تستوقفنا لتسكننا، لأن القصيدة في جوهرها تجربة لا تخضع للقوانين الجافة."
المرأة والكتابة
المرأة حاضرة بقوة في المشهد الشعري المعاصر، هذا ما تؤكده الشاعرة المغربية، معتبرة أننا اليوم أمام ثورة الكتابة النسوية بعد عصور من الطمس لهوية المرأة ولحقها في أن يكون لها صوت يمثل كيانها كأنثى، بعيدًا عن كل أنواع الاضطهاد الذي عانت منه.
وتضيف "طبعًا، بفضل أصوات رائدة استطاعت، رغم الظروف الاجتماعية والثقافية، أن تثبت كفاءتها ندًّا للرجل وتغير رؤية المجتمع للمرأة وتغير الصورة النمطية. لدينا نساء حملن المشعل واستطعن أن يفرضن حضورهن القوي، سواء في العالم العربي أو في المغرب، حيث قطعن مع كل التمثلات التي كانت تحصر المرأة في زاوية المعشوقة مثلًا أو في خانة التقليد، بفضل الانتشار الواسع للحريات والتمتع بالحقوق، ومنها الحق في التعبير عن الذات عبر الكتابة، وبفضل وسائل الإعلام الحديثة التي سهلت أن يخرج صوت المرأة للعالم من القيود التي كممتها بها التقاليد، وتحولت المرأة في المشهد الشعري اليوم من موضوع للقصيدة يُكتب بلسان الرجل، إلى ذات فاعلة تكتب تجربتها الإنسانية بصوتها المستقل."
نسأل زهرة بولحية إن كانت تعتقد أن المرأة حين تكتب الشعر تكون مطالبة بشكل مباشر أو غير مباشر بأن تكتب من موقع «المرأة»، أم أن الشاعرة قبل كل شيء هي كائن إنساني يستطيع أن يتجاوز التصنيفات؟
تقول الشاعرة "الكتابة الإبداعية عمومًا هي عملية تكثيف للتجربة الإنسانية المفتوحة على شساعة الخيال. لكن الرؤية الجمالية في هذا الموضوع ذات بعدين: التجربة الخاصة التي تستوعب خصوصية المرأة حين تصدر في كثير من الأحيان عن وجدان وحس مرتبط بحياتها كأنثى، وهو ما يمنح كتابتها ملمحًا خاصًا، ولغة تميل إلى التشكيل الاستعاري المرهف، ثم الوعي بالسياقات الثقافية والاجتماعية للتعبير عن الذات من موقع اجتماعي وجمالي يمنح النص بصمته الفريدة، برهانات تعبر عن أحلام وطموحات تنفتح على الأفق الإنساني، لأن الأدب الحقيقي يتجاوز الحدود الضيقة نحو مساحات إنسانية مشتركة ليتحول إلى أداة للتأمل والمساءلة والابتكار الجمالي، تتوارى فيه التحديدات الجِنسوية لصالح ‘النص‘ في أبعاده المختلفة."
قصيدة النثر ووظيفة الشعر
قصيدة النثر أصبحت أكثر الأشكال الشعرية حضورًا في الكتابة المعاصرة. من خلال ذلك تسأل "العرب" بولحية: ما الذي وجدته فيها ولم تجده في الأشكال الشعرية الأخرى؟
تعلّق "سؤال مهم يلقي الضوء في الوقت نفسه على المشهد الشعري الحديث، حيث قصيدة النثر الشعرية هي الأكثر انتشارًا. أنا أحاول أن أكتب في كل الأشكال. لكن ما يأسر الشاعر في قصيدة النثر هو مجال الحرية في الكتابة، إذ التحرر من القيود العروضية التي تم استبدالها ببناء فني جديد يعتمد على الإيقاع الداخلي والتركيز المكثف، والتآلف الصوتي بين الكلمات والتكثيف والإيجاز وتناسق الصور والمعاني في مساحة محدودة، يمنح الشاعر حرية لتشكيل فضاء قصيدة متكاملة البناء عبر صور شعرية مبتكرة والاشتغال بحرية على اللغة، وبشكل أساسي على المجاز والمفارقة والرموز والغوص في اللاشعور، وتجاوز المألوف. حيث تستفيد قصيدة النثر من حيوية النثر ومرونته، محافظة على روح الشعر وعمقه الإنساني والفلسفي."
كثيرًا ما يطرح سؤال الشعرية في قصيدة النثر. أين ينتهي النثر وأين يبدأ الشعر، وما الذي يجعل نصًا ما قصيدة نثر حقيقية وليس مجرد نثر مقطع إلى أسطر؟
تقول الشاعرة "لا تكمن الشعرية في قصيدة النثر في الشكل الخارجي أو الإيقاع الذي تولده البنية الداخلية للنص، ولكن في الطريقة التي تدار بها التجربة الشعورية، وفي الموازنة بين الشعر والنثر، وهي قصيدة لا تهدف إلى إيصال معلومة، بل تهدف إلى إحداث أثر وجداني وجمالي لدى القارئ، بهذا فقط تختلف قصيدة النثر عن القطعة النثرية العادية."
أما عن دور الشاعر وغن كان عليه أن ينخرط ضرورة في قضايا الإنسان والمجتمع، فترى زهرة بولحية أن الشعر كان وما يزال ديوان العرب الذي يسجل الأحداث والوقائع ولم ينفصل عن هذه الوظيفة، معتبرة أن الانخراط في قضايا الإنسان والمجتمع هو مطلب وظيفي وجمالي أيضًا، فالجمال في الشعر ليس غاية معزولة، بل هو الوعاء الفني الذي يحمل المعنى والتجربة الإنسانية.
وتشدد على أنه إذا كان اتجاه «الفن للفن» يرى أن الهدف الأول هو خلق المتعة، فإن اتجاه التزام الشعر بالوظائف الاجتماعية والإنسانية يرى أن الشاعر ابن بيئته وزمانه، ووظيفة القصيدة في نهاية المطاف هي التعبير عن آلام المجتمع، ومناهضة الظلم، ومحاكاة التحولات الفكرية والوجودية للإنسان، والشعر الحقيقي هو الذي يمزج بين الوظيفتين، يتبنى قضايا الإنسان دون أن يفقد شروطه الجمالية.
في زمن وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح نشر القصيدة متاحًا للجميع، وظهرت أسماء شعرية كثيرة خارج المؤسسات الثقافية. نسألها إن كانت ترى أن هذا الأمر خدم الشعر، أم ساهم في انتشار نصوص تفتقر إلى التجربة والوعي الفني؟
تقول "في زمن دمقرطة المعرفة وانتشار الوسائط الإلكترونية، توفرت إمكانيات لا محدودة للنشر والكتابة والتعبير عن الرأي، هي ثورة معرفية غير مسبوقة، والساحة اليوم تمتلئ بأسماء لا تعد ولا تحصى. وهذا الأمر له إيجابيات كما أن له سلبيات. لأن الكثير من النصوص تفتقد روح الشعر، والرؤية الواضحة للقصيدة، وروح الفن الأصيل. وهذا لا يخدم فن الشعر، لأن هذه الوفرة تحمل في طياتها مفارقة عميقة تؤثر على الممارسة، خصوصًا وأن كثرة المنصات تسمح بالتسطيح وكسر الحراسة التقليدية."
وتتابع "كما أن التفاعل السريع يكون على حساب ما يتطلبه روح الشعر من التأني والتأمل. ولهذا أرى أنه من الضروري أن تكون المواكبة النقدية حاضرة. فدور الناقد التمحيص والتمييز والغربلة، وهذا الدور للأسف يعرف تراجعًا، في زمن في أمس الحاجة إليه ليقيّم ويجيز. والتكنولوجيا هي وعاء حركي؛ يخدم الشعر حين تستغل للتواصل الخلاق ونشر التجربة الجادة، وتضر به عندما تُختزل الكتابة في مجرد حضور شكلي يفتقد المعمار الفني وروح الجمال."
أما عن ما تريد أن تقوله زهرة بولحية من خلال القصيدة؟ والسؤال الذي ما زالت تبحث عن إجابته كلما جلست أمام ورقة بيضاء؟ فتقول "القصيدة التي أحلم بها لم أكتبها بعد. ولكن البحث دائم عن رحابة الأثر الذي يخلد فكرة أو شعورًا قبل الرحيل. أما عن الأسئلة المؤرقة فكثيرة، ومنها: كيف نواجه سيف الوقت الذي يلتهم اللحظات والأشخاص، وهل نستطيع حقًا فهم الآخر أم أن العزلة هي القدر الحتمي؟"

518 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع