
سعاد عزيز
مهناز ميمنت…قيادة امرأة في مواجهة ولاية الرجل
في إيران التي يريد نظام الملالي أن يجعل من المرأة كائنا تابعا، محاصرا بالقوانين والفتاوى والوصاية، تبدو صورة أخرى للمرأة الإيرانية وهي تتقدم إلى الصف الأول من العمل السياسي والتنظيمي. ولعل انتخاب مهناز ميمنت أمينة عامة لمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية، في مستهل عامها الثاني والستين، يقدم نموذجا لافتا لهذه المفارقة.
فالمسألة هنا لا تتعلق بمجرد اختيار امرأة لتولي منصب قيادي، وإنما بمسار تنظيمي طويل جعل وصول النساء إلى أعلى مواقع المسؤولية أمرا متكررا، وليس استثناء عابرا. وقد جاءت ميمنت إلى موقع الأمينة العامة بعد مسيرة امتدت لعقود داخل المنظمة؛ إذ كانت عضوة في الهيئة التنفيذية منذ عام 1989، وفي مجلس القيادة منذ 1993، وفي المجلس المركزي منذ 2014، ثم رديفة للأمينة العامة منذ 2021. وفي الجولة الأولى من الانتخابات الأخيرة حصلت على 56% من الأصوات.
وهنا تكمن دلالة الحدث.
فحين تكون غالبية الوجوه التي تتصدر المواقع القيادية من النساء، فإن الحديث عن مساواة المرأة بالرجل يتجاوز مستوى الخطاب السياسي إلى مستوى الممارسة التنظيمية. والأهم أن ميمنت لم تصل إلى موقعها من خارج التجربة، بل جاءت من قلبها، بعد عقود من تحمل المسؤوليات، لتتولى الآن أعلى منصب تنظيمي في مجاهدي خلق.
من التأسيس إلى القيادة
تكتسب هذه الخطوة معناها أيضا من التاريخ الذي تحمله المنظمة. فقد تأسست مجاهدي خلق عام 1965 على يد محمد حنيف نجاد، وسعيد محسن، وأصغر بديع زادكان، في سياق معارضة استبداد الشاه والسعي إلى بناء تنظيم وطني ديمقراطي. وبعد اعتقال مؤسسيها وقيادتها في سبتمبر 1971، ثم إعدامهم عام 1972، تحولت المنظمة إلى رمز للمقاومة في مواجهة القمع، واستمر حضورها في الحياة السياسية الإيرانية رغم الضربات التي تعرضت لها.
وبحسب التقرير، لم يكن ذلك التاريخ منفصلا عن قضية المرأة. فقد حظيت المنظمة باهتمام قطاعات واسعة من النساء، إلى جانب الشباب والمثقفين والأقليات، كما ارتبط خطابها السياسي بمفاهيم الحرية وسيادة الشعب ورفض احتكار السلطة. ومن هذه الخلفية يمكن فهم كيف أصبح حضور المرأة في مواقع المسؤولية جزءا من مسار تنظيمي متراكم، لا مجرد استجابة ظرفية لمتطلبات المرحلة.
ولعل الجانب الأكثر إثارة في هذه التجربة هو أن المرأة لا تظهر فيها باعتبارها "واجهة نسائية" للعمل السياسي، وإنما باعتبارها صاحبة قرار ومسؤولية وقيادة. فقد انتخبت ميمنت عبر عملية تصويت متعددة المراحل شارك فيها أعضاء المنظمة في سبع دول، ثم اختارت بدري بورطباخ ونرجس عضدانلو نائبتين أقدمين لها. كما تولت الأمينة العامة السابقة زهراء مريخي رئاسة المجلس المركزي، وفق النظام الداخلي للمنظمة.
ذاكرة النضال وثقل المسؤولية
ولا يمكن فصل صعود ميمنت عن الذاكرة التي تحملها. فقد قتلت والدتها واثنان من أشقائها على يد النظام، بينما تعرض شقيق آخر للسجن والنفي. ومن ثم فإن وصولها إلى موقع القيادة يأتي محملا بذاكرة عائلية وسياسية ثقيلة، لا بمجرد طموح شخصي.
وتشير هذه السيرة إلى أن القيادة، في مثل هذه التجارب، لا تقاس بالمنصب وحده، بل بما يسبقه من التزام وتضحيات ومسؤوليات. فالمرأة التي تتقدم إلى موقع القرار لا تأتي بالضرورة من خارج دوائر الصراع، وإنما قد تكون قد دفعت ثمنا مباشرا من حياتها وعائلتها، وهو ما يضفي على حضورها بعدا يتجاوز التمثيل الرمزي.
في مواجهة ولاية الرجل
وإذا كان نظام الملالي يصر على اختزال المرأة في دور تحدده لها المؤسسة الدينية، فإن تجربة مجاهدي خلق تقدم، على الأقل وفق الصورة التي تعرضها المنظمة عن نفسها، تصورا معاكسا: المرأة ليست نصف المجتمع فحسب، وإنما يمكن أن تكون في موقع قيادة المجتمع وصناعة القرار أيضا.
وتزداد أهمية هذه المفارقة حين نضعها في سياق الموقف الذي أعلنته المنظمة من مفهوم "ولاية الفقيه". فالتقرير يربط بين رفض مجاهدي خلق احتكار السلطة الدينية وبين دفاعها عن الحريات وسيادة الشعب. ومن هذه الزاوية، لا تبدو قضية المرأة ملفا منفصلا عن الصراع السياسي، بل جزءا من السؤال الأوسع: من يملك حق اتخاذ القرار، ومن يحدد موقع الإنسان في المجتمع؟
لقد سبق للمنظمة أن قدمت مريم رجوي أمينة عامة عام 1989، ثم رئيسة منتخبة للجمهورية خلال الفترة الانتقالية عام 1993. وبصرف النظر عن الموقف من المنظمة أو تقييم تجربتها السياسية، فإن تكرار وصول النساء إلى مواقعها العليا يفرض التمييز بين الخطاب الذي يرفع اسم المرأة، والممارسة التي تمنحها سلطة فعلية.
إن أهمية تجربة مهناز ميمنت لا تكمن في اسم الأمينة العامة الجديدة وحده، بل في الرسالة التي يحملها تكرار حضور النساء في قمة الهرم القيادي: المساواة لا تقاس بعدد الشعارات التي ترفع باسم المرأة، وإنما بالمكان الذي تمنح فيه سلطة القرار.
ومن هذه الزاوية، فإن صعود مهناز ميمنت ليس مجرد انتقال قيادة، بل حلقة جديدة في مسار جعل من المرأة في مجاهدي خلق رقما صعبا في معادلة القيادة السياسية والتنظيمية الإيرانية. وهو، في المقابل، يطرح على نظام الملالي سؤالا لا يستطيع تجاوزه بسهولة: كيف يمكن لنظام يصر على ولاية الرجل أن يواجه نموذجا لامرأة تتولى أعلى موقع تنظيمي في واحدة من أبرز قوى المعارضة الإيرانية؟

1176 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع